سوسن البرغوتي
من المجريات التضليلية المعلنة التي ساقها النظام المصري بادعاء المحافظة على الأمن
القومي المصري، تكمن في هدم أنفاق غزة، التي تعتبر الوسيلة الوحيدة المتاحة للشعب
الفلسطيني في القطاع، بعدما أصرّت مصر على إغلاق معبر رفح العربي، بأعذار أقبح من
خطيئة حصار مليون ونصف المليون فلسطيني، بأن هذه الأنفاق تعمل على تهريب السلاح إلى
المقاومة الفلسطينية، ولا بد من إنهاء فصل المقاومة أسوة بواقع الحال في الضفة
الغربية المحتلة، وتوجّهاً لعودة مسلسل المفاوضات الممل والمقرف في آن، ولا ندري
على ماذا سيتفاوضون، وما الذي بقي من أرض الضفة والقدس للتفاوض عليه، اللهم العمل
الفعلي والحقيقي لإسقاط حق العودة مقابل وعود مؤجلة، حتى تستطيع "إسرائيل" في
المرحلة القادمة استكمال التهام الجيوب والثغور الفلسطينية (المتنازع عليها)..
لكن.. غياب أجهزة "دايتون" في القطاع، والنظام المصري ليس له اليد الطولى على شعبنا،
ولا يستطيع إحكام قبضته بشكل مباشر، فالمسوغات التي يسوّق لها، في حقيقة الأمر
مجزرة مسمومة، ليجد الشعب الفلسطيني لاحقاً، أن لا مناص من العودة إلى طاولة
المفاوضات لأجل لا شيء، والتخلي عن "العنف" الفلسطيني، وهجرة الكفاءات للخارج،
تاركاً الساحة للإرهاب "الإسرائيلي".
الجدار الفولاذي يغرز في أرض بين القطاع وسيناء، وحسب أحدث التقارير فإن الجدار
سيؤثر سلباً على الحياة البشرية والأرض في كلا الجانبين. يشير التقرير إن الدكتور
نعيم بارود أستاذ الجغرافيا في الجامعة الإسلامية، لفت إلى خطورة الجدار، وخطورة
مشروع ضخ مياه البحر لهدم الأنفاق، على النحو التالي: (إن ضخَّ كميات كبيرة من مياه
البحر المتوسط عالية الملوحة، والتي لا تصلح للاستخدام الآدمي، والتي تشوبها الكثير
من الملوثات إلى منطقة الحدود المصرية الفلسطينية؛ سيغيِّر من الخصائص الكيميائية
للخزان الجوفي العذب، وسيصبح الخزان الجوفي في حوض (غزة ـ سيناء) حوضًا عاليَ
الملوحة ولن يصلح للاستخدام الآدمي أبداً)، وأضاف: (إن الجدار سيفكك التربة الرملية
غير المتماسكة، مما يعني أنه سيعرض المنطقة المذكورة إلى كارثة بيئية وإنسانية،
جراء تدفق الملوثات من البحر).
هذا المخطط اللعين يعيدنا إلى مشهد سابق في التاريخ لمنطقة البحر الميت، قبل أن
يخسف الله أرض قوم لوط، فتحولت الأرض إلى بحر لا حياة فيها، فهل استعان شياطين
الأرض بما حدث لمنطقة البحر الميت، ليقضوا على الشعب في سيناء وغزة.؟ والفارق كبير،
فالشعب ليس ضالاً، والصورة معكوسة، فالفساد والفسوق الوطني، هو من ينفذ هذا المشروع
الخطير.
على إيقاع هذه المخططات فإن العمل جارٍ لإبادة جماعية، دون سفك للدماء، وبنتيجة
مضمونة، إذن الغاية ليست تدمير الأنفاق فقط، بقدر ما هي إغراق الأرض والبشر، وكأن
المشروع تلبية لوصية أمنية "إسرائيلية" لإغراق غزة في البحر - كما كان يتمنى ويعلن
زعماء الكيان الصهيوني في أكثر من مناسبة أن يلتهم البحر غزة-، وإلا لكان الجدار،
على مساوئه، يشكل حصاراً مزدوجاً سواء كان في إغلاق المعبر ومنع إنقاذ غزة أوتضييق
الخناق على المقاومة، فلماذا تلك الأنابيب والمضخّات، وما الهدف منها؟!.
إن "إسرائيل" تضرب عدداً من العصافير بحجر واحد، الجدار للقضاء على المقاومة من جهة،
والأنابيب كي تصبح الأرض لاحقاً على مدى بعيد مهجورة وغير صالحة لحياة البشر، ثم
التخلص من عبء اللاجئين، ومن المعروف أن اللاجئين الفلسطينيين يمثلون ثلثي سكان
القطاع، وأيضا التخلص من المصريين على الجانب الثاني، لتصبح سيناء خالية وبلا سيادة
أساساً، فالاستخبارات الأجنبية والقوات الأمريكية- الصهيونية المشتركة، ترتع بلا
ضابط ولا رقيب، ولا يوجد قوات مصرية كافية وفاعلة للدفاع عنها، وإنما شكلاً ديكورياً
فحسب، وبلا سكان يشكلون عائقاً أمام المد الصهيوني، بالإضافة إلى أن مشروع البحرين
يصبح قابلاً للتنفيذ بسهولة، وصولاً لماء وبر النيل.
إذن الجدار الفولاذي ليس هو الكارثة الحقيقية، مع عدم التقليل من آثاره الخطيرة،
إنما الأنابيب والضخّ أشد خطورة سياسياً وبشرياً، وعليه ينبغي إيجاد حلول لمشكلة
الأنابيب ووضعها، قبل البدء بانتهاك حق البشر في الحياة، فالمشروع برمته أولاً
وأخيراً "إسرائيلي"- أمريكي، أما وسيلة التنفيذ، والمنفذ فهو فاقد لأدنى مفاهيم
الأمن القومي، فأيّ جريمة مدمرة هذه تضاف إلى جرائم العهد الجديد للعدالة الأمريكية،
وكيف يمكن لنا أن نصدق أنها تُنفذ بأيادي عربية؟.
كما أن معركة الجدار والأنابيب لا تقل خطورة عن معركة الاعتداء العسكري "الإسرائيلي"
والقوات الصديقة والحلفاء على القطاع، ومن الضروري إصدار تقرير على غرار تقرير
جولدستون، وهذه المرة من قبل أخصائيين عرب بالقانون الدولي وجرائم انتهاك حقوق
الإنسان، وهذا حتماً سيجمد المشروع، إن لم يقضِ عليه بالكامل.
لذلك يجب أن يكون الفعل المقاوم المشترك لهذا العمل الإجرامي، عربياً على مستوى
المقاومة والشعب والقوى الحية والأخصائيين الحقوقيين، فالحكومات العربية رُفع عنها
القلم، وأغلب الأنظمة العربية منشغلة، إما بالهرولة وراء زيف شعار السلام المزعوم،
وإما بالمؤتمرات الاقتصادية، والتحركات الدبلوماسية لتقريب وجهات النظر مع أعداء
الأمة، وأن المشكلة هي عدم فهم هذا الآخر، أو بتلميع سلطة محلية اُستنسخت من رحم
نظام عربي فاسد ومفرط ومتنازل سلفاً عن المصلحة الوطنية العليا.
الخلاصة أن الأنابيب والمواسير وما تحتويه وتحمله من مواد كيماوية، وتلوث بحري، أشد
خطراً على البشر والشجر والأرض من الجدار، وكلاهما عمل من أعمال الشر العالمي في
عهده الأسود..
قيل قديماً: (إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة*** وإن كنت تدري فالمصيبة أكبر)، لا..بل
المصيبة أخطر وأشمل!.