سكتنا.. وآن وقت الكلام

سوسن البرغوتي

إنه الشعب العربي المصري العظيم العملاق الذي فتح قلبه وصدره لاستقبال الفلسطينيين المحاصرين في قطاع غزة، هذا الشعب الذي ساند ودعم بكرمه وجوده صرخة المظلومين وأعطى قدر ما يستطيع من عون ونصرة للقضية الفلسطينية على مدى الصراع مع المشروع الصهيوني، ورفض حدود "سايكس بيكو" المصطنعة بين الأقطار العربية.

مصر هي المتنفس الطبيعي لشعب فلسطين المحاصر في القطاع ، اقتحموا حواجز الحدود، ودخلوا أرض الكنانة لأنهم يعشقون الحياة، ويريدون الحياة، ويعلنون احتجاجاً على قسوة الحصار..المدعوم "وللأسف" من بعض الأنظمة العربية، دخلوها آمنين، ولم يكونوا مسلحين كما صدر من مغرضين وموظفين الإعلام المصري الرسمي.

كنا نتمنى أن يعلن الوزير أحمد أبو الغيط كسر الحصار ورفع الحظر الجائر عن مليون ونصف مليون فلسطيني، لكنه أعلن وبالفم الملآن تهديده بكسر أرجل من يحاول عبور الحدود طلباً للحياة، وهو بذلك يعلن مشاركة النظام المصري في إبادة الشعب الفلسطيني تمشياً مع استراتيجية الكيان الصهيوني.

لقد سكتنا عن الفاصل الهزلي عندما خرج السياق السياسي المصري الرسمي التطبيعي مع "إسرائيل"، ليعلن "رفضه تجويع الفلسطينيين"، أما الحقيقة فهي تكمن في الأبعاد السياسية الحقيقية وراء السماح لهم بدخول مصر وبموافقة النظام السياسي المصري، وبضغط شعبي في مصر، والذي نقدره ونحترمه.

لقد وافق النظام في مصر بفتح المعبر مؤقتاً، لأسباب تبعد كل البعد عن التعاضد والمعنى الإنساني، خلافاً للتصريحات الرسمية، وتم فتح المعبر لتوجيه رسائل عديدة، أهمها:
الأولى ـ للإدارة الأمريكية، لتعليقها دفع المساعدات السنوية، والتي تقدر بمائة مليون دولار.
الثانية ـ موجهة لـ"إسرائيل" بضرورة رفع عدد القوات الأمنية على الحدود المصرية ـ الفلسطينية، وتسليحها بعدة متطورة، وطبعاً ليست موجهة لـ"إسرائيل".
ورداً على إهانة ليفني بشأن أداء مصر فيما يخص تهريب الأسلحة إلى غزة، فقد حذر الوزير أبو الغيط "إسرائيل" في تصريح له لوكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية في 31 ديسمبر 2007 (إن بإمكان القاهرة أن تستعمل نفوذها الدبلوماسي ضد إسرائيل، التي قال إنها تحاول الإضرار بعلاقات مصر مع واشنطن، وأضاف أنهم إذا استمروا في الدفع (الضغط) ومحاولة التأثير على علاقات مصر بالولايات المتحدة وإلحاق الضرر بالمصالح المصرية بالتأكيد سوف ترد مصر عليهم وستحاول أن تضر بمصالحهم)، وجاء الرد بفتح المعبر مؤقتاً. أما من دفع فاتورة إعادة النظر في العلاقات المصرية ـ "الإسرائيلية"، والمعونة الأمريكية، فهو الشعب الفلسطيني.
الثالثة ـ إثبات أن دور النظام المصري الريادي في الشأن الفلسطيني، لا يمكن لأحد تجاوزه، وأن أي حل لا بد أن يمر من خلال موافقته، تحديداً فيما يخص القطاع.
الرابعة ـ بناء جدار حدودي لسد الثغرات، التي تمنع تزويد المقاومين بالأسلحة "حسب زعم النظام في مصر و"إسرائيل" والسلطة الفلسطينية".
في حين أن الرسالة الرابعة، إهانة لمصر ولشعبها العربي والمسلم، بإقامة جدر عازلة، وهذه نزعة ليست من صفات المسلمين والعرب، والجدار بطبيعة الحال لتضييق الخناق أكثر على الشعب الفلسطيني، ليحاصر من جميع الجهات، ناهيك عن الجو المباح للطيران "الإسرائيلي".

لم يستطع النظام المصري أن يكمل المشهد الشكلي، ولم تتحكم الأقلام والأصوات المنددة بالمستعمرين الجدد القادمين من غزة بضبط النفس، وعار علينا جميعاً، ما تصدره هذه الأبواق. لكن أخطر ما في الأمر، زرع بذور الشقاق بين أخوة الدم والمصير، فلطالما قدم المصريون شهداء على أرض فلسطين،
وسجون تغص بمعتقلين لمناصرتهم قضية العرب وقضية شعب فلسطين. لن ننسى المناضل الشريف البسيط محمد خلف، الشرطي الذي رفض حراسة السفارة "الإسرائيلية"، ولن ننسى لاعب كرة القدم محمد أبو تريكة، وهما أنموذجان يمثلان روح هذا الشعب العظيم المعطاء.

إن النظام المصري يحاول أن يقدم صورة مشوهة عن شعب القطاع، ويجعل من بعض الممارسات الفردية المرفوضة فلسطينياً وسيلة ليقول: انظروا.. هذا هو الشعب الذي تدافعون عنه، يجتاح الحدود لاحتلال سيناء، ليشكل خطراً على أمننا الوطني!!!.
ألا عجب العجاب كيف انقلب المفهوم الوطني والحرص على الحدود من العرب الفلسطينيين، وهي المباحة ليلاً نهاراً "للإسرائيليين"، لكنها تُقفل في وجه من استنجد بنخوة أهله.

كسرنا أقلامنا حرصاً منا أن تبقى صورة التلاحم الشعبي حيّة ومشرقة، وليكن على ثقة كل من أجج مشاعر الغضب والاستياء بين الشعبين، أن أهل غزة لن يبدلوا نارها بأي جنّة في العالم، فهل نسيتم قول الشاعر:
 

هب جنّة الخلد اليمن

لا شيء يعدل الوطن

نقبّل الأرض تحت نعالهم، ليبقوا مرابطين صابرين.. قابضين على جمر الصمود، يحتملون شتى العذابات اليومية، لكي لا تُفتح الأبواب على مصاريعها للتوسع "الإسرائيلي"، وكي لا تصبح جبهة سيناء مكشوفة، وهذا حماية للأمن المصري، وما يقومون به يشكل خط دفاع لمصر، وليس العكس.

أما الصواريخ "الكرتونية" أو "الكاريكاتورية" كما يحلو لهم السخرية منها، نحن نراها أقوى من كل المخزون من الأسلحة في المستودعات في كل الدول العربية مجتمعة، إنها صواريخ تُصنع بتقنية متواضعة محلية، لتواجه وتُستخدم ضد محتل، لا لتتراكم ولا لتصدأ، وثمنها "أتاوات" لأمريكا العظمى. فما رأيك يا سيادة الوزير "خبير التكسير" في مقاومة شعبية لم تكن يوماً جيشاً منظماً يتبع دولة، فلم تقم أي صفة لدولة بعد على الأرض الفلسطينية، أن يصنع المقاومون سلاحاً نووياً؟!.
 

وكم صدق الشاعر حين قال:

كسروا الأقلام هل تكسيرها             يمنع الألسن أن تنطق جهرا

اقطعوا الألسن هل تقطيعها            يمنع الأنفاس أن تخرج زفرا

اكتموا الأنفاس هذا جهدكم               وبه منجاتنا منكم.. فشكرا

 

10/2/2008

 

صلونا

مداخلات   |

بوح وجداني  |

مقالات    |

روح وظـل  |

أهلاً وسهلاً  |