|
الدائرة المغلقة |
|
سوسن البرغوتي لم تتوقف المجازر"الإسرائيلية" من قتل واختطاف وتدمير سواء في الضفة أو في القطاع، ولكن هذا التصعيد المتواصل أخذ منحى آخر أشد ضراوة وأشد فتكاً خاصة في قطاع غزة، وفي كل يوم تقتحم قوات الاحتلال بالآلة العسكرية مدن وقرى من المفترض أنها مناطق تخضع للسلطة الفلسطينية وأنها "محررة"، وهذا يثبت أن الحكومات الصهيونية المتتالية لم تعر بالاً ولا اهتماماً ولا احتراماً للاتفاقيات المعقودة هنا وهناك، ولا لمجرى المفاوضات، أما مسألة التنسيق الأمني مع الشريك فهو بحق ضد المصلحة الوطنية، وهو شروع السلطة البدء بتنفيذ البند الثاني بعد الاعتراف بـ "إسرائيل". هذه هي الخطوط العريضة ونتائج جري ما يسمى بالممثل الشرعي لكل الفلسطينيين للتطبيع مع العدو والمحتل، فما الذي حققته السلطة مقابل ذلك، وهل احترم هذا الشريك مناطق يقال أنها محررة، سواء في أريحا سابقاً أو في نابلس لاحقاً؟. من الواضح أن هناك تبادل أدوار تسعى كلها للقضاء على المقاومة، واعتبارها عائقاً أمام تحقيق "السلام" والمعني هنا بالسلام هو الإذعان لتصفية القضية الفلسطينية، بعد تحجيمها وتقزيمها، لتصبح قضية قطرية بحتة.. مما يوضّح أن الاتفاقيات ومسير المفاوضات العبثي يخص شلة متسلطة على إرادة الفلسطينيين ومعها "إسرائيل"، أما الأنظمة العربية فهي تقوم بدور تشجيع الفريقين لإنهاء الخصام وإيجاد نقاط التقاء تحقق السلام، فهل يمكن أن يتحقق ذلك؟.
لقد بدأت ثمار أنابولس تُوتي أكلها، خاصة مع موعد اقتراب زيارة بوش لفلسطين المحتلة، ومحاولة إنقاذ تذمر كلا الطرفين المفاوضين، في ظل الاستمرار في توسيع المستوطنات، وما تصريح وزيرة خارجية الكيان الصهيوني ليفني إلا تأكيداً على ذلك حين قالت: (الآن يسألنا العالم عن الاستيطان وفي بعض الأحيان ينتقدنا والسؤال هو كم من العالم يعلم عن قتل إسرائيليين قبل أيام في منطقة الخليل على يد عناصر الأمن الفلسطيني؟ إننا ندرك ضرورة إعطاء أجوبة لتطلعات الفلسطينيين القومية وذلك من خلال دولة مستقلة تستجيب لكافة تطلعاتهم الوطنية ولكن يقف في مركز هذا الحل اعتبار الأمن الإسرائيلي مصلحة فلسطينية تماما كما هو مصلحة إسرائيلية الأمر الذي سيؤثر على أي حل نهائي يؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية، إن قرارات المجتمع الدولي تقوم في بعض الأحيان على الخيال وليس على الأساس التاريخي والعدل والحقائق، وهناك قادة يعرفون تماما ما يتوجب القيام به لكن وتحت ضغط الرأي العام في دولهم يغيرون في قراراتهم). لقد خرج مؤتمر باريس بسخاء منقطع النظير على ورق بمنح السلطة المليارات السبع على مدى ثلاث سنوات قادمة، وتلك الإغراءات المؤقتة، لوعود مؤجلة لن تجد طريقاً لتحقيقها ما دامت "إسرائيل" لن تلتزم بوقف مبدأ وتوسيع المستوطنات ولن تعيد شبراً واحداً من القدس، بل تستمر في تهويد المدينة، وهي حتى هذه اللحظة لم ترفع الحواجز من مداخل المدن والبلدات والقرى الفلسطينية في الضفة الغربية تمهيداً لسلام "الرعيان"، فكيف سيتم إنجاز تلك المشاريع الاقتصادية في وضع متوتر وغير مستقر؟. علماً أن السلطة الفلسطينية لا ولن تملك أي مقومات السيادة والاستقلال السياسي والاقتصادي والعسكري على أرض مستقطعة من فلسطين، بل على العكس تبيح وتسمح وتوافق على أن تقتحم القوات الصهيونية أي مدينة لملاحقة المقاومين، وتصعد يوميا من الإغارة على غزة، وقد تقوم باجتياح القطاع بالكامل في القريب العاجل، وبتبادل الأدوار مع الأجهزة الأمنية للسلطة وهي نفسها التي كانت تمارس الطقوس ذاتها في غزة سابقاً، لتعطي نموذجاً واضحاً لنهج تلك الأجهزة والمهام المنوطة بها. لم يحدث أي تغيير في السياسة "الإسرائيلية" المدعومة من الإدارة الأمريكية، أو لنقل استراتيجية الصهيونية العالمية، والتي تؤثر في صنع القرار الأمريكي نفسه. فالدائرة المغلقة تلف الأطراف الثلاثة في أجواء مباحثات تبدو جادة في ظاهرها، أما في جوهرها فهي البحث عن مخرجٍ لأزمتهم ثلاثية الأبعاد. بوش داعي وراعي السلام المزعوم، يعمل قصارى جهده قبل رحيله، ليظهر أنه بطل السلام، بعد أن تكشفت همجية قواته الاحتلالية في العراق وهزيمتها وأنه راعي التدمير الأول في العالم، وثبت عدم قدرة إدارته على ضبط الأمور في لبنان لصالح طاقمه الحكومي، وأولمرت المهزوم تراجع حزبه ويصارع تحالفات داخلية، وليفني التي تستعد بدورها لنتائج لجنة فينوغراد لممارسة ضغوط أكبر على أولمرت ليقدم استقالته، وسط تصاعد احتجاجات بعض الحاخامات المتطرفين للتسوية المتوقعة مع سلطة عباس، فقد ذكر الكاتب صالح النعامي في مقاله بعنوان "ماذا لو أفتى مشايخنا بفتاوى الحاخامات هذه؟": (أفتى حاخام يهودي متطرف بجواز إعدام رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت، ونائبه حاييم رامون ووزيرة خارجيته تسيفي ليفني ووزير حربه ايهود براك لأنهم يفكرون بالتنازل عن أراضٍ للفلسطينيين في إطار اتفاق للتسوية مع السلطة الفلسطينية)، وعلى هذا فلم يبقَ بالساحة "الإسرائيلية" من هو مرغوب به إلا رئيس (إسرائيل بيتنا) افيغدور ليبرمان، وإذا استلم زمام الأمور، سيجد عباس نفسه وهو العائد بخفيّ حنين من أنابلوس، بالفشل حتى من الحصول على إعلان مبادئ مع شريكه، والمطالب الرئيسة ستتعرض مع مرور الوقت للتعديل بفعل الرفض" الإسرائيلي"، وبالتالي سيفقد دون أن يدري ورقة المقاومة الرابحة في مفاوضاته، ليظهر عارياً تماماً من دعم الفصائل المقاومة ومن انتمائه لحركته، لأن معظم وزرائه لا ينتمون لحركة فتح، ومنشقون عن السرب الوطني، خاصة أن المالكي الذي كان توعد وهدد سابقاً منذ دخول سلطة أوسلو أرض الوطن المحتل، واعتبر ببيان رسمي له، عندما كان قيادياً بارزاً في الجبهة الشعبية، أن السلطة ما هي إلا أداة لتطبيق اتفاق غزة ـ أريحا التصفوي، ودعا لرفع الأعلام السوداء، وبقدرة قادر أصبح الآن يشكل فريقاً مع فياض رجل أمريكا المخلص والمرشح القوي لخلافة عباس بتنحيته أو بإيجاد وسيلة أخرى للتخلص منه قد لا تكون أقل عقاباً من مسألة تصفية عرفات. عود على بدء، سقف مطالب "إسرائيل" لم يتزحزح قيد أنملة، حتى مع تنازلات المفاوض الفلسطيني لحدود الـ67، وهذا بحد ذاته، القفز على الخطوط الحمراء، بعد أن تقلصت الحقوق الفلسطينية في أجندة منظمة التحرير لاعتراف رسمي بما يُسمى (دولة إسرائيل)، فماذا يمنع الصهاينة من فرض المزيد من الضغوط على سلطة عباس، وما هي المطالب الجديدة المطلوبة صهيونياً غير الموافقة والدعم الأمريكي لكل ما تطالب به "إسرائيل" دون اعتراض، وتكريس القضاء على "الإرهاب" الفلسطيني لصالح المشروع الاستعماري الشامل؟!.
هل سيتغير المشهد بدعوة الأطراف الثلاثة لإنجاح مشروع لا يمكن أن يقيم توازناً عادلاً بين أصحاب الحق وبين المغتصبين، ويخرج بوش بانتصار وهمي؟!. هنا يكمن دور وأهمية المقاومة الفلسطينية وإحباط أحلامه الوردية، ولا تقتصر الرسالة على دور فصائل المقاومة المسلحة ومسؤوليتها، بل أيضا دور القيادات السياسية الوطنية التي يقع على عاتقها جزء كبير من المسؤولية، وأي تراجع مبدئي سُيحسب عليها، وبالتالي سُتجر لو تراخت، إلى مربع عباس، وتبقى القضية تدور في دائرة مغلقة، وهي دائرة افتراضية مخالفة لمجرى التاريخ.
|
| 7/1/2007 |
|