سحر الرملاوي
الجزء الاخير من الرواية كان يؤرقه ، قضى سبعة عشر يوما و هو يحاول أن
يكتبه ، و في كل مرة كان يسطر فوق الورق الأبيض سطرا أو سطرين و يعود
فيمزق ما كتب و يمسك القلم بإصرار غريب و يعاود المحاولة مجددا …
يجب أن
تموت الغانية اللعوب … النهاية المنطقية و العادلة لهذه الرواية الصعبة
..
إمرأة زينت
حواشي نفسها بالخطيئة الجميلة ، مارست كل أنواع الخطايا ، و استمتعت
كثيرا بما كانت تفعله ، ليس من العدل أبدا تركها في غيها .. لابد من
قتلها …
يمسك القلم
، يرفعه أمام الضوء الساطع كخنجر مسنون ، يتأمل ريشته الذهبية الأنيقة
، كانت زهرة قد اهدته اياه قبل عشرة أعوام حين مرت بحياته و لم يمر
بحياتها ، و مازال محتفظا به ، محافظا عليه ، لا يكتب به إلا النهايات
التي أرادت كما وعدها :
- لا تكتب
به إلا النهايات السعيدة .. أرجوك …
وعدها و
التزم بوعده تماما ، و من أجل هذا الوعد تحديدا سُمي في الساحة الأدبية
بالكاتب المتفائل …
لا يتوقع
أحد أبدا أن تكون روايته حزينة النهاية .. يعرف الجميع مسبقا أن البطلة
ستتزوج البطل و يسدل الستار عن نهاية سعيدة لحب واجه الصعاب المنتقاة
بعناية ..
معظم قرائه
من الشباب الحالم ، يقبلون على رواياته و كأنها الحلم الذي يتحقق و
الأمل الذي تنبت بذوره أشجار الجنة المفقودة …
لكن هذه
المرة لا يستطيع ، تمرد عليه قلمه و سطر قصة مغايرة … كتب عن قلب مغلق
و جسد متحرر ، كان مستمتعا جدا و هو يكتب عن هذه الفاتنة اللعوب ..
أخترع من أجل خلاصها كل الالاعيب الدنيئة ، خلصها من كل المقالب
الشريرة ، و كان يقفز بها من قلب المخاطر في اللحظة الاخيرة ، عاش
محموما طيلة فترة توحده مع كتابتها … اختارها جميلة ، بل أجمل من كل
جميلة ، وضع فوق صفحة وجهها و عنقها ملامح قلما تجتمع لبشر ، و نحت
قوامها من مرمر الكلمات المذوب في العسل و النور ، جعل من تموجات شعرها
الداكن الطويل قصيدة بلا بداية و لا نهاية ، أخرج من حنجرتها صوتا به
غنج يشبه النغم ، انطقها بأروع العبارات و جعل من كلماتها دروسا في
الحكمة …
احاطها
بالمعجبين و الضحايا الغارقين حتى آذانهم في الوله … أحكم ايصاد قلبها
لتظل حتى الفصل الرابع ملكة لا ينازعها على عرش القلوب دقة قلب خفية
تباغتها فتطفئ اضواء تألقها و بهجة التعالي في خطواتها …
قرأ
العبارة الاخيرة في الفصل الرابع عشرات المرات ليوري في نفسه نار غيظ
تدفعه للثأر لكل الضحايا في الفصول الاربعة ….
:"نظرت إليه نصف نظرة ، و اعطته ظهرها و مضت …
لم تنس في
طريقها أن تمر فوق دموعه المنسكبة …
و لم ينس
ثوبها الطويل أن يشرب تلك الدموع
لتنتشي
ورداته الحمراء و تسطع تيها "
و ها هو
بعد كل هذا الصراع يجد نفسه أمام اوراق بيضاء مستعصية على الكتابة ،
ترفض أن تتلقى المزيد ، تتواطأ مع الفاتنة في قلب موازين الاشياء
ناموس الله في كونه أن يلقى الطاغي جزاءه …
عبث
بالاوراق المكومة على الحافة البعيدة للطاولة ، أوراق كثيرة تحمل هموما
كبيرة لرجال رضخوا رغم عنفوانهم لريشة ذهبية على رأس قلم لم يبلى ،
أراد لهم أن يكونوا ضحية نزوته ، و رفض في النهاية أن يكتب النهاية ….
سمع همهماتهم فخالها تحمل احتجاجا على جبنه .. تطالبه بالقصاص العادل ،
تقدم له النهاية على صورة خنجر في كل يد ، يتوجه إلى قلب الفاتنة ، أو
رصاصة مقصودة تطير فوق حرائق انفاسهم لتستقر في الرأس الجميل …
سحب ورقة
عشوائية خرجت من تحت كوم الورق ، لعلها من الفصل الثاني ، أو ربما هي
من الفصل الثالث ، طافت عيونه فوقها ، خرج منها صوت متألم لرجل يحب ،
كان يقول :
:" اعرف
أنها لن تكون لي رغم زيف ادعائها …
و اعرف
أنها في وادي القمر تمشط شعرها أمام بركة رائقة من دموع من أحبوها …
و اعرف
انني اقتات الوهم حين أدعي أنني الوحيد في قلبها …
بل إني
اعرف أنني لم ألامس يوما ذلك القلب ..
اعرف كل
هذا لكنني أقسم …
أحبها …"
ألقى
بالرجل – بالورقة – فوق كوم الورق ..
أمسك القلم
ذهبي الريشة باصرار ، كان قلبه يدق غضبا في صدره ، كان يريد ، بل يصر
على قتلها .. ضغط على القلم يعتصره .. و بدأ يكتب …
كتب كثيرا
… ظل يكتب و يكتب ، كان الليل يمضي و الصمت المطبق يحذر أن يقطع
الانتقام الجبار ، تفصد جبينه عرقا ، كان في داخله موقنا أن ما يقوم به
هو النزع الاخير ، هو الخلاص ، هو العدل …
داخلته حمى
التوحد ، فارتجفت اوصاله ، شعر بالنار تخرج من اصابعه ، من عيونه ، من
تجويفه الرافض ، فظل يكتب …
- لا تتكتب
به إلا …
مازال يكتب
- النهايات
السعيدة ..
ما زال
يكتب
- أرجوك …
مازال يكتب
- أرجوك …
مازال يكتب
أخيرا
عندما توقف على كلمة النهاية ، تطلع بفخر لما كتب …
لم يكن ثمة
شئ …
.
.
.
.
كان القلم
بلا مداد …

|