يحمل نص " الأدب :
الذاكرة ، ، الخطاب " في السياق العربي الإسلامي "*
منظومة من الجدليات الدائرة في تخوم كهفية ، متعرجة
المنحدرات ، تلين هضابها الصعبة في منحى ، وتتعقد في مناحي
عدة ، إذ تحوي مضامينها الفكرية إشكاليات متأزمة تتقاطع مع
انعكاسات ايدلوجيه في البنية الفكرية ، فيجد الباحث الناقد
نفسه في بؤرة ضوئية تخفت إضاءتها فيصعب المسير، وتسطع بؤرها
بكثافة مطلقة مفاجئة ، فتجرح القلب من ألم الرؤية لواقعنا
الهش في عين الكاتب ، في رحلة نقدية طريقها سالك بصعوبة .
وتدور الدراسة
النقدية للنص في محاور عده أدرجها على النحو الأتي
ـ معضلة الفكر
العربي المعاصر بين جدلية " الماضوية ، الحداثة " وبين تيار
التوفيق بينهما بين ثنائية " الممكن ، المستحيل "
ـ متطلبات التجاوب
الحضاري بين ثنائية " الخصوصية الثقافية ، العولمة "
ـ هل الإبداعية
الأدبية رسالة في ضوء جدلية " التعبير ، التفسير " أم هي
إشكالية تدور بين " الأسر ، الانفلات "
ـ دراسة البعد
الجنسي في الأدب بين ثنائية الالتزام وفق متطلبات النص
الأدبي وبين الإباحية في العرض المنسحب من قواعد اللعبة
الأدبية في الصياغة والسبك .
مضمون الدراسة:
انعكست في النص رؤى
ثقافية متعددة ، متولدة من البنية الفكرية للكاتب محمد اسليم
، بحيث تشكلت رؤاه في ضوء الطرف الرافض للذاكرة الثقافية في
بنيتها الماضوية ،لإعتبارات الجمود واجترار ذاتها دون تجديد
في البنية الثقافية الاجتماعية ، ومنها انطلق في كتابته ، في
تشكيل رؤاه الثقافية التي حملت في تعرجاتها شبكة من الجدليات
الفكرية ، التي ما زالت رحاها تدور في رحلة الفكر العربي
المعاصر ، وتضمنت تلك المنظومة الجدلية إشكاليات لفظية في
النص ، وتبني وجهات نظر يمكن للباحث الموضوعي أن يعتبرها
أحادية من جهة ، ولكنها تتسق بتناغم مع بينة الكاتب
الأيدلوجية ، ومسارات انسكابها على النص ، ولكنها تتقاطع في
خطوط متعرجة مع نظرية غائبة عن النص ، وهي تيار التوفيق بين
الماضوية والحداثة بين جدلية الممكن والمستحيل ، وبالتالي
فإن النص مترع بمنظومة جدليات فكرية بين الحاضر و الغائب
،وما زالت تدور في تأزم وحدة في الخطاب على مائدة الفكر
العربي المعاصر والذاكرة الثقافية ، وما زالت الآراء تتخذ في
هذا الصدد في ضوء بعد أحادى إما في اتجاه التحجر والجمود على
أطلال الماضي في النمطية اللفظية ومصادرة الرأي الآخر وشخصنة
الحقائق ورفض الجدة والابتكار والانغلاق في منظور " الأنا "
ورفض الأخر وإلغائه من وجه العملة الأخرى ، او في ضوء مواكبة
مستجدات العصر ومتغيراته التي تعتبر الثابت في منظومتها هو
عنصر التغير الدائم على الإطلاق ، والمنطقية العلمية
المتتبعة للاتجاهات ، تستقرئ اتجاهين في ذلك الصدد الأول
منهما يعزز البعد الأحادي في النظرة وهو على الطرف النقيض
للماضوية والطرف الثاني يخرج من حيز الأحادية ويلتزم التوفيق
بينهما
الاتجاه الأول : :
هو اتجاه الانطلاق المسعور مع متغيرات العصر وسلخ الجسد عن
ذاته وارتداء الأخر في الجسد ، وركل خصوصياتنا الثقافية عرض
الحائط ، وإطلالتنا على الحياة في تخلق جسد من جين غريب عن
الأخر في بنية النشأة والخلقة ، يسايره في موكب الإمعية
التقليدية ، ومنسلخ عن عش النشأة لايمت إلى خصوصيته الثقافية
بصلة ، بحيث يشهر سيف إدانته لها بمناسبة ودون مناسبة ،
ويجتث جذورها من أغصان معاشه ، ويصر على النظر بعين حادة إلى
النصف الفارغ من الكأس ، فلا يرى إلا الكدر في النبع فحسب ،
وبؤر الخلافات السوداء في السلوكات ، وعصبية الفكر في
القرارات ، وسلبية القيم الموروثة في سلم التقاليد والأعراف
، وسطوة الجسد في الحراك ، وعنجهية الكلمة في الخطاب
.واستنساخ الأجيال في الأجيال في ثقافة مكررة غير متجددة .
الاتجاه الثاني :
وهو الاتجاه الغائب المغيب ، عملياً على الساحة الفكرية
المعاصرة ، إذ لا يبرز توظيفه العملي إنما هو رذاذ مقالات
ودراسات تدور في خط نظري بحت ، وذلك الاتجاه يمكن وصفه
باتجاه النخبة الفكرية الصامتة عملياً في مجتمعاتنا العربية
، وذلك الاتجاه ينادى بضرورة التجاوب مع متطلبات الرحلة
الحضارية ، وتوظيف تقنياتها في حياتنا اليومية ، والتعامل
الجاد مع تلك الاتجاهات العالمية في التجديد والحداثة ،
والتعاطي مع العولمة في خطوط بوصلتها الدائرية لكن دون أن
تمس بؤرة الخصوصية الثقافية لمجتمعاتنا العربية ، وأصالتنا
في بنية الذاكرة الثقافية ، إذ يعد من متطلبات ثبات الذات
الثقافية في معترك الثورة الكونية المعلوماتية ، الاحتفاظ
بخصوصية ذاتية ، تحمل معها الذات هويتها ، ولغة تمايزها
واستقلاليتها عن الأخرين ، ولكن في ضوء التحدي الواعي الذي
يعمل الفكر ، ويحرك أدوات السلوك للتفاعل الجاد المتسارع مع
الحضارة ومتطلباته المدنية والتكنولوجية في ظل احترام الأخر
، وتفعيل لغة البحث العلمي ، وتوظيف آليات الحوار المتكافئ
مع الآخر ، واعتبار المعرفة استثمارا ذهبيا في الحياة
العلمية الجادة المسؤولة ، وتوظيفها في ضوء ذلك؛ للمضي قدما
في تجديدها في إطار سلم بناء المعرقة وتطويرها . في ضوء نهج
حضاري يحترم الخصوصية الثقافية لمجتمعاتنا ويبادر إلى نقلها
بعقلانية ومنهجية الاستبصار في ظل رؤية الجزء في الكل ومعرفة
العلاقات بين الأشياء ومعطيات قانون الأسباب والمسببات وبناء
الفرضيات ومنهجية حل المشكلات دون التلقين العنجهي المصادر
للأخر لأجيالنا في ظل منهجية موضوعية تستهدف تنضيج الصغار لا
تطفيل الكبار .
ووجهة نظري ان ذلك
الاتجاه البناء في التعاطي التجديدي ما زال حبراً على ورق ،
وما زال في بطون توصيات المؤتمرات ، والملتقيات الفكرية ،
وأروقة منتدياتها العربية ، ولا اظنني أكون قد جافيت الحقيقة
، فهي أيضاً غدت بمقام قصيدة شعرية تردد على منابر الجامعات
والمؤتمرات العلمية ، دون أن تنال في الحد الأدنى حق الصدى
في التجاوب معها من قبل المؤسسة السياسية والاجتماعية
والدينية ..الخ ، في لغة التوظيف العملي ، للخروج بمجتمعاتنا
العربية من المأزق الحضاري ، الذي ما زلنا نغوص في غوره
الممتد العميق ، في معادلة حضارية لا تعرف إلا لغة البقاء
للأقوى في رحلة التسارع الحضاري ، وخصوصيتنا الثقافية إذا ما
تمكنت من اللحوق بركب الحضارة _ وهذا مبدئيا في آننا هذا
مستحيل في الحد المنطقي الواقعي ـ لا بد أن تضيف عنصر
الأفضلية الحضارية لمعادلة البقاء للأقوى .
وانطلاقاً مما سبق
تتداخل جدلية الماضوية والمعاصرة معاً والتي لا بد من
احتوائهما من خلال إشباع الفراغ الحضاري في الماضي من خلال
اندفاع الحاضر وحراك المعاصرة وحيوية المستجدات في لغة
التراث بحيث تحمل مجتمعاتنا هوية الحضارة عمليا في انفتاح
وجدة وإيجابية واصالة في الخصوصية الثقافية ، فتوجه بوصلة
الحضارة في منهجية عملية تمضي سماءاتها في ظل موكب منفتح
مسؤول يجتاح بحر العولمة في ضوء الاستقلالية والتميز المبدع
. وهذا السياق من العرض يفضي إلى تداخل جدلية أخرى مضمونها
ثنائية " الممكن ، المستحيل " في ضوء ذلك التنظير السابق
ذكره في مسارات التيار التوفيقي بين الأصالة والغربنة ،
وبحسب البرمجة الفكرية يتم التعاطي مع تلك الثنائية ،
فالاتجاه العقلاني المستنير يتبنى بعد الإمكانية ولو بعد زمن
طويل في ذلك الصدد ، والاتجاه التغريبي يتبنى بعد الاستحالة
والانتحار في ذلك الصدد ، وبذلك يعود السياق إلى الإشكاليات
الدلالية في تلك الجدليات اللفظية ، والتي تشكل أيدلوجيات في
المسار الحضاري ، وترسم بنية المجتمع كله ، في كفة واحدة ،
ولكن التلقائية الفكرية العربية ، ما زالت تدور في كهنوت
التفلسف في الألفاظ ومعطياتها في ظل التنظير المثالي ،
وتبتعد عن المساهمات العملية في حل تلك الإشكاليات ، وفرضها
واقعا على صفحات الحياة ، في ضوء كفايات الإنجاز والأداء
المبدع المتميز .
وفي الضفة الأخرى
للسياق يطرح التساؤل الآتي :
هل الإبداعية
الأدبية رسالة في ضوء جدلية " التعبير ، التفسير " أم هي
إشكالية تدور بين " الأسر ، الانفلات
والسؤال المطروح هنا
يمحور السياق من جديد في ضوء الجدليات ويعود به إلى ثنائية "
التعبير ، التفسير " في لغة الأدب ، وقد أوردتها في مقالة
منشورة في الموقع ، وخلصت المقالة إلى اعتماد نظرية" "توفيق
الحكيم" في اتساق منظومة التعبير والتفسير معاً في السياق
الأدبي ، وبناءا على ما سبق ، فإن الإبداعية الأدبية رسالة
سامية ، تتمتع بمادة الخلق الإبداعية في الجدة غير المألوفة
والتي تتسع مساحاتها لخصوصيتنا الثقافية ، ولا تركل ذاتها في
مهب الريح ، تحت دواعي الإبداع ،وهنا اختلف مع تلك النظريات
التي تعتبر المجتمع العربي في واقعتا المعاصر مجتمع لفظي ،
يحيا في ظلال الشعر والأدب ، والتركيبة اللغوية ، ولا يفقه
لغة الأبعاد الأخرى في الرسالة الحضارية كما يشير إلى ذلك
ناصر الدين الأسد في كتاباته حول الثقافة واللغة العربية ،
إذ اعتبر مجتمعاتنا المعاصرة من وجهة نظري منسلخة من كلا
البعدين معاً ، فقد غدت الألفاظ ودلالتها وفنيات التأويل من
منبع اللغة وتصاريف معانيها في مقبرة الانقراض في ظل هجمة
اللغة الاستهلاكية على مجتمعات العوام من جانب ولغة المؤسسات
بكافة أطيافها في الاصطلاح والبث من جهة أخرى ، وهنا تبرز
الإشكاليات التي أوردها النص الذي بين أيدينا في الدراسة
النقدية والذي أشار إلى هجمات التكفير ، في عوالم الأدباء .
وتقتضي المحاكمة
المنطقية من وجهة نظري في هذا الصدد إلى التعاطي الموضوعي
لتلك القضايا من خلال دراسة كلا طرفي المعادلة ، أولا من قبل
الأديب الكاتب ، ولا اعتبره مبدعاً بل هو كاتب أديب في جنس
أدبي ما ، إذ فاته في رسالته الأدبية خصوصية التمايز
والاستقلالية لخصوصيته الثقافية وفقه لغة مجتمعه المنقرضة عن
حقيقة فن اللغة وابعاد مساراتها المستهلكة وفنيات التأويلات
في إطارها الهش المنهك ، ولو زود مخزونه الثقافي الأدبي بتلك
المعطيات في الذكاء الاجتماعي لكان في منأى حذر من الوقوع في
سلة حماقات : الصياد العابث في الماء العكر " ، وهذه حكمة
الفلاسفة في قواميس الفظنة ، في تخصيص لغة الخطاب ، وفقه لغة
العوام كما يشير إلى ذلك الفيلسوف ابن رشد مرارا في كتاباته
، وهذا نهج الفلاسفة في التراث ، وذلك منحاً فاعلاً في حكمة
الخطاب ، ولا غضاضة من تفعيلة في منهجية الإبداعية الأدبية .
وبذلك يحمى ذلك الجنس الأدبي من مشنقة الإعدام ومآل الوأد في
الإبداع . انطلاقاً من نظرية التعاطي مع ثالوث الأدب المتمثل
في ذكاء الفكرة وتدفق العاطفة وأخيلة الجمال في التصوير ،
وبالتالي فاته في مركبه الأدبي فيتامين النمو والاستمرارية
المنحدر من ذكاء الفكرة ، ويجب أن نتحرر من الركون اللفظي
لشن التهم للأخر دون نقد للذات ، إذ من المحال أن نحاسب
مجتمع منسحب من آليات اللغة في فقه الدلالات وفنيات التأويل
، ونطالبه بإقرار الإبداعية الأدبية للعمل ففاقد الشيء
لايعطيه ، والمنطقية تقتضي إعمال الفطنة الاجتماعية في
منهجية الأديب في ضوء فقه لغة مجتمعه والقبول مرغما أم راضيا
لعقليات العوام البسيطة ، وهزالها في آليات التأويل الصحيحة
للنصوص ، وفهمها وفق ردات الفعل ، وتأجج جسدها دوماً نحو
فكرة طعن الأخر لها ، واستفزازها بهالة القداسة في عالمها ،
ولو وجه الأديب وعيه لأبعاد تلك الفطنة الاجتماعية ، لحفظ
أعماله الأدبية من الوأد والمشاكسات ، ومضت في رحلة الثبات
على الصفحات ، واحتفظ باسمه نقياً ناصعاً من فيروسات الاتهام
، وتلك حقيقة منطقية ، قد تكون مفاجئة لمعاشر الأدباء ، وعلى
غير عادة النهج في التعاطي معها ، في مجتمع الأدباء ، ولكنها
عين المنطق وفق وجهة نظري ولابد أن يطبع الأديب ذاته بها ،
وان يستجيب لها بعقلانية مستبصرة ، وبالتالي يحفظ عمله من أن
يمرغ بلغة المؤامرات والاتهامات من قبل الأخر ، ويمنح مولوده
الأدبي حقه في الحياة ، من خلال لغة الذكاء الاجتماعي والوعي
لتدني مستويات التأويل لدى الذهنية الجمعية المستهلكة في
مجتمعاتنا ، ويسهم بذلك في تجنيب أعماله الأدبية من أودية
المهالك والمغامرة الخاسرة ، والأفق الأدبي متسع لآفاق شاسعة
بلا حدود في النقش ولغة التعبير . لذا فإني اوجه اللائمة
للعديد من الأدباء الذين يترصدون تلك البؤر الملغمة بالتعمد
والترصد ، ليخرج علينا في وسام الإبداعية الأدبية ، إذ غدت
تلك الظاهرة تقليعة إدمانية في مجتمعاتنا الأدبية ، واعدها
من وجهة نظري حماقة أدبية ، لأن الأديب فنان مرهف ، وعالم
اجتماع فطن ، وسياسي محنك ، وخبير نفسي ذو ذائقة أدبية عالية
، ، ويعلم بالضرورة في مشاكل حوادث المركبات أن اللائمة توضع
على قائد المركبة لإعتبارات علمه بقواعد القيادة ومتطلباتها
الفنية وليس على قاطع الطريق ، وقياساً على ذلك يجب أن يبادر
الأدباء إلى مظلة النقد الذاتي لحل تلك الإشكالية الناشئة من
تهورهم وعدم وعيهم بأبعاد مجتمعاتهم ، وترصدهم البؤر
الخلاقية وهالات القداسة في لغة التعبير . وبذلك نخرج من تلك