عقيدة الحرب ومزاعم السلام

سوسن البرغوتي

ليس من حق أي كائن على وجه الأرض أن يحدد مصير الشعب الفلسطيني، أو يثنيه عن مواصلة نضاله لاسترجاع حقوقه الكاملة، وهذا ينسحب أيضاً على السيد بوش، فهو في البحث عن مخرج أو قشّة إنقاذ يداري بها خيبته وهزائمه المتتالية في العراق، وليسترجع هيبة المؤسسة العسكرية "الإسرائيلية" التي انهارت في وحل جنوب لبنان، يحاول أن يضع تصوراً ورؤىً شيطانية لتصفية القضية الفلسطينية، ويقايضهم بـ "دويلة" مسخ يضع رتوش ملامحها بالتعاون مع عباس، فلا التوطين ولا التعويض بالمال القذر يمكن أن يغسل تلال من آثام وجرائم عانى منها شعب فلسطين، ولا يمكن أن يغير وجه الكيان الصهيوني الاستيطاني والاستعماري.

لقد فبركت المخابرات الأمريكية أكذوبة امتلاك دولة العراق سلاح دمار شامل، وبعد سنوات من احتلال العراق والتدمير والقتل الجماعي، عادوا ليعترفوا بسوء وكذب تقارير مخابراتهم، وها هو الآن بوش وإدارته، يعيدون العزف على ذات الوتر، يقولون بأنه تم الكشف عن مفاعل نووي في سورية، والغارة "الإسرائيلية" كانت لغاية تدمير المنشأة!. ترى هل يمكن لأحد أن يصدق بأن الأمر جرى هكذا ببساطة متناهية، ودون وجود حماية دفاعية إن وُجد المفاعل، أم أنهم يواصلون ممارسة استغباء العالم؟.

إن ما يجري وما تخطط له الإدارة الأمريكية إيجاد طريقة لخروج القوات الأمريكية الهمجية من العراق بقليل من حفظ ماء الوجه، بعقد اتفاقيات نفطية طويلة الأمد، وبقاء قواعد عسكرية جاهزة للتأديب.. وأن الضغط على سورية، والتدمير السياسي والواقعي الجاري في لبنان، وكل العبث والفوضى التي تجري في العالم بفعل سياسة أمريكا تصب في مصلحة الكيان الصهيوني.
ادعاء "اسرائيل" إحياء عملية السلام مع سورية، تاركين للوسيط التركي وكارتر نقل رسائل تطبيعية بامتياز وبشروط "إسرائيلية"، ولقاء عباس في عقر دار بوش وكر المؤامرات، ما هي إلا أحداث متزامنة، للقبول بالعصا الأمريكية ـ الصهيونية، أو التلويح بتدمير لبنان، ومهاجمة سوريا، وإلا كيف نفهم توقيت رسالة الظواهري للاستعداد لحرب مواجهة جهادية طويلة في لبنان!..
حتى هذه اللحظة لا يمكن استيعاب وتفهم رسالة كهذه تظهر في هذا الوقت تحديداً، إلا أن هناك ضربة متوقعة على معاقل حزب الله، والقضاء نهائياً على تحصينات المقاومة الفلسطينية في لبنان، ومحاصرتها في سوريا، وطرد قادتها من دمشق، على أنهم "إرهابيين"، والشروع في تفعيل الفوضى المدمرة في لبنان، على غرار ما حدث ويحدث بالعراق.
فأي سلام هذا الذي يتحدثون عنه، والمناورات والاستعدادات الحربية "الاسرائلية" جارية على قدم وساق، ولماذا يرسل بوش المدمرة الأمريكية إلى قبالة السواحل اللبنانية، وأي أكاذيب يحاولون تصديرها بإمكانية تحقيق السلام مع الفلسطينيين؟، في الوقت الذي ما يزال الاحتلال يقتل ويغتال ويضيق الخناق على القطاع والضفة.

"إسرائيل" لا تسعى ولا يعنيها السلام، وهي كالحرباء تغير جلدها في كل وقت للتطبيع مع العرب بناء على عقدة التفوق العسكري الذي انهار بعد هزيمته في جنوب لبنان، وبناء على ضعف الأنظمة وتدجين الجيوش العربية، ولّي أذرع الأنظمة العربية بحصار غزة الذي فاق احتمال المُهل الممنوحة من أجل تهدئة شاملة ومتبادلة، متزامناً مع صمت عربي مقرف ومشين.

لا زالت "إسرائيل" تراهن على عامل الوقت، بالمناورات و"التدليس" بما  يُسمى المفاوضات، ولكنه لن يخدمها هذه المرة. فرسالة أولمرت إلى سورية، هي استمرار الضحك على عباس الواهم والغارق في أحلام اليقظة، بأن هناك مباحثات جدية للسلام مع سوريا، في حين أن شروط "إسرائيل" لإعادة فتح المفاوضات مع سورية تسعى إلى تحقيق عدة نقاط، أهمها:

ـ سلب هوية صمود سورية كآخر قلعة ممانعة عربية، إذ لم يعد هناك أي نظام عربي آخر يُعتمد عليه لكبح جماح شهوة الدمار والسيطرة، وتعزيز سياسة التحكم.

ـ أن تتخلى سورية عن دعم حماس وحزب الله، كمنظمتين "إرهابيتين" حسب الرؤية التوسعية لـ "إسرائيل" وما يُسمى بالشرعية الدولية، مقابل تبرئة سوريا من دم الحريري، ولهذا يتم استمرار تأجيل التحقيق في قضية الاغتيال، بالتلاعب بملفات القضية، وليس على أساس البحث عن حقائق.

ـ القبول بفتح سفارة سورية في العراق، وكأن العراق بوضعه الحالي ينعم بالاستقلال وصاحب سيادة على أرضه، وكأن السفارات العربية ستضمن إحلال الأمن أو خروج المحتل من العراق!.

ـ فك التحالف السوري الإيراني، وهذا تدخل مباشر في علاقات خارجية للدولة السورية وانتقاص من سيادتها.

ـ حشد دعم دولي للاحتفال رسمياً بمناسبة تأسيس (دولة إسرائيل) في عامها الستين وما يقابله نكبة فلسطينية، تشارك فيه معظم الدول العربية "المعتدلة" وهذا يؤكد  أن "إسرائيل" دولة مجاورة ومشاركة في صنع خارطة سياسية للوطن العربي.

فكارتر من الرئاسة للوساطة، لا يخرج عن إطار تهيئة الأجواء لاحتفالات الصهاينة بكيانهم، وإعلان رسمي بأنها دولة، وبصرف النظر عن التسميات كانت يهودية أو عبرية، وإلى آخر مصطلحات برتوكولات آل صهيون، إلا أنها تبقى في إطار واحد، للانخراط في خارطة "الشرق الأوسط الجديد" كدولة، وتمزيق خارطة سايكس بيكو، المرفوضة من بن غوريون نفسه.

أثناء هذه المرحلة المضللة، تقوى الجبهة "الإسرائيلية" الداخلية، وتعيد بناء مؤسستها العسكرية، وتنظم السياسة الداخلية والخارجية لحشد الرأي العام العالمي، لجولة حرب جديدة. وهذا لا يعني أن الحرب ستقوم غداً، ولكنها حاضرة في حال فشل المباحثات السياسية، وقد تستغرق شهوراً طويلة، ويبقى الوضع بين مد وتصعيد الضربات الموجهة للمقاومة، وجزر تخدير موضعي للشعب الفلسطيني الحالم بـ "دولة الـ67" عبر عملية المفاوضات المتعثرة دائماً!. فمن أين سقط وحي السلام على الصهاينة؟، وكلنا يعلم أن تاريخ الصهيونية يؤمن بالحرب لا بالسلام، ولا يمكن أن تتنازل العقيدة الصهيونية عن عدائها للفلسطينيين والعرب.

ما يجب بحثه من خلال تلك التحركات ونشاطات "السلام" المزعوم، أبعاد ما ترمي إليه "إسرائيل" وإدارة الشيطان الأكبر بالعالم،  إذ لا ينبغي أن نرى وهج نور مخادع دون أن نبحث عن ما لا نراه، فهل يمكن أن نصدق بأن "إسرائيل" القائمة على مبدأ احتلال وقتل وتدمير وتشريد، أن تتخلى أو تتراجع عن استراتيجيتها المعروفة للعالم أجمع، وهل يمكن أن ينقلب بوش قاتل أكثر من مليون ونصف عراقي إلى حملٍ وديعٍ بادعائه السعي لتحقيق الاستقرار في الوطن العربي؟.
إن السياسة التي ينتهجها بوش وحلفاءه تسعى لتوسيع رقعة الدمار، وإلى زيادة نسبة الشعوب العربية المنكوبة، فهل يمكن أن ننسى رسائل أطفال الصهاينة التي كتبوها ورسموها على الأسلحة الأمريكية المرسلة لقتل أطفال لبنان، وهل يمكن أن نوّلي وجوهنا عن ما يحدث في غزة، وملاحقة الصهاينة لمؤسسات الأيتام الخيرية في الضفة وإغلاقها وتدمير منازل لأسر فلسطينية وتشريد أطفالها، وهل يمكن أن نتجاهل قتل المدنيين من أطفال وشيوخ ونساء في العراق؟!..
نحن لم ولن ننسى، ولكن هناك من يخطط ويعمل على مسح الوعي وقتل ذاكرتنا، فهل نستكين؟!.

 

26/4/2008

 

صلونا

مداخلات   |

بوح وجداني  |

مقالات    |

روح وظـل  |

أهلاً وسهلاً  |