|
سوسن البرغوتي
على مذهب الخصخصة التي تفرضها دولة القطب الأوحد على الدول التي رسمت سياساتها على النظام الاشتراكي بقوة (القطاع العام)، والجري لخصخصة كل ما يتعلق بشأن المواطن، وبيع القطاع العام في كثير من دولنا ودول العالم الثالث لتقديم طقوس الولاء إلى دول رأس المال الحر. وعلى الرغم أن فلسطين راسية تحت الاحتلال، ولكننا نرى بالأفق المنظور أن الحل الأمثل لمشكلة حياة الفلسطينيين يكمن في خصخصة السلطة، فقد يجد الشعب نافذة لتوصيل كلمته إلى جهات متعددة الآراء والمذاهب، والاسترزاق من هكذا وضع مزري قائم.
وحتى لا تصبح السلطة بأكملها تحت سطوة مزاج قادتها وتقلبات أهوائهم ومصالحهم، ستوظف الخصخصة لتقسيم الحسبة الفلسطينية إلى "نص- نص". وبذلك تتهيأ الفرص لإبداء حرية الرأي وإيجاد قنوات جديدة لتأمين لقمة العيش، وستكون سلطتنا الفلسطينية أول من يسعى لإرضاء أهل الفن كظاهرة فريدة من نوعها!. وبدلاً من أن تبقى مشخصنة، تتحول إلى مخصخصة برؤوس أموال وبورصة لا بد ستنهار بعد ذلك، خاصة أن هناك من يعتقد أن السلطة في فلسطين المحتلة فريسة ثمينة يجب اقتناص الفرص من أجل البقاء، ولو كان الذي يعتقد من أجهل خلق الله.
السيد منيب المصري يعتقد أن السياسة تُضبط بالمال والأعمال، وأن السيطرة على الوضع القائم لن يتحقق بغير الأموال. وطبعا لم يُغفل ضرورة القبول بديمقراطية متطورة تسعى إلى إيجاد وسائل أخرى غير الاستفتاء أو الحصار، وكل ذلك للإطاحة بخيارات الشعب من أجل استرجاع فلسطين. خصخصة السلطة بأسهم في بورصة، سترضي جميع التيارات التسووية الرخيصة والتطبيعية والمتصهينة، وستعرض الدم الفلسطيني بأبخس الأثمان إلى مزاد عالمي، تشارك فيه جميع البلدان المصنعة للأسلحة الرخيصة لقتل البشر.
التسويات عادة ما تجني مكاسب لصالح المفاوض للحصول على شيء من حقوقه، لكن أن تصبح بأكملها عملية تصفية للقضية، عندها يكون الأمر تخدير مؤقت من أجل كسب وقت للطرف المعتدي.
لو أن هناك جدوى لإنقاذ السلطة من تورطها بالوقوع في براثن وأنياب الاحتلال نتيجة اتفاقيات سرابية، وذلك بإعلان التوبة، من أجل ما هو أهم من مصالح شخصية، ولو أن منظمة التحرير الفلسطينية تعلمت الدرس بأن الاعتراف بالكيان الغاصب لم يجرها إلا إلى الهلاك، فإن تكرار الحديث عن ما وصلنا إليه من تردي وتنازل وركوع يصبح تحصيل حاصل، على إيقاع حقيقة بأن سلطتنا المجيدة لم تحقق خلال مسيرة الاستسلام أي منجز، بل على العكس تماماً، استطاع العدو أن يفكك فتح، وفتح كما يعلم الجميع هو الفصيل الذي كان حاملاً لمقاومة الشعب الفلسطيني، ثم تحوّل بقدرة قادر خلال العقود الماضية إلى سلطة وحكومات تمثيلية وليست تنفيذية بالمعنى الواقع على مسرح "العدم" وعلى أرض المعاناة، ومن المفترض أن تُعلم كثرة الأخطاء أعمى البصيرة.
فهل لكم أن تنقذوا أنفسكم قبل أن تفقدوا ما تبقى لكم؟.
ونقول لكم كفى.. إن ما فعلتموه بعهودكم الذهبية من خلال حكم "النخبة" الفتحاوية لفلسطين المحتلة، وما نتج عنه من فلتان أمني وانقسامات بين صفوف الشعب، ناهيك عن الاغتيالات التي طالت قادة المقاومة الأبطال وملاحقة آخرين نتيجة شراء الذمم والنفوس الضعيفة، والتي يستحيل أن تكون أداة أو وسيلة لتحرير الوطن.
نقولها بملئ الفم، ارحلوا عنا.. واتركوا الشعب، فشأنه لا يعنيكم، وإمبراطوريتكم لن تُعمر، لأن شعبنا لم يكن يوماً عبداً محاصراً، ولا طليقاً في معتقل كبير، ارتضيتموه لكم ولأهلكم، فما الفرق بين الأسرى في سجون الظلام والاحتلال، وبين من لا يستطيع التنقل من حي لآخر؟، ليس بسبب الاحتلال فقط، بل بسبب هؤلاء المرتزقة بفتات فتات موائدكم، وهم أبعد ما يكونوا عن مصلحة الوطن، واختاروا مهنة القتل من أجل بقائهم إلى حين.
يقول المثل الشعبي"دجاجة حفرت على رأسها عفرت"، وهو خير ما يقال لمن يرقص رقصة الموت، مقامراً بشعبه، متنازلاً حتى عن حق الشعب في أدنى مقومات الحياة.
فإما أن يحسم الشعب الفلسطيني الأمر بثورة شعبية، تنهي المساخر والمهازل التي نشاهدها ليل نهار، وفصائل المقاومة تدرك من هو المسؤول عما يحدث في فلسطين اليوم، ومن هو نافخ الكير، الذي يشعل نار التصعيد ضد المقاومة والانقسام الشعبي، وتسكت عما يجري بالتهاون والمحاباة، ليصبحوا شركاء في تصفية القضية الفلسطينية، وإلا فليعلنوها ثورة تليق بشعب جبار، فهو يوم الفصل، وإن غداً لناظره قريب.
على جميع فصائل المقاومة أن تضع جل اهتمامها لتشكيل فرقة واحدة مترابطة تحمي الشعب من الفلتان الأمني، وتعمل على محاكمة من أفسد ومن سرق ومن حرّض ومن تآمر ومن فرّط، أو يبقى الوضع متأرجحاً بين حياة في الأسر الصغير والكبير.
إذا لم تلق قضية الشعب اهتماما من المخلصين، وبقي الحال على ما هو عليه ومن سيء إلى أسوأ، يحق لنا بعد ذلك أن نقول "على نفسها جنت براقش".
|