|
حجارة "الدومينو" |
|
سوسن البرغوتي منذ بدأت فصول جلسات محاكمة الرئيس صدام حسين الصورية التي شهدناها وشاهدها العالم، انتهت بأن صدر الحكم على الرئيس صدام حسين وصحبه وبأمر صريح من قوى الاحتلال الأمريكي، ولم تقم منظمات حقوق الإنسان والجمعيات الوطنية بأي حركة استباقية رغم علم الجميع المسبق بأن المحاكمة الهزلية ستنتهي بالحكم على صدام بالموت، ولكنها لم تبد مبادرة وتعلن رفض مبدأ الإعدام، وخاصة بالطريقة الوحشية التي جرت، والتي إن دلت على شيء، فإنها تدل على همجية وحقد منفذي الجريمة بانتزاع روح إنسان ظلماً وتشفيّاً. وسواء اتفقنا أو لم نتفق حول تفاصيل مشاهد التنفيذ، والتي تؤكد دونية الجلادين وسقوطهم إلى أدنى مستوى حيواني، ولا ينتمون للجنس البشري، من المفترض أن ترفض محكمة العدل الدولية حكم الإعدام أصلاً في ظل ما يدعيه المجتمع الدولي من تحضر وتطور في الفكر البشري، ومن المفترض أن تتحرك القطاعات الوطنية الشعبية، والتي شجبت ورفضت تنفيذ الحكم على رئيس دولة العراق الواحد،المطالبة بوقف حكم الإعدام نهائياً في العالم. وبغض النظر اتفقنا أو اختلفنا حول إدارة النظام للدولة العراقية قبل سقوطها باحتلال لا مبرر له، غير جملة من أضاليل وأكاذيب، بعيدة عن الصدق وادعاءات باطلة محمولة على شعار تطبيق الديمقراطية!.. وتحت هذا المسمى نفسه تم شطب الديمقراطية المزعومة وتطبيق شريعة الغاب، ثم جاءتنا البومة الأمريكية لتعلن أن بوش المجرم، تراجع عن ديموقراطية مارسها سنوات على شعب العراق ليست أكثر من قتل وتدمير ونزف دماء، إلى إدعاء جديد وسياسة جديدة واستراتيجية جديدة تكشف مدى هزيمة جيوش الاحتلال الجرارة لتحقيق الانتصار وتدمير العراق. ولم يكتف بطلب الدعم من الدول العربية الخليجية، بل لوح بالتهديد لإنهاء أنظمتها والعبث باستقرارها إن لم تدعم إشعال فتيل الحرب الأهلية في العراق لصالح المحتل. ونحن الآن أمام معطيات جديدة، فهل ننادي بتحرك شعبي استباقي لوقف تنفيذ حكم الإعدام بالطريقة نفسها المقززة البشعة على طه ياسين رمضان، وتكرير الجريمة مع الاستفزاز المتعمد للشعوب العربية والإسلامية؟. فكلما هدأت عاصفة الحزن والغضب، وحاول بعض العقلاء اللجوء إلى الاحتكام للعقل بتجنب الحرب الأهلية، عادت حكومة المالكي الصفيقة إلى ارتكاب مزيداً من مشاهد الوحشية القذرة،لتأجيج الحرب بين الشعب الواحد. أليس من المفترض أن نتعلّم ولو من أعدائنا لمرة واحدة؟، فـ"إسرائيل" لم تقم بإعدام قاتل رابين، وأمريكا لم تعدم بشارة سرحان المتهم بقتل كنيدي، وكل العالم يعتمد الحكم بالنفي أو السجن المؤبد كأقصى عقاب، والحكومة العراقية المدعومة من المحتل الأمريكي تنتهج أسلوب الإعدام بما تشمئز منه النفوس والضمائر البشرية، فأي حكومة هذه، وكيف يمكن أن تقود العراق نحو دولة متحضرة؟. كفى لهذا الأسلوب الهمجي، ويكفى هؤلاء الجلادين تنفيذ جريمة بشعة في حق الإنسان بالدفاع عن نفسه ومن خلال فتح كل الملفات وليس بترها، والخروج عما هو متعارف عليه في كل محاكم العالم، بإطلاق الحكم قبل استكمال تحقيق المحكمة، وهذا يثبت أن المحكمة والعدل العراقي اليوم، مشحون بحقد دافعه الثأر والانتقام، ويتلقى التعليمات والأوامر من ميلشيات تسعى إلى القتل العشوائي، أو من محتل أي كان ذلك المحتل، ليظهر على حقيقته المخزية، فلا دستور ولا ما يحزنون، إنما تطبيق القانون العبثي في ظل غياب كامل لكيان دولة. إن كانت جبهة المصالحة الوطنية معنية بعدم تصعيد حمام الدم بالعراق، وإن كانت جبهة الصمود والتصدي العربية، معنية بلملمة الجرح العراقي وتوحده من أجل معركة التحرير والنضال المشروع ضد محتل، وإن كانت دول الخليج العربي معنية أن لا يطال التأثير السلبي للحرب الأهلية في العراق أراضيها وسيادتها، وأن لا ينتشر هذا الداء إلى أنحاء الوطن العربي سواء بحرب طائفية أو حزبية، فليوقفوا استمرار المهزلة، وليحقنوا الدم العراقي. فالعرب بالنسبة لقوات الاحتلال ليسوا أكثر من حجارة دومينو على رقعة من الأرض العربية، تسيطر عليها دول لا يعينها أمر أمن واستقرار أوطاننا لا من قريب ولا من بعيد، فوقود الحرب هو الشعب العربي، وساحة الصراع هي على امتداد الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، ومن يشعل الفتن ككبريت سريع الاشتعال هم أعوان وأزلام الاحتلال.
حجارة تندفع لتوقع ما بعدها، وتتدحرج جميعها نحو هاوية سحيقة لا فرق بين مسلم ومسيحي، ولا بين شيعي وسني، ولا فرق بين حماس وفتح، وتبقى الغاية في ضرب الحجارة بعضها ببعض. هدف الاحتلال في كل زمان ومكان يكمن في تفكيك هوية وكيان الأوطان لتصبح القضية الأم، قطرية أو عشائرية أو فئوية، وتترك كل دولة عربية تغرق في مشاكل لا حصر لها، أهمها وأصعبها مواجهة انقسام وتقسيم البلد الواحد، لأن ذلك التقسيم أو الانقسام يبدأ صغيراً وسرعان ما يكبر ويزداد ثقلاً حتى يغرق السفينة العربية، ولن يجد بعد ذلك أي بلد ولا أي مواطن عربي ينتمي إلى هذا العالم قشّة إنقاذ يتمسك بها لينجو من مصير الهلاك. |
|
17/1/2007 |