عاش الرئيس.. يسقط الرئيس

 

سوسن البرغوتي
 

من خلال مراجعة تاريخ من تربعوا على عروش الرئاسة العربية، نجد أن لا رئيس لأي دولة عربية ترك منصبه إلا قتلاً أو على نقالة دفن الموتى.!

فكيف الحال بزعيم يعتبره شعبه رمزاً للتصدي والنضال، أليس مجرد مشروع تنحيته عن منصبه يُعتبر من المحرّمات!، حتى في زمن المجاعة والحصار الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني، فيجمع سيادته كل الداعمين لبقائه، وهم بطبيعة الحال زلم مستزلمين ويبقى على كرسي السلطة ولو كان على أنقاض الشعب والقضية الفلسطينية برمتها.

نراه يشحذ الهمم للانقضاض على كل من تمسك بحقنا في فلسطين، ولم يكتف بهذا، بل راح إلى توجيه الأنظار إلى وثيقة انفرادية موجهة لـ"إسرائيل" مباشرة، وسقف هابط في مبادرة عربية معتمدة مسبقاً ومرفوضة مسبقاً من قبل الصهاينة، على خلفية أنها وثيقة ليست كافية بالنسبة للصهاينة لتحقيق درجات أكبر من التطبيع والتركيع!.

يبدو أن الرئيس في حالة فقدان اتزان وتوازن وهو يقدّم  حركة فتح قربان لدولة بلا وطن، حاملة شعار ثوار بلا قضية، وسيادته بذلك ضرب عرض الحائط بكرامة الفصائل والشهداء والأسرى.

يبدو أن هناك ملامح تشكيل قيادة جديدة للأسرى في سجون الاحتلال، وهم قادرون ومؤهلون لاستبدال القيادة الحالية، لكن تجربة الاعتقال والخطف تحمل ملامح مقلقة، فهناك من الأسرى السابقين من تحوّل إلى سجّان للمقاومين الفلسطينيين وبدعم من "إسرائيل"، وهناك من يعتبر أن فترة اعتقاله ضريبة على الفلسطينيين أن يدفعوها لبناء إمبراطورية له في غزة، دون أيّ مبالاة إلى ما يحدث من هدر الدم الفلسطيني.

لا حاجة للعودة المباشرة للرئيس ولجنة المفاوضات، ما دام الرئيس الحالي أو الذي سيتم تعيينه أو انتخابه بموافقة الحلف الأمرو- صهيوني. وسيجدون إخراجاً متميزاً ومختلفاً غير تسميم الرئيس أو اغتياله، وربما تنتقل عدوى المحاكمة أو بتعبير أدق المهزلة التي تحدث في العراق بمحاكمة آخر رئيس شرعي لعراق موحد، وليس كما الحال في فلسطين المحتلة، حيث لا سيادة سابقة ولا حكم مستقل عن آل صهيون. فكيف ستكون طقوس محاكمة الرئيس، إن لم يكن من تحرك شعبي.؟

 الحوار والتكاتف والوقوف في خندق واحد مع المقاومة هي الورقة الرابحة التي يمكن للرئيس أن يفوت خطط صهيونية تدار بشيطانية باللعب على أوتار الرمز.

عندما تنتهي مهمة الرئيس الذي يصفق له الآن الكثيرون من الشعب الفلسطيني، ليس لأنه أنجز حقوق، لكن لأنه رئيس يناشد الشرعية الدولية والعربية المتصهينة بالخفاء، وما نُصب إلا لتعميدها ومباركتها، بدءاً من قيادته للقرار السياسي الفلسطيني، وانتهاء من الصمت العربي المخزي حيال ما يحدث من تهديد لمسح غزة بأهلها من الخارطة.

عندما يُستبدل برمز نضالي وأشهر من نار على علم، سيحمل على الأكتاف رغم موافقته المسبقة على اتفاقية جنيف وأوسلو، والاعتراف بدولة صهيونية من البحر وحتى غور الأردن. لكن المرحلة القادمة لن تطول أيضاً، خاصة أن الكيان الصهيوني ماض بتنفيذ خطته، والتي تقضي بعودة الضفة الغربية إلى الأردن وغزة إلى مصر، ويبقى الرئيس المحلي هو موظف لتنفيذ رؤى دولتين أقامتا علاقات دبلوماسية رسمية مع "إسرائيل".

إذن عاش الرئيس أو سقط سيبقى التحكم عن بُعد هو السياسة المتبعة "إسرائيليا" وعربياً ودولياً. لكن ما يمكن إنقاذ القضية الفلسطينية وتفويت الفرصة على المبادرات والمفاوضات والاعتراف العلني الرسمي العربي، هو وعي الشعب الفلسطيني أن النكبة الأولى تمت بإنشاء كيان هامشي عبارة عن عصابات الهاجانا وغيرها، وما لبثوا أن تمكنوا وأصبحوا سادة الوطن العربي اقتصاديا وإعلامياً. وأن العهد الجديد لنكبة فلسطينية تبدأ من وراء كواليس السلطة العربية لتنتهي في مجلس الأمن المنحاز لـ"إسرائيل".

ورغم الوعي الوطني ونضج الشارع العربي، إلا أن النكبة الأفظع هو في صهينة الوطن العربي بأكمله.

الواقع أن الموقف العربي الرسمي تنازل مجدداً عن شعب شكل عبر التاريخ كبش الفداء، ليمت بغيظه من أجل نهضة تنازع الريح ما تلبث أن تُسحب السجادة الحمراء من تحتها، وتصبح خزانتها خالية الوفاض تعاني الديون، رغم أنها تملك أهم كنز في العالم..

هذا هو إدمان الشعوب على الاستهلاك والتعود على الرفاهية، ومن ثم تُباع له قطرة الماء ويهدد بأمنه واستقراره وسيادته!.


 الرئاسة لها
استحقاقات وواجبات، وليس مهنة مكاتب وعلاقات عامة وتجييش الشعب ضد الشعب، وتقسيم الشارع إلى مرتزقة وآخر ينفخ بالبوق مستجدياً الوحدة الوطنية.

ما يجري في الشارع الفلسطيني هو انعكاس لحال الرئيس نفسه منقسماً بين الانتماء الحزبي المتهالك، والحفاظ على استمرارية الرئاسة "ولو على خراب مالطا"!.

لقد أصبح الجندي "الإسرائيلي" يعدل كفة شعب أسير بأكمله، أو تفتح نار جهنم على من مارس ديموقراطية بقرار ديكتاتوري، وما نشهده من الأجهزة الوقائية هو التخفي تارة والصمت تارات،و مدنيين أسرى مطوقين من جميع الجهات، فأين هو الموقف الوطني الواحد أمام الانتهاك الفاضح والعلني على مرأى من العالم، والتهديد مستمر في ظل الجوع والخوف!؟.

في كل طالع فجر يبتدع العدو هجمة مبررة جديدة، وعراقيل أخرى من أجل تنفيذ مخططه، فما ثورة الجياع إلا رداً كافياً وسلمياً بخروج عائلات الأسرى يطالبون باسترداد نسائنا وأطفالنا مقابل جندي قتيل أو حيّ مأسور لا فرق.

على الشعب المحاصر بالجوع والقهر والفقر الخروج إلى الشارع رافضاً التحضير لمذبحة ومحرقة جديدة أمام العالم المتحضر، ولا ننتظر من أحد بعد أن يذبح شعبنا مساءلة هذا العالم عن المعنى الحقيقي للشعارات التي يرفعها سادة العالم وتتحدث عن الإنسانية، المفرّغة من الإنسانية.

 

 
25/9/2006

صلونا

مداخلات   |

بوح وجداني  |

مقالات    |

روح وظـل  |

أهلاً وسهلاً  |