|
ثقافة الانكسار |
|
كم هي مقيتة تلك الثقافة، التي إن تغلغلت إلى أعماق المرء، دمرت إنسانيته، وسلبت منه إرادته وطاقته، وأعمته عن الرؤية السليمة، وأحالته إلى رماد يداس بالأقدام. وهذا ما تحاول آلة الإعلام الاستعمارية فعله، بعد أن حولت الكثير من الأراضي العربية إلى أراضٍ محروقة، لكنها لم تستطع أن تنال من إرادة الصمود، وتحدي ومواجهة موجة التدمير والتخريب.
من تابع الحوار المفتوح مع الفنانة الملتزمة جوليا بطرس، يستطيع أن يدرك موقفها المقاوم والرافض لمبدأ الاستسلام، و تستهجن ثقافة قد لا تكون مستحدثة، بقدر ما أصبحت ظاهرة مرفوعة على شعار "بدنا نعيش"... هذه التي تحمل ادعاءات المدعين، لا بد تكون نابتة من مستنقع اللاكرامة، واللا سيادة، وعلى حساب إذلال شعب الجنوب اللبناني الصامد، وعلى وقع ما يحدث أيضاً في مخيم نهر البارد، وهي موضوعات غير مبررة لسلوك ثقافة الانكسار، فهل يمكن أن تكون الحياة في الحفر عيشاً؟.
إن الغزوات الفاشية ومرتكبيها يسعون في كل وقت لتفقير الفكر الإنساني، وينتهجون سياسة التجهيل والتضليل بكل الوسائل، تخدمهم ماكنة الإعلام الجامحة، وارتكازها على الكذب في المعلومة، وعلى التهويل لدفع الشعوب للقبول بالفتات، وبأي وضع، مقابل العيش مهما كانت ملامحه، ومهما كانت طرائق البحث عن القوت اليومي، ولا شك تقود إلى التفسخ الأخلاقي، والبعد عن الالتزام الوطني.
هذه الظاهرة على ما يبدو سريعة الاشتعال، تمتد نارها إلى الكثيرين من أهلنا في الضفة الغربية، وهم تحت الحصار وأزمات مالية خانقة، وهي مفتعلة على طريق كسر إرادة المقاومة، والرضوخ للمحتل الصهيوني. تراءى للبعض منهم، أنها فرصة نجاة من التجويع المقنن، وبدت سلوكاً مرناً للقبول بإنقاذ مناطق الضفة المحتلة، على أساس "واقعية" المرحلة ومواجهتها.
التقرير المبدئي للأخت إيمان بدوي ومجموعتها الذين قاموا بحملة تطوعية، وذهبوا إلى معبر رفح، يشير إلى إن أكثر ما كان يردده المحاصرون "بدنا نرّوح"، ورفضهم بقوة، العودة عن طريق معبر كرم أبو سالم الاحتلالي، وهذه هي الثقافة الصامدة التي نفهمها ويفهمها شعبنا الأبيّ، المضادة لظاهرة "بدنا نعيش".
الآن تقام سبع مخيمات على الجانب المصري، لإيواء آلاف المشردين الذين يلتحفون السماء ويفترشون الصحراء، وقد يبدو هذا الإجراء إنسانياً لإنقاذ حياة العالقين، ولكن في باطنه توجّه لإقامة أماكن ومنافي للاجئين جدد، في ظل استحقاقات على تهمة "السلام".. فهل هذا من السلام في شيء، وهل السلام في تهجير الناس من بيوتهم وأراضيهم، وملاحقة المقاومين واغتيالهم أو اعتقالهم من قبل السلطة التي تدّعي (الوطنية)، بينما ذيول الاحتلال ينفذون مخططاتهم التصفوية دون رقيب ودون حسيب؟. وهل السلام المقبول دولياً يمرّ من الإقرار العلني والاعتراف الرسمي بـ (دولة إسرائيل) العظمى، والقضاء على المقاومة ونبذها، على إيقاع املاءات هيمنة وتحكم بمصير قضية احتلال، وشعب محاصر وراء جدار عازل، ومحاصر اقتصاديا وسياسياً، وهل يكون السلام معلقاً على يافطة خنوع واستسلام وشعار "بدنا نعيش"!؟.
الغريب أن البعض لم يتعلم الدرس بعد الذي أوقع علينا كل المآسي منذ اتفاق أوسلو وأخواتها، ولم يدرك بعد الحال الذي وصلت إليه القضية، والشعب الفلسطيني بفئاته المختلفة والمتعددة!.
ما يمكن تشكيله الآن هو جبهة إنقاذ وطني من مرحلة أوسلو وما سببته من تخريب متعمد للقضية، وإفساد فئات كثيرة من الشعب الفلسطيني، من خلال وعود سرابية، وبأن النصر يُقدم مجاناً من "إسرائيل"!.
ثم ماذا عن منظمة "التحريف"، التي كانت سباقة للاعتراف بـ "إسرائيل" وتتبع الانحطاط الفلسطيني السلطوي، وأعضاؤها الأشاوس بصموا على اتفاقية أوسلو، وقبلوا بتحويل القضية الفلسطينية إلى أخرى ممسوخة قطرية، مختصرة لمسألة نزاع على حدود!. كيف يمكن إنعاش البيت الفلسطيني الذي دمرته اتفاقيات "السلام"؟.
سحقاً "للَهَبل"، الذي أشار إليه ناجي العلي، بأن ندعو لحكامنا بالنصر، وكأن قدرنا أن نبقى أسرى مقارعة الحاكم بأمر الأسياد، وكأننا نصرّ على أن ننعم بسطوتهم.
هكذا كان ناجي العلي يرى المسألة على حقيقتها، واضحة جليّة لا اختلاط فيها ولا تضليلات، وهكذا علينا أن نتعلّم كيف نتصدى، وكيف نسير على خطى السابقين الذين عمّدوا لنا الطريق بفكرهم ودمائهم وكلماتهم. |
|
|
| 27/7/2007 |
|