|
الانفصاليون... |
|
سوسن البرغوتي تسعة وخمسون عاماً، والنكبات تتوالى وتأخذ المصطلحات مفردات مختلفة حسب المستجدات على الساحة، وفي مجمل الأحداث يبقى المعنى واحداً. فمن النكبة إلى النكسة ثم النزوح واللجوء داخل فلسطين وخارجها، وكل ما حدث هو تشريد أكبر عدد من الفلسطينيين، ودفعهم للهجرة القسرية، نتيجة للاحتلال، وسلطة عطلت وخرّبت أكثر مما أصلحت، بكل ما في الكلمة من معنى، بظهور كوادر لها صفة الارتزاق والتبعية، وتخدير الشعب الفلسطيني في الداخل لسنوات بتمنيات لم تخرج من دائرة الوهم، وقد تكون السنوات الثلاث من مقاطعة وحصار الرئيس عرفات، تشير إلى عدم تحرك فعال لفك الحصار عنه، والأمور من سيء إلى أسوأ، خاصة أنه في نهاية حياته، لم يعد يعني لأتباعه غير رمز على يافطة، بينما يعمل كلّ لحساباته الخاصة، مما أدى إلى انشقاق في فتح، وظهور تيارات انفصالية، وألوان أخرى أهمها الاستعداد المستميت لمواصلة التنازل أكثر مما تنازلت عنه المنظمة سابقاً. واستتبع ذلك من تلك الفئة المنفصلة عن ثوابت الشعب الفلسطيني القبول بأي حل، ومهما كان هذا الحل، ولو لم يسع لتحقيق إنجازات لصالح القضية الفلسطينية، وإبقاء الأمور على ما هي عليه، كمصلحة رئيسة لتيار أوسلو، وعرّابين الاتفاقيات، الذين رفعوا الرايات البيضاء، وأحرقها العدو، وهي بلا شك مفارقة غريبة، فبالرغم من كل التنازلات التي قدموها ، بدا أن الصهاينة يرفضونها للوصول إلى إلغاء كامل للشعب الفلسطيني ومحيطه العربي. اختلط الحابل بالنابل، وعندما يرفض الفلسطينيون ما أقدمت عليه المنظمة من تحريف لبعض بنود الميثاق الوطني وتغييره، وإعلان وثيقة الاستقلال، يتنحى جانباً رئيس السلطة، ويعتبر أن المنظمة هي المخولة الوحيدة بالتفاوض، وأنها الممثل الشرعي الوحيد، في حين أن كوادرها موظفة من فتح وتحديداً من أتباع المهرول الأكبر.
فتفعيل منظمة التحرير، بعدما أصابها العطب، بدا بالاكتفاء بتطبيق اتفاقية من طرف واحد، وموظفوها من المفترض أنهم يمثلون الشعب، ويسعون إلى توعية الشعوب الغربية المضللة بجوهر القضية، ليسوا أكثر من دمى، تُحركها أوامر السلطة.
البيت الفلسطيني، يحتاج إلى تنظيف من طحالب أساءت لعنوانه الكبير، وهنا يكمن الإصلاح الجاد لهيكلية المنظمة، وإلا فما نفع أن نرفع عنواناً دون محتوى؟. لقد واجه اللاجئون الفلسطينيون في ليبيا والعراق أقسى وأسوأ معاملة، ولم تقم المنظمة بحمايتهم، وإنما اتبعت سياسة "اذهبوا وربكم، وتدبّروا أمر وجودكم، إنا هاهنا قاعدون!".وليتها توقفت عند هذه المقولة، بل وفر ممثل منظمة التحرير أو موفد السلطة، وكلاهما سيان، في أحداث نهر البارد، تأمين غطاء ودعم سياسي لما يجري، بحجة عدم التدخل بالشؤون الداخلية للبنان، بقتل أهلنا جهاراً، ودون تقديم أي حماية للأبرياء، الذين أضحوا رهائن بين طرفين لا علاقة لهم بالتصادم المسلح، لتدمير المخيم على رؤوس أصحابه!، ففتح الإسلام ليست معنية بالأرواح البرئية ولا بالأمن والاستقرار، والجيش مستمر بالقصف حتى آخر طفل وبيت في المخيم. وماذا بعد،هل ننتظر حدوث مذبحة في المخيم على غرار ما حدث بصبرا وشتيلا، بعد توسع دائرة عمليات ما تسمى بالمجموعات الجهادية في مخيمات أخرى، لتشعل شرارة الحرب الأهلية في لبنان، فهل نعيد التاريخ مرتين؟!...
الأمثلة بالمئات، إن لم يكن بالآلاف، وقضايا فردية وجماعية، ولا حياء لمن نناشد وننادي، فما جدوى بقاء عنوان كبير لبيت مفرغ من محتواه ولا أمل في إصلاحه، وماذا فعلت المنظمة والسلطة أمام قضايا تهويد القدس والإصرار على الاستمرار ببناء المستوطنات وجدار النازية الجديدة؟. الأهم في كل ما ورد، أن المنظمة لم تعمل فعلياً على حماية المجاهدين وإقصاء تيار"الاستقصاف"، والذي يقصف الشعب الفلسطيني ويطعنه في الظهر، ليقايض السلام المزعوم بالمقاومة، بل تغاضت عن تنامي أجهزة "الوبائي" والأمنية، باعتبارها أمراً فلسطينياً داخلياً، ولم تُؤسس لأمن الفلسطينيين، واقتصرت وظيفتها على قمع الشعب وتنفيذ خطط التآمر عليه، والتعاون مع المحتل للكشف عن أنفاق معدة لمهاجمة الاحتلال، والمساهمة في التلاعب على ورقة المبادرة العربية الخبيثة، والتي لم تلقَ الاستحسان والقبول عند الأطراف الأخرى، وإنما عادت "إسرائيل" لتفرض شروطها، ليس على الفلسطينيين وحسب، بل على العرب الهاربة من المواجهة الحقيقية بادعاءات غريبة وكاذبة.
كفانا نطمر رؤوسنا في التراب، وكفانا نرفع شعار منظمة التحرير الممثل الشرعي لكل الفلسطينيين، فهي بواقعها الحالي لا تخرج عن كونها غطاء للانفصالين، واللعب كدور الوسيط بين الأسياد وموظفيه في الوطن العربي، وعرقلة كل ما يمكن أن يعيد النظر لتقويم العوج الذي يعاني منه الفلسطينيون الأمرّين بالداخل والخارج على حد سواء. فما نفع المنظمة وهي تعرقل أي تقدم باتجاه دورها الحقيقي، وتعمل بانسجام منقطع النظير مع جهات عربية مشبوهة لإنهاء ما اُتفق عليه حديثاً على أنه نزاع!.
لو كان كل ما نقوله يقبل وجهاً آخر، وأن هناك غير الذي نرى، من فشل واحتكار السلطة بأيدي عابثة قمعية ومستفيدة من حالة الحصار والأزمة المالية الخانقة، وإن كانت السلطة على قدر من المسؤولية، فلتلعن السلطة تنحيها. لقد وصلت حمى الجنون لتنفيذ إعدامات علنية وعلى أبواب المساجد، فهل يعقل السكوت عن هذه الردة حتى تحقق مهمتها؟. أما من عقلاء في فلسطين المحتلة، أن يعلنوا أن تجربة السلطة زادت الطين بلة، وأن يراجعوا حسابات حقيقية للتحضير لثورة ومرحلة جديدة من النضال؟. ألم يحن الوقت لنعلن جميعاً أن لا سلطة شرعية يرضى عنها شعب فلسطين، وهي تتقاسم مع العدو مهمة تطهير الأرض من شعبها، وما يحدث في غزة الآن إعلان سافر عن فشل قيام ما يسمى حكومة وحدة وطنية، والأحق أن يطلق عليها اسم حكومة الخذلان الوطني.
لقد طفح الكيل، وأصبح الصمت عن ممارسات السلطة وفرق الموت وعصابات العملاء، والمليشيات المشبوهة عاراً على كل من يسمع ويرى ولا يعلن موقفاً لإنقاذ ما تبقى لنا من كرامة، وشعب الجبارين لا تقوده مجموعة من المتطفلين والمرتزقة!!!... |
|
11/6/2007 |