|
"أنسنة" القضية الفلسطينية |
|
سوسن البرغوتي
الدعوة إلى"أنسنة" قضية احتلال أرض بامتياز، وإحلال شعب من قوميات مختلفة مكان السكان الأصليين، تقود إلى طروحات تحتل مساحة هلامية بين عدم الدراية للمعرفة الإدراكية لماهية الصراع، وما نتج عنه من تدمير المدن وتطهير الأرض من الشعب الفلسطيني، وبشكل متواصل منذ وقوع النكبة الأولى، أو المناداة في الدعوة إلى رفض كل أنواع العنف، حسب زعم ومصطلحات تطبيعية "تنتمي إلى مسألة الأنسنة"، واعتبار العمليات الاستشهادية"عمليات إرهابية"، بحجة أنها موجهة ضد المدنيين"الإسرائيليين"، وأنه يعيق تحقيق التعايش السلمي بين الشعبين، في حين أن الحقيقة تقول بأن كل من يقبل بالكيان الصهيوني كدولة، بفتح الحوار معه كطرف آخر يعيش في دوّامة وهم، ومن يعيش في داخل "إسرائيل"، ويناضل من أجل حقوق إنسانية ومدنية للشعب الفلسطيني، لا يمكن أن تخرج دعوته عن إطار القبول بالاحتلال،واستجدائه لاستخلاص حقوق مكتسبة
وليست أساسية... فالصهيونية العالمية اعتمدت بتغذية وتوجيه ودعم الماسونية المنبثقة من فكر استعبادي، أهمها إنكار حقوق "الأغيار" ووجودهم، وهي المعايير والمرتكزات الأساسية ليوجهوا جام غضبهم لمن يواجه مخططاتهم، ويصمونه بمعاداة السامية، واعتبار اللاسامية الإجرامية هي وراء كل عمل هجومي أو حتى مناورة دفاعية ضد "إسرائيل" كدولة.
أما التباكي على المحارق النازية، كونها موجهة ضدهم تحديداً، بتهويلها وتضخيمها، لم تكن من وازع دفع الشعوب إلى التعاطف وإثارة الشفقة لضحاياها، كما يتبادر لذهن البعض، ليستخدموا السلاح نفسه للنقر على ذاكرة المعاناة الإنسانية في واقع الممارسات الهمجية للاحتلال "الإسرائيلي"، وإنما الخطاب العام بتوظيف "المحرقة" سياسياً، وإن شعب"إسرائيل" مهدد بالزوال وبمحرقة أخرى، إن لم يُواجه العرب بقوة تفوق قدرة الجيوش النظامية العربية قاطبة، وإن الحروب المستمرة معهم من منطلق الدفاع عن النفس، هي حصانة دائمة ضد الخطر العربي الذي يهدد الوجود "الإسرائيلي".
قضايا التحرر في العالم تختلف عن القضية الفلسطينية، فجوهر القضية الفلسطينية هي إصرار المغتصبين على إلغاء شعب بأكمله، تبعاً لمقولة إن فلسطين" أرض بلا شعب،
لشعب بلا أرض"، وانتزاع هوية وسطو مسلح على الحقوق الثابتة تاريخياً وجغرافياً، والمطالبة بتحييد الاحتلال والنظر إلى جوهر القضية على أنها إنسانية بحتة يفصل السبب الجوهري ويغيبه، والاكتفاء بالمطالبة بالرحمة، وكأنها من خصال أي محتل!.
ليس هناك من سقف أو حدود لمطامع الكيان الاستيطاني، والأدل على ذلك أن اتفاقيات السلام المبرمة مقابل الأرض، والتي بدأها السادات بعهده الميمون، وفتح الطريق إلى زيارة القدس المحتلة مقابل سيناء، وتلتها اتفاقية أوسلو، اعتراف صارخ بالمحتل، ومن ثم اتفاقية التطبيع مع الأردن ومصر، تعرّض كل الجهات المعنية لضغوطات واستغلالهم كوسطاء لتسوية القضية الفلسطينية، بانتصار ساحق لـ"إسرائيل" على جميع المستويات، وبإشراف القوة المهيمنة الأمريكية. نهاية القول، إن المهزوم ليس ضحية، ولا المنتصر إنساني في استباحة أراضي الآخرين وحقهم في تقرير مصيرهم، إنما نتيجة غياب المشروع العربي بمواجهة مشروع آخر "برتوكلي" ضخم، نُفذ على مراحل، منتهكاً الأرض والفكر الإنساني وتحويله إلى منحل من الأسس والمبادئ الأخلاقية، لتعم الانحرافات الإجرامية، وانهيار في بنية المجتمعات العربية، وتفكيك هويتها والسيطرة الكاملة على الاقتصاد والسياسة العربية.
إن قُدر للمقاومة أن تنتصر على العدو، وتجعله يتقهقر ويتراجع عن الأرض الفلسطينية من الماء إلى الماء.. عندها يمكن الشروع في "أنسنة" وضع الفلسطينيين، كي تتفاعل وتنشط الجهود من أجل تعويض المعتدى عليهم، واسترداد ممتلكاتهم وكامل حقوقهم. |
|
4/6/2007 |