تفكيك رموز الخطط الاحتلالية
|
سوسن البرغوتي لقد بدأ التنفيذ الفعلي لسيناريو الهيمنة الأمريكية كقطب واحد وحيد يتصرّف بخيرات العالم وبدعم صهيوني على الوطن العربي والعالم وعلى مراحل قبل احتلال العراق، وتحديداً منذ بدأ تنفيذ استيطان عصابات الهاجانا في فلسطين، وذلك بعد ترتيب أوراق برتوكولات الحركة الصهيونية، وقرار منح فلسطين هدية لهم ولمشاريعهم للبدء في مشروع طويل الأمد، يُطبق وفق إمكانية حدوث ثغرات وفجوات عربية، يستطيعون النفاذ من خلالها لاستمرار خطط الهيمنة الاستعمارية. فبعد انهيار الدولة العثمانية، قُسم الوطن العربي لدول وفق مصالح غربية للسيطرة عليها واقتسام غنائم الانتصار في الحربين العالمتين، لكن التقسيم السابق لم يعد يناسب سياسة أمريكا الحالية كدولة تقود العالم نحو الاستعباد والتحكم، خاصة لأهمية استغلال الثروات الاستراتيجية وموقع الوطن العربي بين قارات العالم، فشرعت بزرع سكين في القلب العربي لبتر أطرافه لاحقاً، وإعادة ترتيب الجسد العربي المتهتك ليسهل انقياده. فكان انهيار الاتحاد السوفيتي عاملاً مشجعاً ومساعداً للمضي قدماً في مشروع إعادة احتلال البلاد العربية وتجزئتها إلى دويلات تتصارع فيما بينها. فشرعت أمريكا إلى تقوية شوكة الكيان الصهيوني ودعمته اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، خاصة بعد احتلال المزيد من الأراضي العربي في عام 1967. كما أنها لم تغفل ضرورة إقامة تحالفات إخضاعية مؤقتة تخدم أطماعها، في ظاهرها مصالح مشتركة، وفي باطنها تعمل على تطويق الدول الرافضة للخضوع لإرادة الاحتلال بشقيه الأمريكي والصهيوني، بإعادة تقسيم وانقسام البلاد العربية مجدداً.
بدأ التنفيذ من بلد بعيد جغرافياً عن الوطن العربي، وتم القضاء على الاحتلال السوفيتي بدعم المجاهدين الأفغان والعرب في أفغانستان، وتحت راية إسلامية للتحرير من محتل كافر. وحدث فعلاً الزلزال بانفجار البرجين في 11 سبتمبر، ولم يكن سوى محطة مسار يدور في فلك السياسة الأمريكية، موظفة الكره لشباب المسلمين ورفضهم للممارسات الأمريكية بدعم عدو العرب والمسلمين الأول، وهو "إسرائيل"، غير آبهة بأرواح الآلاف من الشعب الأمريكي، لتحقيق خطوات أخرى لإنجاح المشروع الاحتلالي باصطياد عصفورين بحجر واحد، بشن حرب شاملة على العرب والقضاء على "الإرهاب" الإسلامي في آن واحد. أما دور الشارع العربي فقد تأرجح بين رافض لجبروت أمريكا وداعماً لإشهار مسؤولية قاعدة بن لادن بتفجير البرجين، وبين مصدق لتهديد القاعدة بقلب أنظمة الحكم في منطقة الخليج تحديداً، لما شهده العالم من استعراض قوة خارقة في ضرب أمريكا القوة الأعظم بالعالم في عقر دارها!. بعد احتلال أفغانستان لم يعد لتلك الحجة ولذلك "البعبع" الجهادي التأثير القوي، ولا بد من استحداث أداة تخويف مهددة وفعالة جديدة، لتكرسه وتوظفه لصالح المشروع الاحتلالي ذاته، مما يسمح بإشراك"إسرائيل" بالحرب على "الإرهاب"، في حين أن الكيان الصهيوني هو أساس الإرهاب في العالم. استكملت عناصر الفصل الثاني بعد احتلال العراق واستباحته كما هو عليه اليوم، في حين أن أمريكا قادرة مع قوات التحالف الدولي والأساطيل الأمريكية على ضبط جبهة العراق، وعدم توغل إيراني للعراق، ولكن التغاضي عنه خطوة محسوبة لصالح الاحتلال وليس ضده، للبقاء لفترة أطول في العراق، ولضرب إيران بعد حين. انتصار حزب الله في الجنوب اللبناني في عام 2002، وتقهقر قوات الاحتلال الصهيوني، كان خارج إطار الخطة، ولترميم الهزيمة "الإسرائيلية" كان لزاماً أن تعد خطة موازية، بإنهاء حزب الله المقاوم للمشروع الأمريكي- الصهيوني. فعادت لحبك الخطط المشتركة مع "إسرائيل"، بإشاعة الفتن الطائفية في لبنان بغية تدويله، بعد سلسلة من الاغتيالات كلها موظفة للتخلص من قوة حزب الله، وإعادة تقسيم لبنان إلى أجزاء مفتتة.
ما بين احتلال العراق وتحضير عمليات عسكرية لضرب المقاومة في لبنان، لم تغب أوراق التقسيم في الخليج العربي، ولم يتنبه الكثيرون لظهور مملكة البحرين بين ليلة وضحاها، معززة أطماعهم في النفط الخليجي بأساطيل وقواعد عسكرية. فلم تكن تلك التجهيزات العسكرية الضخمة، كما ظن حكام الخليج أنها أتت لحمايتهم من القاعدة غاية أمريكية معلنة بالحرب على "الإرهاب". وكان لا بد من ابتداع خطر أقوى من نسج خطر الثوب الإسلامي، ليتم بعده القضاء على قوة إسلامية "إرهابية"، تسعى لاحتلال الخليج، وهي إيران.
السعودية كأكبر وأقوى ثروة خليجية لا تخرج عن إطار المخطط للتقسيم، وقد جهزت أمريكا الدعم لتنفيذ التقسيم، بإعداد ضم المنطقة الشرقية في السعودية إلى مملكة البحرين لاحقاً، والذي جاء منسجماً مع الروابط التاريخية والتركيبة الثقافية لسكان المنطقة الشرقية مع البحرين، ولهذا كان لزاماً على أمريكا أن تقوي النظام السياسي في البحرين، ومنذ ذلك التاريخ بدأ تقسيم السعودية فعلياً، ومنح البحرين مكافأة مرحلية لا تلبث أن يُسحب السجاد الأحمر من تحتها مقابل وجود قواعد عسكرية أمريكية تستولي بعد ذلك على الثروة النفطية في المنطقة الشرقية. استوعبت دول الخليج الباقية هذا المخطط بعد أن اتضحت الرؤية وظهور إيران كدولة لها نفوذ، وبدأت بدورها تعمل على لعب دور متوازن بين القبول بتكبيلات وقيود القواعد العسكرية الأمريكية، كأمر واقع، وبين ضرورة بقاء خيط معاوية في علاقاتها مع إيران، باستثناء الكويت التي سقطت كلياً تحت القبضة الأمريكية.
عودة إلى بلاد الطوق العربي، فقد أحكمت أمريكا و"إسرائيل" تطويق وحصار لبنان وسوريا والمقاومة الفلسطينية بمعاهدات سلام وتطبيع مع العدو مع الجانب الأردني والمصري، وبظهر مكشوف من الجبهة العراقية، كما قلصت وهمشت أهمية الدور القيادي لمصر، وبطبيعة الحال انضمت السلطة الفلسطينية المدعومة من الغرب وأمريكا وفق توقيع اتفاقيات أوسلو وجنيف واجتماعات شرم الشيخ إلى محور"الاعتدال" العربي.
دور إيران العبثي المدمر والمشارك بتخريب العراق، شجع الاتجاه الآخر من المعتدلين العرب، بالبدء بحملة تكثيفية ضد المقاومة العربية المدعومة من إيران، وكرست للحملة فكرة عودة الدولة الصفوية التي تهدف إلى احتلال إيراني للدول الخليجية خاصة، وتوسيع النفوذ في المشرق العربي.
وفي ظل تهالك وتآكل الأنظمة العربية، فقد باتت الشعوب العربية عارية تماماً أمام الرياح العاتية من الجانبين، وفي ظل غياب دولة عربية قوية مستقلة اقتصادياً وسياسياً عن النفوذين، تواجه أعاصير مخطط الانقسام والتقسيم، لابد من الاصطفاف إلى جانب المقاومة كخيار وحيد. فحتى هذه اللحظة لا يوجد أي إشارات أو إرهاصات لظهور هذه القوة العربية بمواصفات وطنية تهدف لمصلحة الأمة العربية على حساب مصالح القطر الواحد. بالمقابل، الاحتمالات مشرّعة ومفتوحة على جميع الأصعدة والدول العربية، وقد تبتدع أمريكا زلزالاً مدوياً آخر داخل الوطن العربي، كمعالم لاستراتيجية جديدة، تنتهج تأجيل تكتيكي لمشروع التقسيم لعدة أسباب أهمها المقاومة العربية، وخلل ووهن واضح في النظام السياسي والعسكري في "إسرائيل"، نتيجة انتصار المقاومة العربية الإسلامية بالجنوب اللبناني وصمود المقاومة الفلسطينية، وفوز الديمقراطيين المناوئين للحرب على العراق، وللكثير من سياسة بوش بقتل آلاف الجنود الأمريكيين، بمعركة لن تُحسم لصالح المشروع، وسيقضي على بقاء هيمنة القطب الواحد بتوسع حُصدت نتائجه كخسارة أمريكية بحتة. فقد فشلت الديمقراطية بهزيمة ساحقة في العراق، كما سقطت ورقة الانتخابات الحرة في فلسطين وهي تحت الاحتلال بالحصار والتجويع. وهذا الفشل والسقوط الذريع سيدفع أمريكا للبحث عن استراحة قاتل ومحتل بتأجيج فتنة طائفية أو حزبية.
فأي الاحتمالات ستلجأ إليها أمريكا إن لم ينجح فصل الفتنة؟، والكرة الآن في ملعب القوى الوطنية العربية، ففي التلاحم وتوحيد الصفوف الطائفية والحزبية يمكن إحباط وإفشال المخطط الاستعماري وتحديد الخطر المباشر وردعه. |
|
23/1/2007 |