|
حتى لا نبقى أمّة من ورق |
|
سوسن البرغوتي رغم الأصوات المهنئة، وكل ما يقال من عبارات التمجيد والافتخار التي تؤيد المقاومة اللبنانية الباسلة، ورغم بيانات الشجب والاستنكار لموقف نظام عربي يعلن بلا خجل تصهينه بعد مرحلة التطبيع، ورغم عودة المعارضة اللبنانية إلى تقزيم الانتصار، ورغم أن بعض العرب المنظرين شككوا أن الاعتداء الوحشي "الإسرائيلي" قوبل بسلاح إيراني وبدعم سوري، يبقى أن نشير ونحن نملك بل والعالم يملك كل الدلائل على أن "إسرائيل" تقاتل وتفتك وتدمر بسلاح أمريكي كامل، وبدعم قوى الظلام الحقيقي في أوربا، وأن حزب الله وجنوده الأبطال وسيد الأمة- شاؤوا أم أبوا- هم عرب لبنانيون، يحملون الجنسية العربية اللبنانية ومن نسيج الشعب اللبناني، وهدفهم واضح وضوح الشمس هو باختصار تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الصهيوني بما في ذلك مزارع شبعا اللبنانية، ودعم مشرّف للمقاومة التي تتصدى للاحتلال في فلسطين والعراق، ويعلم الله على أي بلد عربي سيأتي الدور. وبعد أن تبين الغيّ من الرشد، يواصل بعض العرب المسلمين أو بالأصح الذين يدّعون الإسلام ديناً لهم ومنهجاً يعلنون على لسان مسيلمة الكذاب الذي يختفي وراء فتوى مشبوهة الغرض منها إثارة النعرات الطائفية، في وقت نحن بأمس الحاجة إلى نبذ الخلافات الطائفية، وردم الهوة بين اختلاف الأيدلوجيات والتيارات السياسية المتنوعة، لنسخّر إدارة سياسة انتصار عظيم، يحقق النصر السياسي على خطى النصر العسكري. ولكن يبدو أن بعض الأنظمة العربية تعودت على الهزيمة، وبات النصر أمراً يقلب الفكر المنوّم إلى آخر حيّ، الخوف أن يلتفّ حول خيار واحد وهو المقاومة على جميع الأصعدة. ورغم كل الأدوات الـ صهيونية- الأمريكية، حان الوقت لتتحول أصواتنا لنبذ نظرية "المستضعفين" والضحية وإلى آخر تلك المفردات التي صنعناها بأنفسنا، ونحن أمّة تملك الثروات والعقول والحق في الدفاع عن حقوق أمة عربية لها كيانها وهويتها وتاريخها، ولم تكن يوماً مستغِلة لأي شعب أو لاغية لهوية شعب على حساب شركات استعمارية، كما حصل في أمريكا، ولا ساعية لتطهير عرقي كما حدث في جنوب إفريقيا، ولا عنصرية محتلة لأراضي فلسطين العربية تاريخيا وجغرافيا. وحتى لا نواجه هذا كله بخطاب الرفض والاستهجان وشعار دعم المقاومة ونكتفي بهذا، يجب أن نكون من المقاومة على كل صعيد، وأن تتوجه اللجان الشعبية العربية إلى موقع الانتصار، ليعلم العالم بأسره ويطّلع بالصورة والحدث على حقيقة ثابتة أننا ضد العالم المنحاز، وضد المشروع الذي يلغينا ويشطبنا ويضعنا في منظومة "شرق أوسط كبير جديد"، ويحق لنا أن نشارك المقاومة بالنصر، وأن نرفع شعار وطن عربي لن يتغير لمجرد خطط وخرائط مقدمة في سلة "كونداليزا" موناليزا الشرق، فحيث أدارت بوصلتها يعمّ الخراب والتدمير، وما الفوضى الخلاقة إلا تكريساً لهيمنة "إسرائيل" على عقولنا وثرواتنا وأراضينا. وأن تقوم المقاومة المدنية العربية بمبادرات وطنية لا تحاور الغرب فقط، بل تتوجه له مباشرة بإقامة مؤتمرات شعبية في حدائقهم ومحافلهم الثقافية بالفن والصورة والحجّة العقلانية، وأن يتحرّك كل عربي في بلاد المهاجر ومن موقعه، إن كل ما نسعى له يندرج تحت عنوان حقوق الإنسان، فهل هذا بالأمر المستحيل.؟ إن المقاومة المدنية يجب أن تتشابك بخطوط عمل لهدف واحد، رغم اختلاف الأحزاب والتنظيرات الفقهية التي تقصي مذهب وترجح آخر، وحتى لا يصبح صلاح الدين الأيوبي "الأشعري" محرر القدس، مجال سجال بأنه غير عربي، أو أنه لا يروق لمدرسة اجتهادية أخرى، وبغرض التطاول على المقاومة اللبنانية المسلمة، ويجد أحدهم دون حرج قبول توضّع قواعد عسكرية أمريكية كانت توصف بالسابق القريب بـ "الكافرة" في بلاده تبريراً لسيادة واستقلال بلاد اُحتلت بالتزامن مع احتلال العراق بزرع تلك القواعد المزوّدة بالنفط والمال والحماية العربية. فإن الدعوة إلى مواجهة بالعمل هو آخر الدواء، وكما يقولون "آخر الطب الكيّ". لنوثّق على الأرض رفضنا خدمة الموانئ التي تستضيف بضائعهم، والمقاطعة التامة لبضائعهم والسياحة في بلادهم، وحتى زواج شبابنا من فتيات الغرب مهما كانت المبررات، وليتذكر شبابنا أن العرق دساس، رغم بعض الاستثناءات.
وبما أن الخطر الداخلي من عملاء العدو هو الخطر الأدهى، يصبح أمر مواجهته لا يقل خطورة عن مواجهة الغاصب والمحتل، على المقاومة المدنية العربية أن تطالب رسمياً بمحاكمة هؤلاء الذين يسعون إلى تدويل لبنان بقبول اختراق سيادته مرات ومرات عن طريق استجلاب قوات دولية، والتي لم تكن يوماً سوى "مسمار حجا"، وقد برهنت أفعالهم عن نواياهم، بانسحابهم من معتقل أريحا، ومعبر رفح بالتعاون مع أجهزة الأمن الفلسطينية - "الإسرائيلية" وضبط سامي أبو زهري مهرب الأموال من أجل دفع رواتب وأقوات الناس المحاصرين..! ولهذا طالب الرئيس عباس -بلا سيادة- ضرورة وجود تلك القوات بعد اللقاء وتقبيل رأس القاتل أولمرت مكافأة له على الإغارة على الأسر والعائلات الفلسطينية على شاطئ غزة.
إن الأدوات الوطنية الاستعمارية في فلسطين لا تعرقل الجهاد، بل تقضي عليه، بحجة أن المفاوضات مع العدو هي الحل المجدي، في حين أن الزمن الذي أضاعوه في تراوح التفاوض لم يحقق سوى غزة مخربة وأريحا مهدمة، وعبثاً يحاولون إقناع الناس بأن "إسرائيل" سترضى بالسلام، فهل خرجت قواتها من أي مدينة فلسطينية في الضفة وقطاع غزة.؟ وما الذي يحدث بعد عام من زعمهم تحرير غزة؟. الحقيقة أن شيئاً لم يتغيّر بخطط الصهاينة لاستكمال إحكام قبضتهم واحتلال فلسطين من البحر إلى النهر، والانطلاق إلى عوالم أوسع وأبعد، بمساعدة العملاء الممسكين بقدر القضية الفلسطينية. لاحظنا جميعا كيف ومن خلال مجلس الأمن قامت الدول الكبرى بتغطية تمديد الحرب الإسرائيلية على لبنان، ثم كيف استمر العدوان بل وازداد عنجهية وجبروتا بعد صدور القرار الدولي الأخير، وكلتا الملاحظتين تؤكدان أننا نقف في مواجهة عدو لا يحترم الدساتير ولا المواثيق والقرارات الدولية، وعليه فلا بد من التخلي عن فكرة الرضوخ إلى ارتكاز الأنظمة على القرارات الدولية لاستعادة الحقوق المغتصبة، والسيادة قبل كل شيء هي في صيانة الإرادة الوطنية والقومية، واستردادها من أيدي العابثين. فالأوطان لا تتحرر بنفوس مستعبدة، ولا بقوالب استعمارية مجهزة عن بعد، ثم نلقي على عاتق المقاومة المسلحة كامل مسؤولية المواجهة. الدور الإعلامي المقاوم أيضا هام ولا يمكن تجاهله، خاصة الإعلام المرئي، بسبب تردي مستوى القراءة، لذا فعلينا أن نصر بأن تخرج أصواتنا عبر الفضائيات العربية والغربية، وليكن خير من يمثلنا بتقديم البراهين القاطعة والدامغة على أننا أمة ليست "إرهابية" وإنما مدافعة تدفع الشر والاحتلال. وحتى لا نبقى أمّة لا تتقن غير الكلام دون التحرك في الوقت المناسب خاصة بعد هذا الانتصار الساحق، على اللجان الشعبية الوطنية في كل بلد أن تتكاتف وتتعاون من أجل استكمال النصر، وبهذا ينتقل الفكر العربي من حيز الورق إلى حيز العمل بما يليق بأمة ترفض الاستجداء، من خلال مفاوضات لم تحقق العدل ولا السلام ولا الحق.
إننا إذا لم نجنّد أنفسنا لهذا الصراع فكأننا ننفخ في بوق ليس له غير صدى أجوف، أما النصر الحقيقي فهو ذلك الذي يحدث على الأرض، وتبقى أصواتنا حبر على ورق آنية مرحلية. |
| 18/8/2006 |