جيش الإنقاذ العربي.. مرة أخرى!

سوسن البرغوتي

يشجع النظام المصري ويقترح إرسال قوات عربية إلى القطاع، بادعاء إنقاذ غزة من الاعتداءات "الإسرائيلية"، فهل ذلك الادعاء حقيقياً أم أنه يدعو لإرسال قوات عربية ومهمتها محددة، لمراقبة معاقل المقاومة، وتدجين الشعب الفلسطيني ووضعه أمام أمر واقع لا خلاص منه؟.

الواضح من خلال تصريحات عديدة، ومن ضمنها تصريح السيد أحمد أبو الغيط: (إن وجود قوات عربية على الأرض يمكن أن يساعد على منع الاقتتال ووقف الصدام الإسرائيلي الفلسطيني، ويمكن أن يتيح للفلسطينيين إعادة بناء إمكانياتهم داخل القطاع وبشكل يحقق الوئام)، وهذا التصريح يدل على أن استقدام قوات عربية للقطاع ليس من أجل نصرة الشعب الفلسطيني ولا لحمايته، ولا من أجل فرض السيادة العربية على القطاع والتأكيد على تحريره، وإنما للمناداة بـ "التعايش السلمي" مع العدو، ولضرورة وجود قوة ثالثة، تعيد غزة إلى ما كانت عليه من فلتان أمني وسطوة سلطة حزب أوسلو.

إن ملامح توافقية عربية – "إسرائيلية" مع ما تضمره سلطة عباس، من ضرورة عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الحسم العسكري، حتى تتمكن الأجهزة الأمنية من ضبط المقاومة المسلحة وملاحقتها، تماماً كما يحدث في الضفة الغربية المحتلة الآن.
بعد عجز "الشريكان" عن العودة بالقوة وعلى ظهر دبابات القوات "الإسرائيلية" إلى القطاع، يبدو الحل البديل في ظاهره للإمساك بالعصا من المنتصف.. فتواجد قوات عربية على الأرض الفلسطينية تحتمل  تفسيرات كثيرة، فإما أن القطاع قد تحرر بالكامل، ويملك القدرة على استخدام حدوده بحرية مطلقة، وأن القوات العربية، قوة تساعد الشعب الفلسطيني وتسانده لمواجهة أي اعتداء متوقع عليه، وإما أنها جاءت لتنفيذ مخطط تقليم أظافر المقاومة، وضمان استمرار التهدئة، لتصبح هدنة بلا شروط ودون أجل محدد، أو أنها سُيوافق على مجيئها "إسرائيلياً"، لحماية أمن واستقرار المستوطنات الصهيونية المحيطة بالقطاع، والواقع يفرض ترجيح الاحتمالين الأخيرين، ولن تصوب رصاصة واحدة باتجاه "اسرائيل"، والتي تقيم الأنظمة العربية علاقات ود وحسن جوار مع الكيان الاستيطاني بشكل علني مباشر أو غير مباشر، لأهداف عدة منها:

ـ القبول بـ "إسرائيل" كدولة تشارك بقرارات تخص العرب، ولها القرار النهائي بالقبول أو الرفض.

ـ ضبط الأمور، حتى لا يمتد الغضب والسخط الشعبي على الأنظمة العربية، جراء الحصار الظالم، وبصمت الأنظمة المخزي.

ـ ظناً من هذه الأنظمة، ضمان تطبيق المبادرة العربية، أو لنكن أكثر دقة، المبايعة العربية الرسمية لـ"إسرائيل" بالتأكيد على شرعية الاحتلال، مقابل وعود سرابية، بإيجاد "دويلة" فلسطينية، كيفما اتفق.

ـ يتبع ذلك خطوات التنازل عن القدس وشطب حق عودة اللاجئين إلى ديارهم المحررة، حيث بدأت تتنامى حملات المطالبة بحق العودة، مع عدم الإصرار على التحرير الكامل، وأن العائدين قد يقبلون بالرجوع حتى بظل احتلال، وإن حدث المستحيل، فلن يعود اللاجئون إلى (دولة إسرائيل)، وسيلحق ذلك طرد أهل فلسطين الـ48. في حين أن هذه الضبابية وأزمة المصطلحات، تعطي لـ"إسرائيل" المجال للعب على وتر المفردات العائمة،أما التأكيد على العودة إلى القرى والمدن المحررة هي من الأسس ودعائم الحق الفلسطيني في أرضه وممتلكاته.

ـ تطمينات "إسرائيلية" في حال عودة سلطة عباس، أن عملية السلام المزعوم جاهزة للتفاوض، مع الانتباه إلى المفاوضات وضياع الوقت، دون تحقيق أي خطوة للأمام، إلا لصالح "إسرائيل"، وما كان مرفوضاً سابقاً، أصبح اليوم قابلاً للتنازل عنه!.

ـ القضاء على المقاومة نهائياً، وتدجين حماس كأكبر فصيل مقاوم، وتحويل الحركة إلى حزب سياسي، ولعل وصول السفينتين لكسر الحصار لغزة بنوايا حسنة من قبل المتضامنين، استخدمها الساسة "الإسرائيليون" ببراعة، بأن التهدئة  والمطالبة السلمية، الخيار الذي يناسب "سلام الشركاء"، والتضامن يرفض الاضطهاد والقمع واحتلال الضفة والقطاع، ولا يشمل كل فلسطين العربية ولا القدس كاملة، فهل نسينا أن القدس الغربية، قامت على أنقاض مدن وقرى فلسطينية، بعد مجازر ومذابح للسكان الأصليين، وعلى أشهاد الجيوش العربية؟.

ـ تهويد القدس وقضم أجزاء من الضفة بغفلة من فخامته ومن جهابذة المفاوضين الفلسطينيين!، فأي المناطق الفلسطينية بحاجة لقوات فصل بين العدو- الجار الشريك- وبين الضفة ومدينة القدس المحتلتين بالكامل، ولماذا القطاع، هل لفك الحصار، أم لتفكيك المقاومة المسلحة؟!.

ـ تحجيم وتقزيم القضية الفلسطينية، على أنها خلاف على السلطة وإدارة البلاد، وفلسطين محتلة من بحرها إلى نهرها، فبالكاد نقرأ أو نسمع عن قضية فلسطين كقضية سياسية، إنما أصبحت إنسانية تثير الشفقة والتوسل والتسول من البلاد المانحة، لبشر من دم ولحم يأبون "النسيان"، وقمع الفلسطينيين المتواجدين فقط على أراضي القطاع والضفة.

ـ إظهار للرأي العام العربي والعالمي، أن الخلاف بين حماس وفتح، هو عدم وضوح سياسة كل منهما، والحقيقة عدم توافقهما على برنامج يحقق ما تصبو إليه "إسرائيل" من تنسيق وتسوية وتهدئة الأوضاع، كي يضمن من خلاله الكيان، التخطيط لابتلاع قسم أكبر.. وهكذا دواليك.

مع ذلك ورغم كل ما سبق، فإن مبررات وجود هذه القوات الأليفة، لا بد لها من شروط، أهمها، إعلان "إسرائيل" بأن القطاع أرض فلسطينية محررة اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، ويحق لأهل القطاع استيراد وتصدير وتلقي المساعدات التنموية دون تدخل "إسرائيل"، والمعابر بأكملها يسيطر عليها الفلسطينيون، ولهم حرية التحرك دون قيد أو شرط، ودون تدخل قوات دولية ولا كاميرات مراقبة ولا ما يحزنون، وإن حكومة حماس شرعية، اختارها الشعب الفلسطيني، فلم تأتي بموافقة خارجية مفروضة بالقوة.أما لعبة الانتخابات المبكرة، فهي ليست أكثر من طرق التفافية لترحيل أزمات تتبع وتستمر، ولا تحل جذور المشكلة.

على هذا الأساس، فإن للمقاومة الحق ببناء جيش فلسطيني عربي، والقوات القادمة دورها مكمل لعملية بناء أول جزء محرر فلسطينياً، مع عدم الاعتراف بالعدو، وأن محميات الضفة، تعامل معاملة أراضي محتلة، بمعنى حل السلطة المحلية، وتتحمل "إسرائيل" كافة مسؤولياتها لتسيير الأمور الحياتية.

القضية الفلسطينية ليست بحجم وهم دولة الـ 67، وليست على مقاس حزب أوسلو وتجار الأوطان، وإن الخيار الفلسطيني الوحيد، الاستمرار بالمقاومة حتى التحرير، والشعب الذي قدم التضحيات لعقود من أجل مشروع تحرير وطني، قادر على التجديد وتطوير طاقاته النضالية، ولا أحد يذكر أن تحرير أي أراض محتلة بالعالم تم من خلال المفاوضات والميوعة في التأجيل والتخدير، ولذلك فإن السلاح وحده يبقى قرار الفصل.

عود على بدء، إن تجربة الفلسطينيين أليمة مع جيوش الإنقاذ العربية، والتي كانت ترفض قطعياً وجود عصابات الهاجانا، فما بالك أن هذه العصابات، أصبحت دولة معترف بها عربياً ودولياً، ولذلك نتساءل، ما هو موقع وموضع هذه الجيوش من الإعراب، ألم تشارك في التحالف الدولي باحتلال العراق وإحلال ديمقراطية مدمرة فيه؟، أم أن المأساة الفلسطينية والملهاة العراقية ما زالت ماثلة أمام أعيننا جميعاً..
 

1/9/2008
 

صلونا

مداخلات   |

بوح وجداني  |

مقالات    |

روح وظـل  |

أهلاً وسهلاً  |