لنقل خيراً أو ...

سوسن البرغوتي

يبدو أن كثيراً من أبناء الشعب الفلسطيني في الشتات وفي الداخل على حد سواء، لم يستوعبوا مرحلة ما قبل الحكومة المحلية المخالفة والمختلفة جوهرياً مع السلطة والمعارضة السابقة، التي لم تكن تحاسب أو تواجه الخلل الذي تحول إلى مجموعة خطايا، قبل الانتخابات التشريعية. ورغم أن الجميع يدرك تماماً ما كان قائماً في المجلس التشريعي  لمدة أعوام خلت من تنويم مغناطيسي لأعضائه، بفعل سلطة أوسلو، والتي لم تنجز أي خطوة نحو تخفيف وطأة الاحتلال، بل مارست مزيداً من القمع ومصادرة ما تبقى من الكرامة الوطنية، وملاحقة واغتيال رموز المقاومة وعناصرها، ولم يتغير من واقع الحال الاحتلالي ومشروعه التوسعي، سوى أن الإدارة المحلية، اتخذت وتمركزت لتحل مكان المحتل باسم السلطة الوطنية. إلا أن الخطر الذي طرأ على بعض أجنحة كتائب شهداء الأقصى، هو تحويل الخط المقاوم إلى أداة بطش سلطوية، إلا من رحمه الله، إضافة إلى تغييب واضح لمن تبقى من قياديي حركة التحرير الفلسطينية، والذين رفضوا ممارسات تيار التصهين الفلسطيني في حركة فتح، وشكلوا من البداية عبأً على السلطة المحلية ذاتها.

يشير اقتراب موعد الانفجار إلى هدف لم يكن مخفياً منذ البداية، ولم يكن مقنّعاً منذ أن استلمت الحكومة صورياً زمام الأمور، فتمثل في العراقيل والتدرج في تصعيد الخلافات نتيجة هوة كبيرة بين برنامجين، والاحتكاك والمواجهة بين أصحاب هذا التيار أو ذاك لتثبيت أحد الرؤيتين.

من العجب العجاب، أن من كان يرفض السلطة التي أتت كنتيجة اتفاقية أوسلو، ومن كان يرفع صوته عالياً، خاصة من كتاب الشتات، أصبح يتناقض مع ما نشره سابقاً، فيدعو بحجة العقلانية الوطنية إلى عدم تصعيد الاشتباكات، والتي نرفضها جميعاً، لأنها خدمة مجانية لقاتل ومغتصب الأرض، لكن تلك العقلانية تتجاهل الدور التخريبي الذي قادته السلطة، خاصة بعد تسميم الرئيس عرفات. فنجد تلك الأقلام المرموقة، تعرض الواقع المخزي على أنه صراع حماس من أجل السلطة والكرسي، وليس من أجل تقويم ممارسات إعوجاجية، واتفاقيات لم تُطبق رغم إجحافها بالحق الفلسطيني، وطالما طالبنا بالتخلص منها.

نتفق مع تلك الأقلام على أن السلطة برمتها هي محلية بحتة، وأن منظمة التحرير الخانعة والمنصاعة لكل التبعات والتداعيات، أوصلت سفيتنا المخترقة إلى حال القبول بكل شيء، والتنازل عن كل حق، من أجل لا شيء!. ولكن من المستهجن القول بأن السلطة- سلطة، والمعارضة- معارضة، فهل حقاً كان هناك معارضة بمعناها الحقيقي؟!،أم كانت مجرد تخدير موضعي للشعب، بأن هناك من يحاسب أو يُكاشف ويواجه شكلياً، ولم نر خطوات جدية إيجابية من أهل الكهف التشريعي، قبل الانتخابات المحلية، سوى التستر على السرقات والعلاقات المشبوهة مع الصهاينة، وفراغ قضائي مقصوداً،والدعوة إلى ضرورة استكمال المفاوضات من أجل كنتونات فلسطينية محاصرة على جميع الجبهات.

لكن بالمقابل، لم يتوقع الكثيرون أن تُسلم حماس الجمل المتهالك بما حمل من أعباء مالية وإخفاقات وتنازلات عبر أوراق تفاوضية، وضرورة الالتزام بها، وما كان المتوقع هو حصول حماس كحركة مقاومة، على أغلبية الأصوات في المجلس التشريعي، لإحياء معارضة فعالة. ركبت حماس الموج العالي، وقبلت باختيار الشعب، وقد أجده في اليوم الذي أُعلنت به نتائج الانتخابات، فخ نُصب لحماس من أجل ما يحدث حالياً، للقضاء نهائياً عليها كمقاومة، أو إشغالها بمواجهة الفاسدين والمفسدين في أرض منقوصة السيادة أساساً، ولكنهم كانوا وما زالوا جداراً عازلاً منحرفاً وفاسداً كقيادة لم تسع لمصلحة القضية والشعب جملة وتفصيلاً، بل دعمت  شراكة فلسطينية لـ"اسرائيل"ومشروعها في تثبيت حقها في الوجود كدولة في "شرق أوسط جديد".

عود على بدء، فحماس الحكومة وكرأس ثاني للسلطة المحلية، تخوض معركة داخلية، لتقويض قوتها الحقيقية، وهو ما استطاع تيار التفريط  أن يجرها له، وقد ينجح إن استمر بتصعيد الاقتتال الداخلي، وإشاعة فوضى بانقسام الشارع الفلسطيني الداخلي والخارجي، وكلٍ له أجندته ومصالحه الشخصية، مستبعدين تماماً، أن ما حدث طيلة قيادة عباس تحديداً، تجرف التربة الفلسطينية نحو تعرية مخزية محتمة.
فقوات الرئاسة المنسجمة مع القوات الأمنية تعمل على إضعاف حركة المقاومة ككل، وهذه هي المهمة الموكلة لها في هذه المرحلة، وبآوامر الرئيس مستخدماً أدوات لها نفوذ مالي وقوة بشرية تابعة لها.
وعلى ضوء ما يحدث، واكتفاء لجنة المتابعة الوطنية بتصريحات وفتاوى دون الحركة الفعلية، فحماس التي ضبطت النفس طويلاً، ما عليها إلا أن تعلن عن سحب كل المسلحين التابعين لها من الشوارع، والقبول بتلقي الضربات الموجهة لها بمواقعها، دون الرد على اعتداءات تيار الانقلاب على المقاومة، ولتقبل لفترة معينة أن تكون المقتول وليس القاتل، ليس عجزاً أو ضعفاً،إنما  لحقن الدماء الفلسطينية. أو تشكيل لجنة عربية مستقلة وطنية في غزة،لا تعمل لحساب أجندات الدول العربية "المحترمة" كمجموعة الحقوقيين العرب وغيرهم، وتعمل على رصد خروقات التهدئة بين الطرفين، وتكشف صراحة تقارير من له المصلحة بالاقتتال الداخلي، وعلى حساب ماذا، خاصة أن اللجان الشعبية الفلسطينية أخفقت  بتشكيل دروع بشرية منظمة، لوقف النزف اليومي، والفصائل بأكملها تدرك يقيناً، أن دورها بالقضاء عليها من نفس التيار مرحلة آتية لا محالة.

يقولون أن حل السلطة سيدخل الشعب الفلسطيني في نفق الفوضى، وهل الواقع الحالي أقل فوضوية وإساءة للشعب وقضيته، وهل من يعتبر أن حل السلطة غير مقبول دولياً وعربياً، وأنها غاية الفلسطينيين بالوصول إلى أفق مسدود في ظل سلطة تعوق النضال وترفضه، وتدين العمليات الاستشهادية؟!، وهذا ما صرحه السيد أحمد عبد الرحمن علناً عقب عملية إيلات، واعتبار مقاومة المحتل من الدحلان عملاً جباناً، ودعى آخرون إلى ضبط النفس مع "اسرائيل" في حين أن ضبط النفس المطلوب هو من أجل المصلحة الوطنية مع أخوة الدم وشركاء المصير الواحد.

شعب تحت احتلال، وتقبل سلطته بمساعدة "اسرائيل" برفع الأعباء المالية عنها، لا تلزمه تلك السلطة بشقيها المختلف أيدلوجياً، وما يحتاجه الشعب الفلسطيني هو حكومة ثورية مؤقتة في ظل احتلال، تجمع الشمل الفلسطيني، وتوحده في إطار وخيار واحد.فلنقل خيراً أو فلنصمت، وما يعيشه الفلسطينيون في الداخل بين التراشق الإعلامي والسلاح، وتحت حصار جائر، هو دعم لسلطة الاعتراف بالعدو، وليس عكس ذلك...

 

 

30/1/2007
 

صلونا

مداخلات   |

بوح وجداني  |

مقالات    |

روح وظـل  |

أهلاً وسهلاً  |