الحنين..


سحر الرملاوي

كيف يمكن أن نعرف الحنين ؟

هل له في لغتنا مرادف يشبهه ؟

عشرات الكتب حولي أبحث فيها عن معنى قريب للحنين ..

 كنت قد ألقيتها في لا مكان حين مزجنا الزمان و المكان معا و لبسناهما …

 و اليوم أستعيدها من مكان قصي ..

 مكان لا يرتبط بالزمان ، لذا فهو مكان خارج أسطورتنا ..

 ذات يوم ملبد بالغيوم و البرد قلت لي انك تشعر بالحنين حين ابتعد عنك ..

 فالتمعت ابتسامة الشمس و صبت فوق هامتينا الدفء ..

 ومن يومها ارتبط الحنين عندي بابتسامة الشمس ..

 ليس في هذه الكتب شيئا يربط الشمس بالحنين ..

 وعندما كنت أفتش في عقلي عن معنى للحب دق قلبي فعرفت أني أخطأت طريقي و فتشت في مكان لا

 علاقة له بالحب ..

 قلت لي ذات مساء و نحن نطارد فراشات خيالنا الفضية :

- مغرمة أنت بالبحث عن مترادفات الكلمات ..

 قلت لي :

- أنا احبك .. فلماذا تبحثين عن معنى للحب إذا كان حبي لك يشبه الأسطورة ..

 قلت و كنت تضحك :

- لن تجدي في كل كتب اللغة أن الحب أسطورة ..

 تفسيري الوحيد لكل شئ هو ما أشعر به .. حين نحبس المشاعر في سطور الكتب نكون كمن يعبئ شعاع
 
 الشمس في أجولة ..

 مستحيل يا حبيبتي .. مستحيل كالمستحيل .. هل للمستحيل معنى في قواميس اللغة يشبه أن نفترق ؟

 ليس في كل هذه الكتب شيئا واحدا يجمع في معناه ضدين .. فكيف جمع المستحيل فراقنا و بقاءنا معا ؟

 عقله و عقول الآخرين كانوا دوما بالمرصاد لعلاقة  قالوا و قال أنها المستحيل ..

 لكن المستحيل في عرف من ؟

 كان المستحيل عرف العقل .. فلماذا تركنا لهذا الذي يتربص بنا أن يتحكم في شئ لا يملك ان يتحكم فيه و

 لا ينبغي له ..

- لكننا لسنا وحدنا ..

 هذا ما قلته و أنت تهز كتف ساقطة مخذولة .. هكذا قلت و جبهتك معقودة على ألم بلا معنى ، ألم من 

 استجاب لحكم قاض لا يقبل النقض أو الاستئناف …

 لماذا قبلت بحكم العقل … بحكم كل العقول الجامدة ؟ لماذا قبلت أن تمنح عيدنا البهي كبش ذهبي من آهات
 
 قلوبنا الملتاعة ؟

 لا لم يكن أبدا من حقك .. لم يكن ينبغي لك و لا ينبغي لهم ..

 لكنك رغم كل اعتراضات الكون التي سجلتها بين يديك عيوني ..

 رغم كل صرخات الرفض الملتاعة نفذت الحكم ..

 قلت لي لابد من أن نحكم العقل ..

 تبا لك و تبا للعقل … لماذا أدخلته في قضيتنا .. لم يكن أبدا طرفا فيها .. لم يكن له علينا أية سلطة .. كنا

 الجنون - إن شاءوا أن يطلقوا هذا اللقب الفخم على علاقتنا - كنا الجنون .. الجنون … الجنون …

 لا مكان لعقل في بحر من جنون ..

 فمتى تسلل هذا العقل إلى علاقتنا ؟

 متى دق الباب و من فتح له ؟

 وأين كنت أنا حين فعلها ؟

 أين كان العقل حين نسجنا ..

 و جدلنا …

 و بنينا ..

 و مزجنا…

 و خلطنا …

 وغرزنا في النخاع علاقتنا .. ؟

 أين كان العقل حين تركنا البذرة تنمو ، و تركنا الوليد يغدو يافعا قويا ؟

 كيف هان عليك ولدنا الجميل .. كيف استطعت ان تنزع الشجرة العزيزة من جذورها لتلقي بها في أتون
 
 النار ..

 أوصال من كنت تدفئ ببعضنا ؟

 حب مستحيل …

 ما أغباها من كلمة .. ما ألعنها من كلمة .. من ذا الذي يملك أن يومئ إلى النجمة و يرمي علاقتها بالسماء

 بالمستحيل ؟

 أو يملك أن يقبض على القمر بتهمة التلصص على الكون و الناس نيام ..

 كنت جبانا أيها الحبيب البعيد .. كنت جبانا و لم اكن يوما كذلك ..

 وقفت أمام الدنيا أحمي حبي ، كنت احميه منهم و نسيت ان احميه منك ..

 كنت أغلف ضعفك بالأعذار حتى لا يموت الحب .. لقد صالحت الدنيا أيها الغبي حين أحببتك .. صالحتها ، أحببتها .. اقتربت منها و جعلت منها أخت وصديقة ..

 لم يكن فيها ما يثير حفيظتي .. كنت أعتقد أنني وأنا المحبة قد ملئت قلبي حتى فاض فلم يعد هنالك من

 مكان لأية تفاصيل غبية ..

 آه ….

 آه….

 آه….

 وألف آه أطلقها في عتمة ذات شهود …

 أتدري ؟ لقد خاصمت عقلي بعد فراقنا ..

 لم اعد اعترف بوجوده .. أتسلى بعناده .. أتسلى بعصيان أوامره ..

 لكن خصمي عنيد .. انه يسكنني .. يحرك قوى الرفض داخلي .. يؤلب علي الدنيا .. يؤلب علي نفسي …

 يغلبني في كل يوم عشرات المرات .. يسيرني رغم جنوني ..

 الوخز في رأسي إحدى حيله لفصمي عن ذاتي .. لخلعك من قلبي ..

 و قلبي .. ذاك الصغير الذي يعيشني .. كم يعذبني .. كم يؤلمني بكاؤه .. لم تفلح معه الهدهدة .. لا و لا

 المدارة .. اربت عليه في كل ليلة .. و اسقيه دواء النوم السحري .. فلا ينام .. يظل يدق صدري و يركله و

 يقف للنوم بالمرصاد …رغم ضعفه .. رغم جرحه .. الا انه مازال قويا .. أقوى مني .. أقوى من إرادتي ،

 لا املك أبدا ان أسكته ..

 أيها الغبي .. لماذا تركتني ؟

 وأنت أيتها الكتب الغبية الا تملكين مرادفا مقنعا للحنين ؟