إحالة إلى الفقد
 

  حسين السماهيجي

(1)

أشبه بالماء الذي ينساب بين أصابعك، فلا تكاد تقبض عليه حتى يفلت من بين يديك.. هكذا تكون حالتي مع القصيدة..

مريضٌ بها

فاقدٌ ومفقود

أطل بعينيّ على عالَم الغيب؛ فيلوح لي النصُّ كالبرق الذي أوقف مسار الزمن، لحظة تجليه في هذه الكتابة التي تحيل على الفقد

فقدٌ للذات

وفقدٌ للنص

ذات حلم، كنت أقول:

أروحُ وأغدو لا أَنِيْ في ادِّكارِها أُسارقُها والبيتُ أخطفُهُ خَطْفَا

يحيلني ذلك على ما يستعصي على التفسير، وتقصر عن دركه اللغة. أظل أيامًا طوالاً أهذي بالقصيدة، تتخايل لي في الصحو كأنثى لم تفتضّ بعد. أراها، في النوم، أنثى تخطر أمامي، شفافة، تعدو. لا يمكنني ألا ألتفت إلى رائحتها.

رائحتُها تغري بالتشكيل، كما تشكّلت تفاصيل الكائنات بعد رحلة السديم، وأخذت تتمظهر ضمن حركة دائبة في الشوق إلى الترقي، والوصول إلى حالةٍ من الألوهة.

(2)

تمتد حالة "اللحظة الأولى للكتابة" لتتصل بما قبل وما بعد. فيتشكل مفهوم للكتابة الشعرية يتجاوز المفهوم السائد عند الكثيرين، من كونه مجرد حالة اتصال آنية بها. أي كتابة اللحظة. فتكون القصيدة مجرد استجابة ساذجة لرغبة إنسانية في التعبير عن الذّات، دون أن تستطيع تجاوز ما هو سطحي على مستوى المادة، وما هو آني على مستوى الزمن. أسمي القصيدة التي من هذا النوع بالقصيدة المنبتّة، أي المنقطعة عن العين التي تمدّها بالمادة؛ فهي- في نفس الوقت- لا تختزن طاقة ذاتية تمنحها إمكانية التجاوز إلى المستقبل. ومن هذا المنطلق، فأنا أشكّ جدًّا في أن الكثير من النصوص التي تقدمت إلى المشهد الشعري العربي المعاصر- باعتبارها نماذج على حالات شعرية غير عادية، ولسنا هنا في مقام التمثيل والتحليل- هي، بالفعل، نماذج عليا للشعرية العربية حداثيةً وما بعد حداثية.

إن حالة الاتصال بما قبل وما بعد تؤشر إلى حركة على مستوى الزمن ومستوى المادة. كما تلتفت إلى أن هذه الحركة ليست متساوقة أو متصفة بالانسجام- بالضرورة- بين المبدع وبين نصِّه. ومع أننا شهدنا أمثلة كثيرة لمحاولات التحام بين المبدع وبين النص، عبر حالات من الهجرة المضاعفة من جغرافيا المكان إلى جغرافيا النص، ومن جغرافيا الفعل العقلاني إلى جغرافيا الفعل الجنوني، إلا أنها تبقى بنظر العامة من الناس حالات غير مفهومة وقلقة للغاية، وتشي بأمراض جسدية ونفسية. وتبقى مسارات هذه الحركة متسمةً بالغموض الشديد، فقد يكون التقابل والتضاد هو السائد بين الطرفين، ويغيب الانسجام والاطّراد.

في الحركة على مستوى الزمن، يكون الذهاب عبر حركة فلكية دائرية، أي بما يؤشر إلى انسجام الكائن المبدِع ونصِّه مع حركة الأجرام، فيكون هو مظهرًا من مظاهر تمخض حركة الوجود عن نصٍّ له صفة الديمومة والاستمرار، ولكنْ، مع لحاظ أنّ هذه الحركة الفلكية الدائرية تتصل بحركة أخرى خطية تشير إلى الترقي في مادة النص حال ظهوره وتجليه.

أمّا في الحركة على مستوى المادة، فهي- عبر اتصالها بالحركة على مستوى الزمن- تؤشر على عدم إمكانية فناء النموذج الإبداعي الذي يعود مرة أخرى إلى الظهور عبر نسغ مادي جديد ومغاير. ومن هنا، نستطيع تفهّم واستيعاب اتصال كبار مبدعي الشعر بمختلف الأشكال وانفتاحهم على الجديد، وعدم انغلاقهم على نموذج مخصوص.

(3)

يكون حيّز لحظة الكتابة الأولى، إذن، متجاوزًا لما يبدو عليه ظاهريًّا.

هو ذهاب في مسارين ضديدَيْن، ومتصل بامتدادٍ زمنيٍّ غير قابل للنفاد. ثمة قاعٌ لتلك اللحظة، يتمثل في المخزون الهائل من الأساطير والقصص والخرافات والميثولوجيات الدينية الكبرى. وهناك سطحٌ شفاف من العاطفة المشحونة، وهاجس المغامرة، والرغبة والتوق إلى الكشف.

يتصل عالَم القاع السفلي للحظة الكتابة بعالَم الغيب، فيما يتعانق السطح الشفاف بعالَم الشهادة والحضور. ولا يتوازن الحضور النصي والدفقُ الكتابي إلا بتشيؤ الإنسان الكامل ضمن هواجس هذه اللحظة. قد يعود إلى حالة النقص والفقد فيما بعد، ولكنه معها، يكون في حالة تماثلُ الكلِّيَّ المستوعبَ للوجود، أي بما يقارب التشيُّؤَ الحلاّجي ذا الكينونة الإلهية.

الاتصال بعالَم الغيب في تجربة الكتابة، بالنسبة لي، أمرٌ بديهي. الغريب هو أن لا يدرك المبدع وجودَه. قد يستعصي فهمُ كنهه، ولكنه- على أية حال- موجود. أن ينكتب النصُّ على غير تهيؤ واستعداد. أو أن تهيئ الذات لكتابة، ولكنّ غيرها هو ما يظهر إلى عالَم الوجود. أو أن تصاب بمرض عند حافَة الكتابة، وتصحو بها، وبعدها. كل ذلك إشارات إلى الخفي اللا مدرك واللامحسوس.

ثمة كتابة أخرى هي كتابة البرق. كتابة النثارات الطائرة، والمقاطع المتشظية. تتلبّس بحالة قد تدوم أيامًا، أو أسابيع، وربما سنوات. وترى الكائن في حالة نموٍّ أمام عينيك. إنها اللحظة التي يقع فيها المبدع ضمن حالةٍ من الألوهة الخارقة. ولن تكون هذه اللحظة مقيدةً بأي إطار. ولن تكون الذات متواريةً خلف حجاب يجعلها خاضعة لنطاق الرؤية العَينية، بل ستتجاوز- حتمًا- إلى الرؤيا، بطقوسها المنذورة للإنسان الإله.

(4)

لن يكون المبدِع في لحظته تلك، إلا كائنًا وسيطًا. يتنزّل في مرتبةٍ وسطى، بين أن يجري النصُّ على لسانه وبين أن يقوم هو بفعل القول و/أو الكتابة. ولا يفهم من هذا الكلام أنني أرى المبدع مجرد آلة تنقل النص؛ فأنا إنما أشير إلى طقوس لحظة الكتابة المتعالية التي تؤرق وتعذّب وتُمْرِض، والتي تمتد إلى المستقبل، وتتصل بالقاع الميثولوجي الأعظم، عبر حركة فلكية دائرية متشابكة مع حركة خطية، تستحضر مفهومي التجاوز والترقي في آن واحد.

هنا، نقع على النماذج العليا للإبداع.

وهنا، أيضًا، لن يكون الشكل حاضرًا إلا بما هو لحظة يتمظهر فيها النص آنًا بعد آن.

وهنا، بالمقابل، يكون سنخ المبدع مستنسِخًا لسنخية بشرية بحسب الظاهر، ولكنها مستبطنة لألوهية تعيد الخلق، وتستمتع بالترميم.هكذا هو المبدع.