سوسن البرغوتي
في بداية كل تصريح أو بيان ومقال، يبدأ صاحبه بالمطالبة بتعزيز الوحدة، مع التمسك بالثوابت الوطنية، ولكن لا يبيّن ما المقصود بالثوابت، هل التي أضحت جملة اعتراضية، ولكل مفاهيم خاصة حول تفسير وفهم هذا العنوان؟.
"بروتس" الذي فرّ يوم الزحف بهدف القضاء على معاقل المقاومة، ولم ينتصر العميد رئيس عصابات "فرق الموت" لشعبه، بل أنشأها لقمع الشعب، ولم يواجه يوماً أي اعتداء أو غارة "إسرائيلية"، بل أولوياته المملاة عليه، واهتماماته تنحصر(بحل الدولتين)، وبصرامة سيرد الصاع صاعين على من يتطاول على تنفيذ مهمته، ملحقاً ذلك باغتيالات بالجملة وتعذيب وتفكيك البنية التحتية للمقاومة، ومن ثم إدارة مشروع تثبيت الاحتلال على أنه شرعية دولية، ومع ذلك نراه وزمرته يرفعون راية التمسك بالثوابت الوطنية!..
الرئيس عباس يناضل ليحصل على اعتراف أممي بحق مغتصب، متوسلاً العالم ومتخيلاً السلام على فرضية مدينة أفلاطون، بالقبول بدولة فلسطينية بحدود الـ67، والتغاضي عن فلسطين، ومدينة القدس، أو اختصار المطالبة "بخجل" بقدس شرقية، وكأن الغربية حق لـ"إسرائيل"أساساً!..
وتخفيض سقف المطالبة بحق العودة، والاكتفاء بالتعويض المالي فقط ، ويتصدر المحافل الدولية، يدعو إلى ضرورة تواجد لقوات دولية في غزة ، ولكن لماذا ينشط الآن في هذا الطلب؟، ودعواه حفظ أمن غزّة.. ممن؟.لو كان -كما تبجح بوقه الإعلامي- من العدو "الإسرائيلي"، فقد تأخر بالطلب كثيراً، وإن كان لوضع قدم احتلال بمباركة العالم، فهو إذن ليس مبرءاً من التحالف مع العدو ضد شعبه وثوابته، وليس أدل على ذلك من إصراره على اعتبار أولمرت شريكه بصنع "الاستسلام" الفلسطيني، ومع ذلك لا يوفر فرصة ليرفع شعار الثوابت الوطنية، رغم أنه أسقط أهم بنودها في اتفاقية أوسلو، وجعل منظمة التحرير خاتم توقيع رئاسي بيده، يقود ثلة تدربت على أساليب ملتوية بالخطاب.
رئيس حكومة الاحتلال، والذي فُرض سابقاً على الرئيس عرفات ورفضه في حكومة أبو مازن، عاد للظهور مجدداً، مستنكراً المقاومة، وهو أيضاً يتشدق عن الحقوق الفلسطينية، فما المتوقع يا دولة رئيس الوزراء بلا دولة من مواجهة الاعتداءات والغارات، هل بحل الفصائل ومصادرة أسلحتها، كونها غير نظامية؟.
من يستنكر ويرفض ويعترض ثم يتحفظ، ويتنطع باجتهادات ومصطلحات بعيدة عن الهدف، كبعد القضية عن قيادتها الحالية، ويدعو للحوار مع قطاع الطرق وتجار التصفية الأخيرة للقضية الفلسطينية، بدورهم يلتزمون بالأسس والمبادئ الوطنية، يصاحبها ميوعة في حسم الموقف بكل ما يجري على الساحة الفلسطينية، مع علمهم أن السارقين والنهابين والأجهزة ثلاثية الرؤوس، لم تعمل يوماً على حماية الفلسطيني، وتواطأت على خطف المناضل أحمد سعدات ورفاقه من سجن أريحا، وكيف استطاعت أجهزة التنصت، المساهمة باغتيال المناضل الشريف أبو علي مصطفى، هذا إن كانوا معنيون فقط بالجبهة الشعبية.
يأتي دور الإعلاميين الوطنيين فلسطينيين وعرب، الذين لا نشك بإخلاصهم من أجل وحدة وطنية نظيفة، ووقوفهم جبهة ممانعة، ومناهضة للصهيونية والإمبريالية، يدعون إلى الجلوس والالتقاء مع من خرج بملئ إرادته عن السرب الوطني، ويعرفون من هو عراب ومهندس وراعي طبقة التصهين الفلسطيني، من أجل تحقيق تلك الوحدة، فهل هم معنيون بها، في الوقت الذي سعوا إلى إنهاك حركتهم وانقسامها؟.
أفلا يوحدوا كلمتهم منطلقين من ثوابت حركة تحرير فلسطين، حتى نعرف ما هو توجه الكل في هذه الحركة، وأي فلسطين المطلوب تحريرها، هل من أهلها أم من المقاومة أم من المحتل؟.
الانقسام على مدى اتساع الشارع العربي لم يعد أمراً خافياً، فهناك الواهم بديمقراطية الهيمنة الأمريكية، مدافعاً عن مشروع الشرق الأوسط الجديد بالروح والدم، وبين رافض ومتمسك باستقلال وسيادة الأوطان، واسترجاع الحقوق بكل الوسائل، فكيف الحال لشعب محاصر من كل الجهات، فإما الركوع والإذعان من أجل الرغيف وإنكار المقاومة والتنازل عما بقي من الثوابت، وإما بالصمود والتحدي.
وبالربط مجدداً بين ما يحدث في مخيمات اللجوء في الداخل والخارج، نستشف أن الحملة موجهة لتقليص حق العودة والاكتفاء بالتعويض في أماكن إقامتهم، فلا عودة إلى الديار ولا ما يحزنون.
السلطة المحلية تبحث عن مكاسب اقتصادية، متغابية عن السبب الجوهري للوضع المزري في الضفة وغزة، وبدعم ما يسمى بالشرعية الدولية، لإعطاء الذرائع في أن المقاومة لم تعد سوى "إرهابية"، تعمل على إفساد تعبيد الطريق لـ"إسرائيل" بدءً من احتلال كامل فلسطين، وانتهاءً إلى تحكم "إسرائيل" بالأسواق والقرارات السياسية العربية، وضم غور الأردن، وتطويق مصر من الشرق والجنوب وبقناة البحرين، أما غربها فهو محلق بالفضاء الأفريقي، الذي صرّح أنه لن يعترف إلا بدولة "إسراطين"، فلا شعب عربي فلسطيني له حقوق باسترجاع أرضه، بل بالقبول بنظام احتلالي على أنه النصف الآخر الشريك للأرض والمسيطر عليها أمنياً واقتصادياً وسياسياً وعسكرياً.
إن كان ما يسمى بالشرعية الدولية التي يتغنى بها العرب "المعتدلون"، الذين يقبلون باحتلال العراق وفلسطين، ووضع قدم لقوات دولية تدور في الفلك الأمريكي، وإتباع سياسة الأرض المحروقة وتطهير الشعب من أرضه، وإن كان المطلوب هو فرض سطوة الحكومات الاحتلالية، وبمعايير مزدوجة برفضها ومحاربتها في العراق، وبالدعوة إلى الحوار معها في فلسطين، فالقضية ليست منحصرة بتيار من فتح وحماس، وإنما دعوة علنية لتصفية القضية من جذورها، والقبول بحل الدولتين، والجزء الفلسطيني منقوص السيادة، ومهدد بكل لحظة بالغارات والتدمير، ويتبع السياسة "الإسرائيلية" معتمداً على اقتصاد الجار الأقوى، لإبقائه في حالة نزاع وموت سريري.
وإن كان الدعوة للوحدة الوطنية، لاستمرار الفاسدين والمتصهينين بنهجهم دون رقيب ولا حسيب، وتوزيع أدوارهم في المعسكر الاحتلالي، فمعنى ذلك أن الدعوة منقوصة بضرورة تنفيذ مطلب شعبي باجتثاث كل العملاء وموظفي الاحتلال في العراق وفلسطين وفي أي بلد عربي على حد سواء، قبل إيجاد فرصة طبيعية للحوار الوطني النظيف. فما الحكم الشرعي والقانوني لأي دولة في التعامل مع شبكة تجسسية تطفو على بحر من دماء الشعب، وتسرب معلومات عن مواقع في غاية الأهمية، وتقدم قوائم بأسماء وأماكن المقاومين؟. أوليس دعاة إفساد الشعب بنشر المخدرات والانحراف الأخلاقي، هو هدم البنية الاجتماعية له؟.
لنضع النقاط على الحروف.. الثوابت الوطنية التي أجمع عليها شعب فلسطين وشرفاء العالمين العربي والإسلامي ، هي في استرجاع كل شبر من أرض فلسطين، وعودة أهلها إليها، وتفكيك هذا الكيان الاستعماري، وإنهاء الاحتلال والقضاء على الصهيونية في بلادنا، والنهج الخرافي بإقامة دولة بناء على فكرة لاهوتية محرفة كما هو الحال باستخدام أكاذيب وأضاليل صهيونية في حقهم بفلسطين (أرض الميعاد)، وذلك بالقفز على أنقاض وجماجم شعب آخر، وأذنابهم يتشبثون بالمناصب لإكمال مهمتهم. ما أُخذ بقوة السلاح لا يُسترد إلا بالوسيلة نفسها..أما السبيل إلى ذلك لاسترجاع الوطن والحقوق، وتفعيل وحدة وطنية حقيقية هي في وحدة صفوف المقاومة، لتعلو إرادة الحق فوق إرادة الشر والاستعباد... ونقطة أول السطر.