شخصيات بلا مسؤوليات

سوسن البرغوتي

تكشفت هشاشة الاتفاق الذي جرى في مكّة، ولم يكن أكثر من إجراءات عملية مؤقتة، يتقّرح الجرح، وينزف من جديد، وتعود الاختلافات الجذرية لتثبت استحالة التوافق لا بحكومة وطنية على التشكيلة الحالية مع تيار أوسلو، ولا بغيرها. تلك الجوقة التي سعت وتسعى للقضاء على أي شريك فلسطيني يكشف فسادها وألاعيبها، ويفضح الوسائل القمعية  المتبعة ضد الشعب من قبل الأجهزة"الوبائية"، بالتعذيب والملاحقة والاعتقال لكل من يواجه السلطة الباطلة في ظل احتلال.

أعلنت "بومة الشؤم" منذ اللحظة الأولى التي تشكلت فيها الحكومة الحالية، وليتها الأخيرة، أنها لن تتعامل مع شخصيات وزارية تنتمي "لمنظمة إرهابية"، وأن الشرعية الدولية والعربية "المعتدلة" ستتعامل مع شخصيات في الحكومة، تتصف بمرونتها، أي بقبولها بـ "إسرائيل" كجار، لتنتهي مسألة (النزاع) على نحو ما أظهرته المبادرة العربية، مما يعني القبول بالتطبيع العلني، مقابل التفاوض، واحتمال وقوع تنازلات، خاصة بملف حق العودة وملف القدس.

وبعد مؤتمر الرياض، بدأت ملامح التنازلات تخط بوضوح بنود التساهل، والقبول بمبدأ الاجتماع بالعرب المرنة اللينة!، التي لم تكن وليدة فورة إحياء المبادرة من نعشها، وكانت فصول اتفاق مكة، وما تلاه من اجتماعات سلطوية- عربية، توحي بأن المصالحة الوطنية، ما هي إلا تمثيل بارع لمرحلة تُجهز بعناية، ولعب دور الكر والفر، ليس مع العدو للأسف، بل مع وضد وفي مواجهة الشريك الفلسطيني الآخر، الذي يتمسك بالمقاومة. فعادت سطوة الأجهزة الأمنية، ورُفعت مرتبة نائب إلى مستشار في مجلس الأمن القومي، وأي أمن هذا، ومن يعمل مستشاراً له، أساس العلة ولب المشكلة في الانقسام الداخلي.
لم تكن مرحلة الهدوء النسبي، إلا مجرد مرحلة تحضيرية لما نراه الآن، وما بُني على باطل، فهو غش، وأسسه لا يمكن إلا أن تُسقط وتهدم المبنى مهما ارتفع.

المؤامرة لم تقف عند هذا الحد، وإنما تزامنت مع تصاعد التصريحات العلنية، واعتبار المقاومة عملاً جباناً، وأنها تعيق عملية "الاستسلام"، من المفترض أن يلفت انتباه حماس، أنه من المحال التوافق والاتفاق مع فئة لم تكن يوماً معنية بخطة أمنية، وضبط الأمور لصالح أمن الفرد الفلسطيني.
ومن الواضح أن قوات الرئاسة تنفذ الخطة الأمنية الأمريكية، التي امتدت رقعتها من بغداد إلى غزة، في محاولة لتغطية فشل قواتها بإحكام القبضة على العراق، وبالأدوات العميلة ذاتها، وتتناوب معها في القضاء على المقاومين.

فاليوم تدعو الحاجة والحال توحد فصائل المقاومة لمواجهة عدوين، وهو الرد الأمثل، لهؤلاء الذين يراهنون على تضليل الرأي العام العربي، بأن حماس تلهث وراء المناصب والكراسي، وهذا محض افتراء. الرئاسة وملحقاتها يسعون إلى دفع الشعب إلى الاستسلام، والتخلي عن إرادة المقاومة، وهو ما دفع حماس للإصرار على المشاركة بالقرار السياسي الفلسطيني، علماً أن حماس لم تباشر عملها بناءاً على برنامجها منذ استلمت وزارات متهتكة ومنهارة، وأن هذه الحكومة ليست حمساوية ولا ما يحزنون، ، فلماذا ما زالت الحملة مستمرة ضد حماس؟، بينما القساميون يتصدون لغارات"إسرائيل" ولأجهزة صُنعت خصيصاً لمرحلة التصهين العربي في آن واحد؟.

من يدعو للاقتتال، ويطالب المقاومين الكف عن إطلاق الصواريخ، ويناشد العدو بإلغاء قوة فلسطينية من الوجود، فهذا لا يصب في مصلحة الفلسطينيين، إنما لتطبيق الخطة الخبيثة بحذافيرها.

وعلى ضوء عودة الاحتكام للسلاح بين الفلسطينيين، فإن حل السلطة وأجهزتها بأكملها والحكومة، وإجبار الاحتلال تحمل مسؤوليته تجاه الفلسطينيين كمحتل للأرض والشعب، والذي لم يخرج فعليا من أي حي، ويستطيع اقتحام أي بيت فلسطيني، فإن هذا القرار الشجاع سيعيد الأمور لصالح مسيرة التحرير، ويحاصر تلك الفئة العابثة في زاوية اختيار قسري. فكل مبادرة وبعد كل عودة إلى طاولة الإملاءات، يخسر الفلسطينيون، ويفسح لجهات أخرى فرص للتدخل، مما يزيد الطين بلة.

فمن يريد أن يجاهد، فليتفضل، ولتعلن انتفاضة فلسطين من البحر إلى النهر، ومن يريد التنظير والتخريب، فليس أمامه إلا البحر، وكما قال الكواكبي رحمه الله، بفعلهم السلبي "ليسوا أحياء عاملين ولا أموات مستريحين"، والكل على المحك، فلا مناصب ولا سلطة في ظل احتلال، وكل ما يحدث، إضاعة للوقت، وإضعاف للفصائل المقاومة.
إن عدم الاستفادة من ضعف الكيان الصهيوني، والفوضى التي تجتاح حكومته، ليس له إلا تفسير واحد، وهو محاولة إنقاذ أولمرت من السقوط إثر فشله السياسي والعسكري على أكثر من صعيد، ونحن نعلم أن من سيأتي بعده لن يكون أفضل منه، وسيستمر التخبط "الإسرائيلي"، بسبب تقادم وتراكم كل السلبيات التي يعاني منها المجتمع والعسكر في الكيان الصهيوني، ولا شك أن المقاومة الفلسطينية بكل أشكالها أهم وأصعب الأمور التي يعاني منها ذلك الكيان، والمنطق يفرض على الشرفاء التمسك بخيار النضال، لأن لا سبيل غيره لتحقيق منجزات جادة وحقيقية، ولتتحمل الشخصيات الوطنية مسؤولياتها.

 

18/5/2007
 

صلونا

مداخلات   |

بوح وجداني  |

مقالات    |

روح وظـل  |

أهلاً وسهلاً  |