|
السلبية الفكرية |
|
سوسن البرغوتي العنوان ليس بجديد، ولا مفردة مستوردة من لغات أخرى كما أنه ليس شظية نيزك أتى من مجاهل الفضاء الخارجي، إلا أن اختلاط التيه مع القهر، يولد معنى يدلل على شعور يمتزج فيه الضياع مع القرف والاشمئزاز من أقنعة سقطت، وبان المستور وتأكد المكشوف، الوجه الحقيقي للاسترزاق والتدجين. هذه المشاعر أيضا ليست بمستحدثة، إلا أن المرعب والمثير للغثيان، اعتلاء السلبية الفكرية المنابر وقمع الحناجر العالية، لإثبات نظرية الخداع الذاتي، بأن العالم سيكف عن الدوران لو توقف برهة تألق نجم بعينه.
تراجعت القضية لتحتل الورقة المالية المركز الأول، بعد أن استباحوا نخوة الكلمة، فرفعنا الحرف سيفاً، أرادوها حروفاً من صدأ تآكل حديدها ونارها وكتبوا شعارهم الجديد "كم تدفع.. لكي أناضل بسيفك ولو كان خشبيا"!. ويل لشعبٍ صغار الأكتاف يتولون مهمة التسفيه والتحقير، وويل لقضية آخر هم مفكريها إنقاذها من التهاوي في أحضان بطاقات مدفوعة الأجر مسبقا، ومن يتصدر المحافل والجاهز لكل مناسبة ولكل مقام مقاله حسب الطلب، هو المبدع المعطاء. أما الآخر الذي يعمل بصمت لا يرجو جزاء ولا شكوراُ، الزائد والعالة على أصحاب النظارة السوداء، حتى لا يظهر سوءاتهم ولا تعريهم أفعالهم، والمنافسة عندهم أن يلغوا بكل ما أتوا من قوة، وجود الآخر ورأيه ودوره. لا تلتقي بأي منهم إلا ويستخف بالآخر، وأناته المحظية المكتسبة تلغي سيبويه متصدراً عرش من ظلال لكي يخلفه، متجاهلاً أن البحر يتجدد بالموج لافظاً مخلفات كانت كائنات حية ولها وظيفتها في زمن انقضى وولّى جراء الصخب والضجيج المفتعل. أما المخلص الحقيقي انزوى وأرهقته ترهات وهرطقات أقزام لم يرتفعوا فوق سطح الانفجارات الكلامية قيد أنملة!. أضاعوا القيم الجمالية العظيمة التي وهبها الله لعباده، ولولاها لمَا استمرت الحياة وأضاءت الوطن المظلم بالأمل والعطاء دون مقابل، ومنحت للمسيرة الدفع القوي للأمام، فالمصداقية والإخلاص والحب والوفاء للانتماء كلها تبني الهوية الوطنية للإنسان وليس المشروع التجاري على حسابه.
أنات الجراح تشهد على ملامح التعب لغرباء يرفضون عوالم السباحة في تضخيم الأنا وصناعة المجد الدائر في ملكوت الشِّللية ومجالس الانعزاليين عن مفهوم العمل الجماعي اليقظ والنشط والإيجابي..
لا يكفي أن ننزع الحجاب المنمق والمزركش عن وجوه شاهت، ولا يكفي أن نطلق زفراتنا المعبئة ببخار ضبابية المواقف، فالأهم اكتشاف الكذب البراق الواهي، وبكل موسم تسقط الأوراق، وتبقى الجذور الأصيلة في منبت صالح لا يشوبها الاسترزاق ولا تضعف من صلابة عودها، نفوس مستعبدة.. لكم ما تشاؤون، ودورة الحياة مستمرة، لتأتي بقوم ودم جديد أنقى وأصفى، يميز بين من صنع الأحداث، ويفرز من سخرها لمكاسب شخصية، فالعيون ترى والآذان تسمع والصغير يكبر ويتعظ من تجارب من مروا ورحلوا، ويعلو الغثاء وينتشر الزبد عالياً ثم يتلاشى. تباًً لكم جميعاً معشر من ترون بالآخر عدواً يكشف أوراقاً اختبأت وراءها زور النوايا، ويسقطكم من قافلة العبور، طالما بقيتم أنتم النخبة المزعومة، فتنتهون من حيث يبدأ النضال الحقيقي لا قشرة ثورة يتذرع بها صغار الأكتاف أمام فداحة الفضيحة. الله أكبر على من رسم مواضع الكلمات، وعلى من حارب بسيف وقصائد عنترة طائرات تقتل الأطفال وتذبحنا من الوريد إلى الوريد بذرائع لا تنتهي.. وعلى من يرى نصف الكأس فارغة جوفاء، ويظن أننا بلغنا المراد!. دعونا من أساطير لم تعد تجدي نفعاً، ولم تعد تبل العروق وتذهب بظمأ من ينتظرنا، هناك على السفوح والجبال المنسية في قواميس المفردات الهجينة، فلتصلهم رسالة الحق والحقيقة، أن الأرض لمن يقاتل من أجلها، لا من أجل من يرسمها بحروف وخطوط ويبعثر أوراقه في عالم أثيري، ولسان حاله يقول إنا ننتظر أن تنقظونا من شر أنفسنا، وتحيوا فينا صحوة ضمير!.
صوت يلملم أشلاء أحزانه، يجمع حطام الركام من جلال التضحيات، وفي حضرة معنى الفداء بالعمل لا بالمراثي والتباكي على أطلال أنصاب وأزلام متحف الظل العالي. |
|
12/8/2008 |