|
قصة / سعيد رمضان
سارت في الطريق وحدها
, بمحازاه الجدران , محاذرة إن تلتقي عيناها بعيني اى رجل
, وهى في فستانها الرمادي الطويل والايشارب الأسود الذي
يغطى رأسها ويلتف بأحكام حول عنقها – في ذلك اليوم الحار –
تبدو كسحابة شتاء رمادية تخطت حدودها وتطفلت على سماء الصيف.
أرادت إن تجرى
بأصابعها على الجدران , إن تحجل برجل واحدة , إن تــبصق مع
كل خطوة , لكنها شعرت بالرعدة وهى تفكر في هذة الأهوال ,
يكفيــــــها أن تحلم بالأشياء كالكلب الذي تكفيه العظمة ..
لكن هل يشــــعر الكلب بأنه كلب؟؟؟؟
أخيرا لاح لها مكتب
البريد .. توقفت لحظات إمام محل تتكدس فيه البضائع المستوردة
, نظرت لنفسها في اللوح الزجاجي , بغموض شعرت أنـــها
بداخله تنظر لصورتها الواقفة على الرصيف .. صور ة بدت لــها
كشيء هش.
تحركت بعد أن عدلت
حقيبة يدها من كتف إلى كتف , حركت الايـــــشارب قليلا وهى
تتلفت بانزعاج ... دخلت المكــتب .. اتجهت مباشره إلى ثاني
شباك , أخذت تعبث في حقيبة يدها .. في أظافـرها .. باطن
يديها .. حتى انتهى الموظف عبده مما في يديه :
-
أيوجد شيء يا عبده؟؟
سألت كثيرا سؤالها في
شهور ستة طويلة ماضية , لم تفكر أن تــنتظر موزع البريد
كالآخرين .. حتى أصبحت مألوفة وتستقبل بترحاب وخاصة من عبده
.. نظر إليها باسما وناولها خطاب .. تناولته بلهفة
- أفتحه خارجا
وأحضره تقرأه لي
خرجت , مزقت المظروف
, أخرجت خطابها وفردت طياته .. نظرت للسـطور المبهمة
بأشكالها الغريبة المسطرة عليه , عادت للمكتب وناولت لعبده
الخطاب .. نظر إليها لحظات .. أنصتت بلهفة :
-
بسم الله الرحمن
الرحيم
قرأ بصوت خافت حتى
لا يسمع الآخرين الأسرار هكذا قال لها كما قــال لها أشياء
كثيرة وآمنت بكل ما قال .. انه الوحيد الذي تعرفه وتثق به :
-
" زوجتي العزيزة" ..
والله بيحبك جدا
قالت بلهفة:-
-
طيب وبعدين ؟ كتب سيحضر متى ؟؟
عبثت بحقيبة يدها ..
طالع عبده الخطاب ورد :
- أرسل
لك مالا
قالت بضيق:- لكن متى
سيحضر ؟؟؟؟؟؟؟؟
شعرت بإضراب وهى
تتجنب نظرات عبده الفاحصة .. عادت تعبث بحقيــــــبة يدها
- لم يكتب
شيء عن موعد حضوره
بدا عليها الوجوم
وقفت جامدة .. سألها اقرأ الباقي ؟ لم ترد .. هزت رأسها
بشرود تناولت الخطاب ووضعته في حقيبتها
-
اكتبي له خطاب واشرحي
له ضيقك
نظرت إليه بتعاسة ..
استطرد بهمس
-
أكتبه أنا وبخط واضح
تطلعت إلى داخل عيناه
.. شعرت بدوار .. قالت بضعف وبصوت لا يــكاد يسمع
- طيب
تلفت عبده حوله بسرعة
وقال
- ليس ألان .. عندما ينتهي عملي
***************
عادت لبيتها ..وضعت
حقيبة يدها على الكنبة , جلست تتأمل شقــــــــــتها
الخالية والتي يتفجر فيها الصمت .. ضجة الحياة تتحطم على
جدران شقـتها الخارجية فلا تسمعها .. إنما فقط يدوى في
أذنيها الصمت , تراه يلـــــــــتف حولها كجدران تضيق حولها
شيئا فشيئا حتى تعصرها , تذكرت أشياء أخرى كانت تعصرها
وبطريقة مغايرة ... ذراعان قويان متصلان بصدر تنـصت إلى
ضرباته بشغف وهى تتصاعد مع الأنفاس الــمـتلاحقة , وتنظر
بمتعـة للجسد الرجولي وهو يسحقها .. وفجأة تركت وهى عروس في
شهر العســـــــل.
نهضت , تجولت متأملة
قطع الأثاث , جرت عليها براحة يدها .. لم يـــأت زواجها
بسهولة .. أنتظرتة من الصـغـر, مع كل حدوتــــــــة تحكى ..
مع كـل زغرودة تنطلق في حارتها ومع أشياء كثيرة أخرى .. لكنه
جاءءهاو هي بعد الثلاثين .. جاءها بعد أن تفجرت عروقها وضجت
من السخط , القلق, الخوف , وصل اليهابعد إن أصبح الرجل حلما
من تلك الأحلام التي تثير الشوق والمتعة ولا تجدها أبدا في
واقع الحياة,.. فجأة وجدتة إمامها منتصبا بكل جلال وجمال
واحترام .. لم يهمها من هو : في الأربـعين أم الخمسـين..
اسود أم ابيض..عربي أم عجمي .... ذابت تقاطيعه في تقاطيع
عشرات الرجال .. لـــم تستقر ملامحه فىذهنها وتتـــــعود
عليها فـتميزه عن الآخرين إلا بـــــعد أسبوعين من شهر العسل
, وخلال هذة المدة لم تر سوى جسدا ينهض فوقها وهى مستقرة على
الفراش لا تبرحه , كأنها مازالت في أحلامها مع الرجـل.
وعندما بدأت تميز ملامحه من بين عشرات الرجال.. وعنــــــدما
بدأ جــــسد ها يستقر ويحقق توازنه.. إذا بــه فجأة يختفي
ولا يترك لها سوى الحلم ...
دارت في الشقة حتى
وصلت للحمام .. تأملــته, متسع وابيض .. ضغطت على مفتاح
السخان واتجهت لحجرة نومها , حجرة صنعتها في الخـــيال .. كل
قطعة فيها بيضاء .. رفضت اى محاولات لأ حضار طقم بلون أخر
بأستماته لـــم تفهمها هي نفسها .. فتحت الدولاب.. أخرجت كوم
ملابسها الداخلية .. أطقم جديدة .. اشترتهم أسبوع وراء أسبوع
ولم يهمها الثمن.. بدأت تخـتار ماسو ف ترتدية , لكن ماذا
تقول له في الخطاب ؟ أتقول انه تأخر عنها ؟ أم تسأله عن
أحواله في تلك البلد التي لا تعرفها ؟تذكرت أقوال أبيها قبل
زواجها : (بيعمل في بلاد الغـربة)
نعم في بلاد الغـربة
تذكرت بعض الرجال من أقاربها عندما اغتربوا وهم مازالوا
شبابا وعادوا بعد سنوات وقد غارت عيونـهم وهزلت أجسادهم
وأصبحوا عاجزين حتى عن ممارسة الحياة .. فهل سـيصبح زوجها
واحدا منهم ؟؟؟
استقر رأيها
اخيراعلى ماسترتديه .. أعادت الباقي إلى الدولاب.. اتـــجهت
للحمام علقت ثيابها , عادت تناولت الخطاب اتجهت ثانية
صوب الحــمام.. خلعت ثيابها تمددت في البانيو الفارغ فتحت
الدش و تســاقط الماء الساخن على جسدها , انتظرت حتى امتلأ
البانيو .. تناولت الخطاب .. فردت طياته .. تركته يعوم على
الماء حتى تبلل تماما.. ضغطت عليه براحة يدها حتى التصق
بجسدها .. أغمضت عينيها وسرحت في الحلم .
*****
قال لها زوجها وهو
ينصرف حاملا حقائبه: ( اعرف انك ملاك وسوف تنتظريني )
استيقظت من حلمها على
صوت الباب وهو يغلق ,نظرت حولها . كانت ما تزال في البانيو
والماء أصبح باردا – شعرت بقشعريرة , نهضـت بسرعة وجففت
نفسها , ارتدت ثيابها وعادت لحجرة نومها .. جلست أمام
التسريحة تتأمل نفسها في المرآة .. امرأة تزحف نحو الأربعين
ومن خلفها فراش بارد يـنظر إليها بسخرية ... وطيلة عمرها
كان ذلك الفراش أمامها .. تغيرت أشــــكاله وأحجامه لكنه ظل
كما هو .. فراش بارد وخالي .. حتى وهى صغــيرة كانت تنام
وحدها .. بكت أو بالت في سر يرها , تحدثت مع الصبــيان وجدت
دائما اليد التي تصفعها : ( .... أن الفتاة .... ) هكذا
كان يقول لها أبــــيها وهو يختلس النظر لأجساد النساء ..
حتى وهى في الثامنة عشرة لم يتـــغير الأمر .. ثم جاء أخوتها
ليستكملوا بإخلاص مسيرة الأب(... أن المرأة....)
وبين الأب والاخوه
عاشت حياتها أما أحلامها فقد ظلت منغلقة داخل الـــحلم حتى
جاءها أخيرا الرجل الذىيعمل في بلاد الغربة , الرجل الذي
تـحاول استدعاء ملامحه فلا تستطيع إلا بالـنظر إلى صورته
المعلقة على الحائـط مرتديا فيها بذلة مقلمة تبدوا لها
كنافذة بقضبان من حديد وهى داخل قبوها ترى الطيور ولا تسمع
الأغاريد تتأمل الهواء ولا تستــنشقه .......
تناولت أدواتها وجرت
على وجهها بأناقة تعلمتها طوال ليالي وحدتـها .. انتهت ..
نهضت .. أجالت بصرها في الجسد الذي يطالعها.. جرت براحى يدها
على خصرها .. خصر نحيل بأحشاء خالية :
( أولاد ؟؟ مش دلوقتى ياملاكى )
نعم.. عندما يستقر
.. يقولها دائما وهو يضع الحبة في فمها .. الحبة التــــي
صاحبت دائما الليالي .............
انتهت من تأمل نفسها
فخرجت إلى الصالة .جلست شاخصة ببصرها نــــحو باب الشقة..
لاحظت إن أصابعها ترتجف, قبضت على مساند المقعد بقوة ..
اختفى الارتجاف لحظات ثم عاد يصعد لساعديها .. عندما طرق
الباب صعد الارتجاف إلى فكيها .. ظلت جالسة مركزة عينيها
على الباب والنقرات الخافتة تجرى في الشقة وتصطدم بالجدران
ثم تعود من جديد إلى أذنيها....
(..... انه...انــــــــــه..... ) تحول الارتجاف
الان
من جسدها إلى تفــكيرها .. فتبعثرت الكلمات .. حاولت
استجماعها( .. أنه .. مجرد.. سيكتب ..خ.. خطاب ) جمعت نفسها
لتنهض .. شعرت بثقل وزنها .. بصعوبة تحاملت على نفــسها
متجهة إلى الباب... الطريق بدا لها لانــهائيا..خارت قواها
.. اتـــكأت على الكنبة .. المقاعد .. الجدران.حتى وصلت
أخيرا إلى البــــــــاب و استندت عليه بظهرها وهى تغمض
عينيها وتقبض على أصابعها .. فتـــــــحت عينيها ..رأت قطع
الأثاث تتحرك كخيالات الليل ... أغمضت عيــــناها بقوة ...
(..... أن
الفتاة .... أن المرأة ... أنك ملاك...)
أخذ
الكل يدوى داخل رأسها بعنف كأنها داخل ناقـــــــوس ضخم
والطرقات تنهال عليه من كل جانب بلا رحمة.. ثم شعرت بالنقرات
وهى تلمس ظهرها وتجرى في عظامها .. فأرتجف جسدها كله ... "
أن .. أنه مجرد خطاب .. سوف تبثه فيه أشواقها وستخبره فيه
بما يعتلج في قلبها .. وأن الفـــــــــراش الخالي أصبح مبعث
أساها " .......... استدارت وبيد مرتعشة فتحت البـــــاب ..
وبكل الخوف والقلق رأت عبده ينهض
أمامها
بكل الرجولة والجـــمال والغموض .. أخيرا سمعت الصوت الذي
أحاط بها وضعضع كيانها : ( جئت
أكتب
الخطاب )
فكرت وهي
تتمدد على الفراش مستسلمة لحلم جديد :"أنها ليست ملاك كما أرادوها
أن
تكون ..
إنما
هي مجرد امرأة"
|