مـــن المسؤول؟!

سوسن البرغوتي 

المشهد العربي، ينزلق تدريجياً نحو فوضى شاملة، ولو أنها لم تكن وليدة الساعة، إلا أن تراكم وتعاظم التداعيات أدّى إلى مزيد من الوهن وكارثة عامّة على مدى اتساع المجتمعات العربية، يجعلها أقرب إلى السقوط في هاوية الدمار والتخريب، منها إلى إنقاذ ما تبقى من أمنها واستقرارها.

فمن المغرب العربي إلى الخليج العربي، تخط نتائج التسيب معالمها بوضوح على بنية المجتمعات المحافظة، وحتى لا نعلّق العبث على هوية وشخصية العربي، بالصهيونية العالمية، وإن كانت غير مستبعدة، بيد أن المسؤول المباشر هو من يساهم ويساعد على اختراق السوس الصهيوني، لينخر البنية الاجتماعية والسياسية لمجتمعاتنا، وهذا ما أدى إلى تهاوي الصرح والانجراف نحو انتشار الرذيلة والجريمة.

فالصحف المقروءة العربية تعج بأخبار ملاحقة رجال الأمن لعصابات السرقة والمخدرات، مما يعني أن البلد مفتوح على تيارات تطيح بتوازنه واتزانه الأخلاقي والاجتماعي.

نتابع في بلد بالمغرب العربي مثلاً من يرفض ارتداء الحجاب، وفي الوقت نفسه، يبرر  اللواط في جزئه الجنوبي، كمصدر مشجع على السياحة!..ناهيك عن انتشار الإباحية تحت ستار وحجة التحرر، وكل هذا لا بد يقود إلى السؤال ذاته:

ـ من المسؤول الأول عما يحدث في أحيائنا العربية، بدءاً من انحدار القيم الأخلاقية، وانتهاءاً بالتفجيرات التخريبية؟..

كثيرة هي الأسباب المؤدية لتفاقم الحال، فعلى سبيل المثال وليس الحصر، فإن أهم تلك العوامل، البطالة التي تقود إلى العوز والفقر، وعدم اكتراث السلطة السياسية بهذه المشكلة، خاصة بين فئات الشباب، مما أدى إلى جنوح الكثيرين منهم للتطرف، والعزوف عن الزواج لعدم توفر القدرة المالية، كواحد من أسباب كثيرة، لتوفير أدنى مستلزمات الحياة.

لعل من تابع منفذي تفجيرات الدار البيضاء في المغرب، لا يحتاج إلى الكثير من الوقت لاستنباط الإجابة السريعة، فالمنفذان هما من عائلة الرايدي المعدمة، التي يعيش أفرادها في غرفة لا تصلح للعيش الآدمي، مما عزز شعورهما بالانتقام من الطبقة المتسلطة، تزامن مع غسل أدمغتهما، ولا أقول ذلك تبريراً، فالفعل الإجرامي لا يمكن أن يقبل أي تبرير، ولكن هذا الشعور بالدونية الاجتماعية في المجتمع الواحد، وفر لهما ولأمثالهما فتوى تنتمي إلى الفعل الجهادي، كرد فعل انتقامي وليس "إرهابي" بالضرورة، والفارق في ازدياد  بين حياة البذخ في قصور طبقة الأغنياء، وبين المعدمين المحرومين، مما تسبب في تقسيم المجتمع إلى أسياد يشترون، وعبيد يبعيون كل قيمة وقيم لديهم من أجل لقمة العيش.

كما أن إطلاق تسمية هذه العمليات على أنها انتحارية، فهي أيضاً جرياً على طريق تكريس مفردات سياسة تضليل مدروسة، تخلط بين العمل التخريبي غير المقبول، وبين مقاومة المحتل، فالعمليات الاستشهادية في العراق وفلسطين وأفغانستان، لا تخرج عن إطار "الانتحار" حسب تلك السياسة، والقضاء على المقاومة على أنها إرهاب هو المطلوب، وهو البند المخفي في أجندة الإعلام المسخر للغاية.

عملية الهدم باستئثار السلطة وبموارد وثروات البلاد، بمجملها مقايضة الهيمنة الأمريكية، لضمان بقاء الأنظمة على سدة الحكم، ولتغييب الطبقة الوسطى، التي تعمل على توازن المجتمع.
لهذا فالكثير من الشعوب العربية، تعتقد أن الخلاص من هذه الأنظمة القمعية والمضطهدة الديكتاتورية، هو في الارتماء والرضوخ للإرادة المهيمنة، ويُبرر بذلك التدخل العسكري الأمريكي، مما يجعل الحال من المحال، وهذا ما أثبته الوضع القائم في العراق، ومما جعل الكثير من الفلسطينيين يترحمون على أيام الاحتلال، مقارنة بظل سلطة لم تحقق الأمن ولا أي منجز إيجابي على أرض الواقع، مما أبقى الاحتلال ولكن بقناع آخر، واستمرت السلطة تلوح بالعصا لمن عصا..

إن التطرف الديني أو الانغماس في عالم الانحراف وفق تلك المعطيات، قد أفسح المجال لرفض الحياة كقيمة وأهمية للفرد في البحث عن الذات، مما أتاح لثقافة (الضحوية) أن تنتشر بين أفراد المجتمع، وأن الغاية تبرر الوسيلة للضحية وهي تُساق للمذبح، مع ما يحمل من ضغينة على الغير، إضافة إلى العزلة المفروضة على الشعوب، وغياب دول صديقة، بل ظهور أعداء جدد، مما يزيد الحصار والضغوط النفسية.
ولنا أن ندرك بأن كل تلك الطبائع، مصدرة من الصهاينة بتكريس الضحوية إلى كره الأغيار والعزلة، لاستباحة حقوق وحياة الآخرين من أجل تبرير سطوة الاستعمار الحديث..

فالمواطن العربي بين فكيّ عدوين، داخلي وخارجي، وكلّ منهما يضغط ويسلب الحقوق، ويدور في دوامة البحث عن مصالحه الشخصية، والعاقل المقهور المظلوم المسلوب الإرادة في وطنه وبلده، يغادر وطنه غير آسف، عله يجد الحياة الكريمة في المهجر، ليصل إلى ما يصبو له، والكثير من المهاجرين تطحنهم رحى الحياة الغربية، وتتوه شخصيتهم بين الاندماج في مجتمعات مغايرة، وبين تخليهم طواعية عن الهوية.

يدرك الساسة العرب، أن الحد من الجشع والفساد، هو أحد الحلول المتاحة، لإعادة طبقة تكتفي بالقليل وتطمح بالعمل إلى الأفضل، لكن تفاقم وجود الطبقة المعدمة، ولا شيء تخسره، أدى إلى تحديد أحد الخيارين للشباب، وكلاهما هلاك لهم ولمجتمعهم.

فهل يعيد المسؤول العربي النظر والبحث بأسباب انخراط الشباب في صفوف التطرف؟، والشباب هم بناة المستقبل، وعندما نتجاهلهم قسراً فكأنما نسير على خطى "على نفسها جنت براقش".

ولكن ليدرك العابثون بأمر مستقبل الشباب بأن الصمت تحت وطأة القوة والتعسف الأعمى، لا يمكن أن يدوم، وسوف تتحول الأغلبية الصامتة العربية إلى ثورة تطيح بكل المقاييس السلطوية التي أخضعت الشعوب بالإكراه..

18/4/2007
 

صلونا

مداخلات   |

بوح وجداني  |

مقالات    |

روح وظـل  |

أهلاً وسهلاً  |