سوسن البرغوتي
من يصف غزّة من باب التهكّم والسخرية على أنها "تورا بورا"، فقد أتى بالمثال الأفضل، ومن فمه ندينه، فكما هو معلوم ومعروف، فإن طالبان هي رمز المقاومة "والطالبانيون" مواطنون أفغان يدافعون عن بلادهم ويرفضون الاحتلال وأتباعه "كرازي ورهطه"، الذين نجد لهم نسخة الآن في فلسطين المحتلة.
الحالة الفلسطينية نسخة مكررة من الحالات في أفغانستان والعراق ولبنان، وذلك بوجود تيارين، الأول سلطوي يحمي المشروع الأمرو-صهيوني، والثاني يتمسك بحق مقاومة المحتل، ومنع التدخل الأجنبي.
وعندما يصبح من يواجهون الاحتلال والخونة متمردون، فهل نسأل ترى على من يتمردون؟، هل على الخطط الأمريكية والصهيونية، أم على من ينفذها بحماقة وخبث، الذي انقلب على خيار شعبه، وقبل السقوط في مستنقع مزاد علني على ما تبقى من القضية وثوابتها؟.
المحاصر الآن سياسياً هو المنتفع من الوضع المتجمد المحيط بالقضية الفلسطينية، والمستفيد من حصار الشعب الفلسطيني، أما الغاية من وراء ذلك تتمثل في فرض رؤية عرجاء على الشعب بالقوة، من خلال الاحتماء بالشريك الصهيوني.
عندما كان الشعب قادراً على إصدار حكمه وقراره، قالها، فانقلبوا على خياراته، وحملوه وزر صموده بتجويعه وتضييق الخناق عليه مرة بالجدار النازي، وأخرى بإخلاء الخزينة الفلسطينية مع سابق الإصرار على محاربة الشعب، وكان ذلك بعد الانتخابات التشريعية مباشرة، فلماذا اللجوء إلى هذه الحيل الالتفافية، بالدعوة مجدداً إلى استفتاء عام وانتخابات تشريعية ورئاسية جديدة، مسيطر عليها من قبلهم، والسلطة برمتها غير قابلة للحياة، وتخضع مباشرة لأوامر الاحتلال العليا.
إن رفع الحصار مرتهن بالخنوع والإذعان لإمبراطور أوسلو وبلاطه، وإلا فالويل كل الويل، وكأنهم صدقوا أنهم يحكمون على غرف نومهم أو خدمهم.
ألم ينقلبوا على خيار الشعب، وشكلوا مقرات وجهاز مخابرات للتمكن على أرض الواقع من ملاحقة واغتيال واعتقال كل من يواجه سطوتهم، ألم يعاني أفراد الجهاد والجبهة الشعبية وكافة الشعب وفصائله من معتقلات وقمع السلطة؟.
تصريحات وفرمانات:
يطل علينا تصريح سيادة المستشار أبو ردينة قبل قمة الحوار مع العدو، مشدداً على المطلب الفلسطيني، وأنه يتمثل في ثوابته الوطنية وفقا للمبادرة العربية، ووفقا لخارطة الطريق، ورأى أن قمة "الاعتدال" العربي مع عدو الأمة العربية وليس الشعب الفلسطيني فقط، هي لحظة امتحان واختبار للحكومة "الإسرائيلية" والإدارة الأمريكية، في خلع آخر ورقة توت عن السلطة الفلسطينية، فهل اختزال الأرض الفلسطينية بمناطق في الضفة، والقبول بـ "إسرائيل" كجار وبتطبيع عربي شامل، من ثوابتنا، وهل تفكيك خارطة الوطن العربي وإعادة رسمها لتخدم مطامع "إسرائيل" وهيمنة أمريكا هو المطلوب؟، وللمفارقة الفظيعة، المستشار يمتحن أسياد القرار السياسي في الوطن العربي!.
وعلى ضوء التحضير لقمة "الشرخ" الفلسطيني، وقبله بيوم تُهدم قرية أم الحيران، وعباس يجتمع مع الكاذب الدجال الذي سرقت قواته ممتلكات أهل القرية، وبعد كل مذبحة وتجريف للأراضي وقتل الآمنين، يظهر أولمرت مردداً اسطوانته المشروخة، وليس غريباً عنه أن يطالب العرب بتعويض لآل صهيون عن طيلة العقود السابقة حتى يوم الاعتراف بهم كدولة، وأن يعتذر الشعب الفلسطيني لبلفور!. ينسجم الفرمان السلطوي بقرار قتل كل من يحمل صاروخاً، وبعد الاجتماع مباشرة مع دعوة أولمرت إلى ما يُسمى بالسلام بين الشعبين، تغير قواته على جنوب وشرق القطاع، بهدف ملاحقة المقاومين، ومتزامناً مع تصريحات السيد عباس، بحل "المليشيات" غير النظامية، وهذا يعني أن القرار يشمل كل فصائل المقاومة، وسبقها حظر حركة حماس في الضفة.
كنتيجة لما سبق، أصبحت شروط "السلام" هي في القضاء على المقاومة واعتبارها خارجة عن القانون، فأي قانون هذا، و"إسرائيل" محتلة؟، إلا أن المقصود جملة وتفصيلاً، شطب شعار "السلام مقابل الأرض"، والاختصار على"السلام مقابل رأس المقاومة".
لقد تنازل السيد عباس في اجتماع مجلس إدارة البيع العلني مجدداً، وصافح قاتل الشعب الفلسطيني، ومدمر مدنه وقراه، وأعلن أنه الشريك من أجل "السلام" المزعوم، وذلك للعودة للمفاوضات على أساس القبول بما تفرضه عليه شرعية الغاب العربية المعتدلة والدولية.
لم يقتصر الفساد على الأموال المنهوبة يميناً ويساراً، بل تعداه إلى أبعد من ذلك، فقد طفح الكيل من هذه الفئة المتوغلة بالرذائل الأخلاقية من رأسها إلى أخمص قدميها، والسؤال الذي يكاد يفقد الصواب، كيف لهذا الشعب العظيم أن يسكت طيلة هذه السنوات على عصابة تخلت عن المبادئ الأخلاقية والوطنية؟، فإلى جانب ترويج المخدرات والفلتان الأخلاقي والأمني، نجد من السادة أصحاب السمو والمنزلين من السماء، من تفشت الرذيلة في أجسادهم وضمائرهم، فإلى متى؟!.
ليست "تورابورا" المقاومة للمحتل عيباً أو سبّة، ولا شيء في هذا التشبيه يجعلنا نشعر بالخجل والخزي، بل الذل والهوان بالخرس عن ممارسات هؤلاء المتطفلين على التاريخ النضالي الفلسطيني،لتطفو على السطح الجينات التي دخلت في صراع حول "جمهورية الفكاهاني" في بيروت، وتظهر ثانية بتفريق الشعب الفلسطيني، وتكريس انقسامه لصالح "إسرائيل"، لتؤسس "جمهورية أوسلو".
كان لزاماً على من يريد أن يعالج الخلل الذي أدى إلى الاحتكام إلى السلاح، أن يخترق الحصار الاقتصادي الجائر،لأنه أس الأزمة المفتعلة، والموافق عليها ضمنياً أو علنياً من الأنظمة العربية "المعتدلة" وما يسمى بالرباعية الدولية، بأوامر أمريكية. وأن يضع النقاط على الحروف، فالأجهزة الثلاثية، هي من انقلبت على شرعية النضال الفلسطيني، ووُصف بأنه عمل جبان وحقير، وإلى آخر التسميات، طلباً لإنهاء الصراع لصالح الاعتراف بدولة للعدو، على أنقاض فلسطين من البحر إلى النهر، مقابل شرطين، أولهما أن المقاومة "إرهاباً" يجب القضاء عليها، وثانيهما القبول بأي كيان هزيل لا حول له ولا قوة للفلسطينيين في أرضهم، و"إسرائيل" متحكمة بالماء والكهرباء والمعابر والاقتصاد الفلسطيني، والشعب محاصر من جميع الجهات بجدار يعزله عن مدنه والعالم.
لاحقاً سيتم الالتفاف على حق العودة والاكتفاء بالتعويض، وإبقاء فلسطيني الشتات مبعثرين في أصقاع المعمورة، وشطب بند حق العودة إلى ديارهم. أما مدينة القدس، والتي اُختزلت إلى شرقية، فلن تحصل السلطة عليها كما يُخيل لها، وتهويدها وهدم المسجد الأقصى جار على قدم وساق.
بعد ذلك ليس بالغريب ولا المستهجن، المطالبة بإنشاء محكمة دولية لمن أصلحوا غزة، وانتشلوها من تحت الركام النتن، على غرار ما حدث بالعراق المحتل، وإقرار محكمة (أمريكية) في لبنان، لمحاكمة من قرروا مسبقاً المتهم باغتيال الحريري، وليس بعيداً أن يُطلب السيد حسن نصر الله للشهادة، ثم يتحول إلى متهم كونه "إرهابي" هزم العملاق الصهيوني، أفليس لنا عبرة ودروس بما شهدناه وعايشناه جميعاً في العراق؟، ليتكرر في فلسطين ولبنان وربما لاحقاً في الصومال والسودان؟.وبالمقابل التمركز بمنطقة خضراء، تدار عن بعد من قبل الهيمنة العالمية.
في زمن الخريف العربي ورغم قتامة المرحلة، الأوراق الصفراء تتساقط والأقنعة تُنزع ليظهر المسخ على حقيقته، ومن أوضح دلائل الانحطاط السياسي، أن تعد تحليلات مسبقة ومجهزة، ترتكز على مجموعة هائلة من الظنيّات والتهم، والتركيبات المستوردة من أفكار مشوهة ومشبوهة.
وفي زمن الفجور والخيانة المقننة، تحت عباءة الانتفاع يردد إملاءات الغربان، ويستشهدون بشريك اغتصب الأرض وعاث قتلاً وتدميراً، فهل يمكن أن نتابع أكثر من ذلك فجوراً وإفساداً وليّاً ليصبح الحق باطلاً، والباطل سائداً؟.
إن غُيب الشعب عن الحقائق، فبسبب الضغوط المستمرة عليه، وضياع بوصلته، وليس من أجل الرغيف، وهذا ما رموا إليه منذ البداية، ليكسروا إرادة الشعب وحقه في مقاومة المحتل.
أوسلو وتجّاره ومروجيه أوصلونا إلى هذا الحال، بادعاءات كثيرة أولها الضعف وقوة العدو والأهم الأهم.. الكراسي العفنة، والفساد المستشري، وشيوخ منظمة التحرير وعناصر السلطة هم بمجموعهم أس الفساد و التفريط والبلاء.
كفرت بكم جميعاً
كفرت بنهجكم جميعاً
الأخ لا يبيع دماء أخيه وأرضه، وقابيل ليس من ثوب الشعب الذي عانى ويلات المذابح والاعتداءات جراء الاحتلال، واليوم يظهر الشيطان أولمرت بثوب المحب للسلام، وقريباً ستكتشفون أن وعود أولمرت الفاشل ما هي إلا استخفاف بالعقول، ولن تستعيدوا ذرة رمل من فلسطين، بالتنازل وبالاستقواء بالمحتل.
الحل الوحيد الناجع، توحيد صفوف المقاومة، فقد تبين الرشد من الغي، والحكومة الثورية المؤقتة الخيار الأول والأخير، وليسقط دعاة الاستسلام، ولتتكشّف جميع الوثائق التي تدين تيار التصهين الفلسطيني، والقانون الشرعي لا السلطوي هو الفاصل بين الحق والباطل، ثم الدعوة للحوار على أسس نظيفة لا تُبنى على نفس مشهد المجاملات والمواقف المؤقتة في مكة، ويعودوا بعدها لسابق عهدهم، تحت ذريعة الضغوط من أجل الشراكة الفلسطينية.
بدأت الثورة الشعبية ولا مجال للعودة إلى الوراء، وهي إثبات للشعب والشارع العربي والإسلامي، أن السلطة مرفوضة من أجل السلطة، والخارج عن شرعية النضال، يستحيل أن يمثل طموحات الشعوب بالتحرر والاستقلال. فهذه الطغمة الفاسدة أخلاقياً ووطنياً، لا بد أن تُجتث من جذورها، لتغيير المسار العوج منذ أوسلو حتى يومنا هذا، وإلا سنعود دائما إلى نقطة الصفر.