"أبو شريف" والسقوط إلى القاع

سوسن البرغوتي

يعود بسام أبو شريف باندفاع أكثر إلى دائرة الحراك السياسي، وكان قد ابتعد وغاب عن ساحته، ليبحث من جديد عن آفاق أخرى غير الشراكة مع "الإسرائيلي"، وهو بذلك يناقض ما صرح به سابقاً حول تورط بعض المقربين من عرفات بتنفيذ اغتياله، وأن كشفه عن أسماء المتورطين، سيعلن عنه في الوقت المناسب. هذا ما كان منه، وما صرّح به سابقاً عبر وسائل الإعلام أكثر من مرّة!.

 أما الآن وبعودته إلى الظهور سياسياً بعد غياب، يتراجع عن أقواله، وقد ذكر في آخر حوار له مع "المشاهد السياسي" أن الشين بيت والموساد قررا اغتيال عرفات، وبعرض أشبه بمسرحيات الإثارة يصوّر أبو شريف كيف دُس السم للرئيس عرفات من قبلهم مباشرة دون واسطة مقربة من الرئيس، وإن دل هذا التلوّن في التصريحات على شيء، فإنما يدل على مزاجية السيد المستشار، وهبوط سقف مصداقيته.

إن التحليق في الفضاء وفي عالم الخيال والإثارة، سمة من سمات المبدعين الخياليين أو "فبركات" الصحفيين وليس السياسيين المخضرمين، وهو يحاول أن يكشف عن نوايا "إسرائيل" غير الجادة بموضوع المفاوضات، وكأنه يأتي بمعلومة غريبة أو مغيّبة، وهي في الحقيقة معلومة بات يعرفها حتى من يقيم في القطب الشمالي. وكأنه انتزع من فم صاحبه تصريحاً خطيراً!. فيقول إن بيرس تفاجأ من جديّة عرفات في موضوع الدولة الفلسطينية!.

محاولة أخرى للقفز السريع من خلال أخطر الملفات الداخلية الفلسطينية الملغومة، عبر حديثه عن معلومات حول من قتل الرئيس عرفات.
يكشف لأول مرة، أن سلطة أوسلو "حسب الرؤية الإسرائيلية" مجرد سلطة إدارة محلية، وبمعنى آخر، تخلص الاحتلال وتعفيه من أعباء تسيير الأمور الحياتية اليومية، وتبقى السلطة بكل الأحوال تابعة للمركز في تل أبيب، وكأن دور سلطة أوسلو لم يكن غير ذلك، وهو دور متفق عليه، منوهاً إلى أن هناك توجه "إسرائيلي" بعودة الضفة للأردن.

يقول المستشار أن "الاسرائليين" راهنوا في السابق على الشعب الفلسطيني، الذي لن يبقى ملتفّاً حول زعيمه في ظلّ الوضع الاقتصادي الخانق. لكن الخزينة الفلسطينية بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة فرغت فجأة، واكتشف عباس الوضع الاقتصادي المتأزم في حين أن الأموال، والكل يعلم ذلك، كانت تتدفق على السلطة من الدول العربية والغربية، وهي في حقيقة الأمر أموال لمساعدة "إسرائيل" وليس للشعب الفلسطيني ولا للسلطة المحلية، اللهم لبناء المعتقلات، وإفساد ذمم المرتزقة، وثراء البلاط المحيط بالرئاسة، وتغذية الفتن الحزبية بين أبناء الشعب الواحد.

ينتقل أبو شريف إلى الحديث عن الكاريزما الوطنية للرئيس عرفات، وأن الشعب بقي متماسكاً في عهده، وعلى قدرته في حل أي إشكال يقع بين الفصائل.. ولكن ماذا عن الاقتتال الداخلي في تنظيم  فتح في بيروت، والاغتيالات داخل الحركة، وماذا عن الاقتتال بين دحلان وموسى عرفات في عهد الرئيس عرفات؟، فجميعها لم تلق أي اهتمام ولا أي توضيح من السيد أبو شريف.

إن هذا الحال كما يصوره أبو شريف بأنه غير متأصّل في التنظيم، بل بسبب عدم وجود قائد حقيقي يلتف الشعب حوله، ويهاجم بشكل غير مباشر عباس نفسه. يقول إن الخلافات الفلسطينية ـ الفلسطينية، مصلحة "إسرائيلية"، نعم هذا صحيح، ولكن من الذي خرج عن سرب المصلحة الوطنية ونفذ خطة دايتون الفاشلة لتكريس الانقسام، ومن فرّ إلى الضفة وكرّ منها لمحاصرة الشعب على مقولة نبذ "العنف" وضرورة الاعتراف بـ "إسرائيل"؟، وهذا ما صرح به نبيل عمرو علناً كشروط لعودة الحوار مع حماس.
ومن الذي انقسم وانقلب، وعلى مَن؟، هل تقع المسؤولية على من تمسّك بالمقاومة والثوابت الفلسطينية الحقيقية "غير المطاطية" أو المعدلة، أم من ينسق مع العدو أمنياً لتقويض بقية الثوابت واعتبار نضال الشعب الفلسطيني "إرهابا"!؟. ثم يدعو ويحرّض العدو للعمل على القضاء على ذلك "الإرهاب" الفلسطيني المُحارب دولياً، بحجة وجود القاعدة في غزة!..
وبناء على تصريحاتهم فليس للقاعدة أي وجود في الضفّة، ورغم ذلك تجري يومياً ملاحقة وقتل واعتقال رجال المقاومة في الضفة، فهل هم من القاعدة والضفة تحت جناح ورعاية واحتلال "إسرائيل"؟!.

أبو شريف يواصل تبرير أسباب وتبعات الفشل في تحقيق خطوات أخرى أُتفق عليها في أوسلو، وأن المحتل لم يكن جاداً في مسألة السلام المزعوم، فهل كان هذا الشكل الفريد الإحلالي الاحتلالي يمنح هبة مجانية لأصحاب الحق ولو جزءاً من حقهم المغتصب في يوم من الأيام؟.

رغم موت اتفاقية أوسلو، واستبدالها من قبل "الإسرائيليين" بخارطة الطريق، إلا أن طاقم أوسلو، وهو على رأسهم، ما زال يؤمن بجدوى تلك الاتفاقيات، وقد لا يذكر أنه في عهد السلطة الفلسطينية (الميمون)، بُني الجدار وتوسعت المستوطنات وهُوّدت القدس، وقُوّضت أساسات الحرم المقدسي وأوشك على الانهيار!. طبعاً جرى كل ذلك بخطوات سريعة بعد أنابلوس للقضاء على المقاومة، والالتفاف على حق العودة بالتوطين والتعويض، وللقدس رب يحميه...

يقول أبو شريف (الإسرائيليون شرعوا في التقاعس عن التنفيذ، وصاروا يخلقون لنا مشاكل، وفهم ياسر عرفات أن الطرف الإسرائيلي يريد أن يتملّص من موضوع السلام، وموضوع الدولتين، فبدأ يخطط للانتفاضة الثانية، وأنا في رأيي أن الانتفاضة الثانية بدأت ناجحة جداً، لولا سوء التصرّف الذي قام به بعض الأشخاص، عن حسن نيّة أو سوء نيّة). ويلقي أسباب فشلها على مروان البرغوثي والمسلحين من حرسه، فهل يمكن لمروان أن يحبط انتفاضة خطط لها قائده وهو أكثر المقربين إليه؟. وكأن مروان كان رائد "ثقافة الاستقصاف"، يستدرج العدو بـ"الطخطخة" والاستعراض، ليقول لهم اضربونا حسب رأي وقناعة السيد المستشار.
إذن فإن هذه الثقافة ليست من خيال د.جمال نزال، بل هي تستحق أن تسجل كبراءة اختراع ترجع لمروان وليس للمسؤول الإعلامي في فتح!.
وهكذا أُجهضت الانتفاضة الثانية بتحويلها من سلمية إلى عسكر وحرمية، وأُعيد احتلال مناطق، انسحبت منها القوات "الإسرائيلية"، وهذا يعني إذا مضينا بالتفسير إما أنه تم بالتنسيق مع مروان، وبتواطئ عالمي، أو أن أبو شريف نفسه ورهانه على إدارة بوش هو آخر الفرسان، بعد اغتيال الأول واعتقال الثاني، وبتحقيق حلم بوش على ما يبدو أنه الحل الأمثل لتصفية القضية الفلسطينية، المتمثلة في حل الدولتين، وأن الفرسان الثلاثة، كانوا يتطلعون إلى مشروع الدولتين، وليس لمشروع التحرير الوطني، طبعاً على اعتبار أن "الإسرائيليين" أغبياء، وأن انتزاع جزء من براثن الاحتلال سيليه انتزاع آخر على قاعدة "خذ وطالب"!...

بعد خلو وفاض المستشار، ورغم أنه ألقى أسلحته الوطنية كعضو  في جمعية "السلام الدولية" والتي يديرها شمعون بيرس، والممولة أوربياً، مما يدل على أنه مُطبّع بامتياز، ومتعاون مع  رئيس الكيان الصهيوني من أجل أوهام وأحلام الضعفاء فقط. وحسب قوله، الجنود "الإسرائيليون" دفعوا بكولن باول الخارج من زيارة الرئيس المحاصر في المقاطعة، وقالوا له: " هل جئت تنقذ عدوّنا عرفات؟"، وكذلك فعلوا بشيراك بعد ذلك. ما هكذا أيها السيد المستشار يكون الوفاء لرئيس اغتالوه كعدو، وأنت تجاهر بأنك عضو في جمعية سلام، وكأنها لا تنتمي لفكر ولا لخطط المحتل!.

المدهش الصاعق، أن أبا شريف يعتقد أن خطة التخلص من عرفات وشارون في آن معاً جرى التخطيط لها من قبل موفاز للقضاء نهائياً على اتفاقية أوسلو، ومع ذلك فإن المفاوض الجهبذ عريقات ورئيسه عباس وطاقمه، ما زالوا يتعلقون بحبال السراب، وموافقتهم الرقص على رقعة خارطة الطريق لاستكمال تطبيق اتفاقيات من طرف واحد، ولصالح طرف واحد هو الأبعد عن مصالح الفلسطينيين.

إن تصريح السيد المستشار البعيد على ما يبدو عن مشهد الأحداث، أقلّها دعم بوش "للإسرائيليين" وموافقته على القتل الجماعي للفلسطينيين، وتأييده المطلق للمجازر والتدمير والاعتقالات والاغتيالات، وشطب حقوق الفلسطينيين، يضع السيد المستشار في موقع السقوط إلى القاع، ويراهن بناءً على هذه النظرية الوهمية على أن أمريكا تحكم الجميع، في حين أنه ذكر في الحوار نفسه، إعطاء "الإسرائيليون" وعداً لأمريكا، أن لا تتم تصفية عرفات جسدياً!. هل ترانا نتابع مشاهد شريط سينمائي خياليّ مضحك، أم هو عين الاستغفال لعقلية الفلسطيني وكل من تابع حوار السيد المستشار؟!.

المراهنة هذه المرة ليست مقامرة بتصديق أوهام سلام من قبل المحتل، بل جنون  بطل الرواية بالارتماء في أحضان أمريكا. ومن الغريب أن السيد أبو شريف يستبعد سطوة اللوبي الصهيوني في أمريكا، ويتجاهل تدخله في أدق تفاصيل السياسة الأمريكية، والعالم كله يدرك أن اللوبي الصهيوني في أمريكا هو من يوافق على أي مرشح للرئاسة في أمريكا العظمى، بعد أن يقدم فروض الطاعة والولاء للمافيا الصهيونية العالمية، ناهيك عن سيطرتها على الاقتصاد والإعلام العالمي.

أمريكا و"إسرائيل" ليسا ولم يكونا خصمين أو متنازعين على مناطق نفوذ، إنما لاعبان أساسيان منسجمان في منظومة الاستعمار الجديد. فمن قال وصدق أن بوش بصدد دعم فكرة الدولة الفلسطينية وإقامتها قبل نهاية العام 2008 إلا الواهمين، أو الذين لا يقرؤون الأحداث بدقة...

لقد جاء بوش إلى المنطقة ليجمع الأموال في حملة حزبه الانتخابية من أجل أن يفوز برنامجه، وهرولت العرب "المعتدلة" لعقد صفقات شراء أسلحة من المستودعات الأمريكية، وقدّموا له هبات تقديرية لجهوده في تدمير العراق كدولة، وأنتزع منهم راضين قرار عدم رفع الحصار عن غزة، وتقديم صكوك براءة من المقاومتين اللبنانية والفلسطينية، والضغط على سوريا للتخلي عن موقفها الصلب في استضافة "الإرهابيين" الفلسطينيين على أراضيها، ووقف دعم حزب الله في دفاعه عن أرض لبنان مستقل وصاحب سيادة من جهة أخرى، وإلا كيف يمكن أن نفسّر تصعيد المجازر "الإسرائيلية" ضد أهل القطاع، ووصول مدمرات أمريكية إلى قبالة سواحل لبنان، ومحاولة هروب بوش من فشل التحكم باحتلال العراق!؟.

من لا يستطيع أن يقرأ بوضوح مجريات التخطيط للقضاء على إرادة المقاومة لدى الشعب العربي عامّة، لا يحق له أن يضع تفسيرات تصب في مصلحة الأعداء، ولا يحق له الانتماء إلى صفوف القوى الحية المطالبة بحقوقها وثوابتها، بل هو الأقرب إلى السقوط إلى قاع الانحطاط.

للإطلاع على فصل آخر والقفز هذه المرة إلى القاع الأمريكي...

http://www.almushahidassiyasi.com/ar/4/5450

 

18/3/2008

 

صلونا

مداخلات   |

بوح وجداني  |

مقالات    |

روح وظـل  |

أهلاً وسهلاً  |