|
الانقسام ظاهرة طبيعية |
|
سوسن البرغوتي في كل بلاد العالم، تتخذ المعارضة الوطنية موقفاً مغايرًا لسياسة السلطة الرسمية، وغالبًا ما تنجح في عرقلة قرارات لا تتفق مع المصلحة العليا للشعب، وهذه دون شك ظاهرة صحيّة، كما أن الحزب الحاكم في أي دولة ليس سيفًا مسلطًا على العباد، والتعددية السياسية، مخرج للتشاور والحوار الداخلي، لهدف الوصول لقرارات تنسجم مع متطلبات الدولة. في الشأن الفلسطيني، حيث لا دولة ولا سيادة على أي جزء من الأرض الفلسطينية، فإن المعارضة بالمعنى الواضح غائبة، ولو أن هناك بعض إشارات من هنا وهناك ومن داخل السلطة توحي بأنها معارضة بشكل أو بآخر، وأصوات خجولة من البعض برفض اتفاقية أوسلو، إلا أن تلك الأصوات وأصحابها بقوا أعضاء في منظمة التحرير التي غاب دورها بالكامل عندما أعلنت التخلي عن المشروع الوطني للتحرير، واعتبرت أي صوت رافض ينتمي بالضرورة إلى تيار معرقلٍ لمسيرة السلام المزعوم، يجب محاربته واجتثاثه والتعامل معه على أنه متمرد بإجماع رهط أوسلو المستفيدين من استمرار الفساد في الضفة على وجه الخصوص، مما أدى إلى انحراف وانقسام في داخل فصائل عديدة، بين رافض لحال معارضة تتأرجح بين الولاء للانتماء الحزبي الفصائلي وبين المكاسب، وهذا الانقسام هو الأخطر على القضية الفلسطينية، وليس المقاوم الرافض للمشروع صهيوني.. وفي هذه الحالة، يصبح المحتل هو المستفيد الأول. لكن ماذا إذا كان القائم بأعمال المحتل محليًا لا يراعي أدنى مصالح لشعبه، ولا يعير أي اهتمام لمشروع وطني موحد من أجل التحرير، وهذا البرنامج ليس في أجندته أساساً؟!. عراب أوسلو الغير نادم على توقيع الاتفاقية، أعلن اعترافه بالكيان الصهيوني، ونستطيع بعد خمسة عشر عامًا، أن نؤكد أنه إعلان استسلامي، مع إسقاط البند الأول من الثوابت وتغيير مسار الممثل الشرعي لكل الفلسطينيين، لعدة اعتبارات، أهمها: - إن الاعتراف بالكيان الغاصب لم يحقق أي مكاسب للشعب الفلسطيني سواء في الضفة أو في القطاع على وجه الخصوص، ولا بتسهيل مسيرة حياتهم اليومية وضمان أمن الفرد الفلسطيني، ولا أي تقدم على ما قيل عنه "سلام الشجعان". - الانقسام بدأ منذ توقيع الاتفاقية المشؤومة، ولم يكن منذ دخول حماس الانتخابات التشريعية الأخيرة، لكن مركزية وإقصاء سلطة فتح، اعتبرت ما حدث ويحدث، تحصيل حاصل لنتائج اتفاقيات تلت رأس الأفعى بأوسلو، وتتحمل مسؤولية كافة التداعيات على مستوى القضية الفلسطينية. وعندما أصبح هناك رقيبًا ومشاركًا في القرار السياسي، طار صوابهم وفقدت الأقنعة التحكم بالسلوكيات والتصريحات، وبات اللعب على المكشوف، دون خجل أو وجل، خاصة أن الأنظمة العربية تشجع على التطبيع الشامل، مقابل "دويلة الـ67"، وأن الاحتكام للشرعية الدولية، بإجلاء (دولة إسرائيل) عن مناطق اُتفق عليها برعاية أمريكية وعالمية وعربية رسمية، لإحلال ما يُسمى بـ"السلام العادل"، تتخللها المستوطنات، وتُستقطع منها أراض فلسطينية عربية، لحماية أمن تلك المسرطنات. - عدم انسحاب "إسرائيل" من المناطق المتفق عليها، وإعادة انتشار قوات الاحتلال في القطاع، لم يكن نتيجة الاتفاقات والتفاهمات الفلسطينية- "الإسرائيلية"، بقدر ما كان نتيجة للعمل المقاوم المسلح. أما في الضفة الغربية، فمتى شاء جيش الاحتلال، اقتحام أي مدينة أو قرية فلسطينية، فهي مستباحة بالكامل، وبالكاد نسمع صوتاً معارضًا واضحًا، على ملاحقة السلطة للمقاومين وإعدامهم بأجهزة القمع المحلية. - مراحل ما بعد الاتفاقيات، تُنفذ من حزب أوسلو، وتشمل القضاء على المقاومة، وملف اللاجئين ومدينة القدس. وطبعًا حتى لا تُدمر "إسرائيل"، يستحيل عودة خمسة ملايين لاجئ فلسطيني إلى ديارهم، تحت الحكم "الإسرائيلي"- حسب تصريحات الرئيس الأخيرة- ، فالخطة تقضي بالتعويض أو التوطين، أو بحل بديل لإلغاء فلسطين الداخل، كإبداء حسن نوايا، من أجل تمديد رئاسة فخامته، ولكن على ماذا فاوض أو سيفاوض؟، وقد تم تصفية القضية الفلسطينية برمتها، بإيهام شركائه أنه استطاع ضرب البنية التحتية للمقاومة، وأن الهدنة ونبذ "العنف" وسيلة المستسلمين، لغاية الحصول على دويلة الوهم، وقضية اللاجئين لم تعد العائق لقيام جمهورية محتلة على أرض فلسطين، وانهيار أساسات الحرم المقدسي، عملية وقت ليس أكثر. - تجميد وشلل عمل المجلس التشريعي، فأغلبية نوابه في المعتقلات "الإسرائيلية"، أو في الإقليم المتمرد على الطاعة والركوع، وما بقي منه، إما أصبح ظلاً لسيادته، وإما مخروس أو مطعون بوطنيته، بسبب المعونة المالية التي يمّن بها عليهم من بيت أبيه. إلى هنا وقد أكمل المسؤول الأول، دون انتخابه من كافة الشعب الفلسطيني بالداخل والخارج، مهمته على أكمل وجه، إلا أن السؤال الأهم والأخطر، ماذا بعد مرحلة عباس، والبقاء لله!؟. هذا مع العلم أن التدخلات العربية "المعتدلة"، تدعم بقاء التيار الموالي لـ"إسرائيل"، وعلى رأسها النظام المصري، لوجود علاقات ودية مع الجار الغاصب للأرض العربية، والسارق للغاز المصري، ولمخترق سيادة جمهورية مصر طولاً وعرضًا، والذي يلعب حاليًا دور الوسيط (العربي) الحيادي!. سلطة القائم بأعمال الاحتلال ملتزمة بقرارات الرباعية الدولية والشروط "الإسرائيلية" بعدم مشاركة أي تنظيم "إرهابي" في أي حكومة جديدة، وبطبيعة الحال لن يتم رفع الحصار المفروض على الفلسطينيين في قطاع غزة، إلا في حال التزام حماس بكل الاتفاقيات المبرمة مع "إسرائيل". ماذا بقي لخليفته أن يقوم به من مهام، ضمن تلك المعطيات؟، هل تحويل حماس وجميع الفصائل المقاومة، إلى أحزاب سياسية معارضة، تشجب وتستنكر فقط، وماذا ينتظر فلسطينيو الضفة الغربية.. الازدهار والنمو، وهم محاصرون جوًا وبرًا ومن وراء جدر؟!. الحلول القادمة كلها على حساب أهل المنافي والشتات والمخيمات الفلسطينية، وقد اتضح هذا فيما جرى في مخيم نهر البارد، ووعود لم يُنفذ منها شيء بإعادة بناء المخيم، وبخطة ثلاثية مسبوكة لأجل التعويض، فمن هو المخيم المرشح القادم للهدم؟... ولا نستثني مخيمات اللجوء في الضفة وغزة، وما أكثرها في الوطن المحتل، وهي أكثر ما تقلق هاجس الشركاء، وكأن ما تطلق على نفسها المعارضة، لا تدري ماذا يحدث على الأرض، وتكتفي بالمطالبة بالمصالحة الوطنية، مع علمهم المطلق، أن الرئاسة وكل ما يدور في فلكها، موظفًا رسميًا من الاحتلال. على أي حال، هذا هو مشروع التصفية النهائية، وتأخير التهدئة سيسرع في المضي قدمًا لتسريع تنفيذ المخطط، ليستلم من بعد عباس رئيسًا ليس لكل الفلسطينيين، وستقتصر رئاسته على المنقسمين أساسًا عن الإجماع الوطني، فهل يحق لفئة مسترزقة أن تتحكم بمصير غالبية الشعب الفلسطيني الرافض للخنوع، في الداخل أو الشتات، فمن المنقسم ومن المنقلب ومن يحق للشعب خلعه ونبذه من صفوفه ؟!. في هذه الحالة فالانقسام ظاهرة صحية وليست كما يصفها البعض، لتعميق الشرخ الفلسطيني، إنما طبيعية، وعدم الانسياق الكامل المتماهي مع المشروع الصهيوني، وتنبئ عن أن الشعب الفلسطيني، ما زال حيًا ويدرك خطورة الاستمرار بنهج عباس التسووي أو وعد الفلسطينيين بجنة المؤسسات الاقتصادية لفياض، والعودة في التفكير جديًا إلى الحل الشرعي الوحيد. أما الحل لتفويض الشعب الفلسطيني بأكمله وتمثيله مؤسساتياً، وبعد نقض اتفاق القاهرة- ولم ينقض عهوده مع حليفه الإستراتيجي "إسرائيل" من أجل إعلان الانصياع-، فمن باب أولى، نسف خيمة أرجوز من رأسها إلى أساسها، وبناء مؤسسة تقوم على المصلحة لكل الشعب الفلسطيني، ويا جبل ما يهزك حبر على ورق.
عباس بعد مغادرة أولمرت، سيجد نفسه عار تمامًا، فلا دعم من شريكه المنهزم الفاشل، ولا مساندة من بوش، الذي سيرحل بدوره، ولا قبول لسياسته من شعبه، فما البديل له، هل التظاهر بمصالحة وطنية، أم التنحي؟. فهل لنا أن نتخيل، لو أن جوقة أوسلو لم تقف حماس لبرنامجهم بالمرصاد، واستمر المخطط لإعلان اللا مبادئ واللا أخلاقيات وطنية، ودون معارضة حقيقية من أي فصيل فلسطيني كما حدث باتفاقية أوسلو؟!. |
|
19/9/2008 |