تركيا من دور الوسيط إلى الخصم


سوسن البرغوتي

عندما تولى أوباما منصبه كرئيس للولايات المتحدة الأمريكية، قدم من خلال خطاب التنصيب، نقاطاً محددة لكيفية الخروج من الأزمة الاقتصادية والسياسية والتورط العسكري في أفغانستان والعراق، بتعاون الأصدقاء والخصوم على مستوى العالم، لإحلال السلام وتعافي العالم من محنته الاقتصادية، ومن ثم الدفاع والحفاظ على أمن "إسرائيل"، كقاعدة إستراتيجية ثابتة للهيمنة على العالم. بذلك أقرّ أن أمريكا رجل مريض، وعلى العالم إنقاذه أو انتشار عدوى المرض إلى كل العالم، مما سيؤدي إلى انهيار دراماتيكي متسارع.

دول بالعالم تلقفت رسالته مباشرة، وآخرون منها أنظمة عربية، اختلط عليها أمر الخصوم، وقبلت بالصداقة، كِظل وتابع، فالصديق حسب مفهوم الدول المستقلة، هو المتكافئ بالقوة اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً، وتتقاطع مصالحه مع القوى الاستعمارية في العالم. أما الخصم، فهو الذي لا ينصاع بالكامل لإستراتيجية الهيمنة، ولا يلعب دور الوسيط أو بتعبير أكثر دقة – الوكيل- بالإنابة عن أمريكا، كما كان دور تركيا قبل حكومة حزب العدالة والتنمية. فقد استوعب أردوغان رئيس الوزراء التركي، رفض الاتحاد الأوروبي لعضوية بلده، في مؤتمر دافوس، فأراد أن يظهر كرجل دولة - وهو كذلك- وليس كرد فعل انفعالي أو عاطفي، عندما غادر قاعة المؤتمر على خلفية نقاش حاد مع بيريس، حول اعتداء "إسرائيل" على القطاع وقتل المدنيين الأبرياء.

لا أحد يستطيع إغفال تنامي قوة تركيا الاقتصادية والعسكرية والسياسية، وتسوية حكومة أردوغان للعديد من القضايا العالقة، كالخلاف التاريخي مع أرمينيا واستئناف العلاقات معها، وترطيب الأجواء مع الأكراد، وإعادة العلاقات مع سوريا، وفتح قنوات اتصال مع الأنظمة العربية الأخرى بهدف التعاون في شتى المجالات، وانتقاد رجب طيب أردوغان، اللجوء إلى الحل العسكري للحرب ضد "الإرهاب" كونه موجهاً للعالم الإسلامي بشكل عام، المفهوم الذي ما زال عائماً، وليس مجال بحثنا.

ولا  أحد يستطيع القفز عن إنجازات حكومة التنمية والعدالة للدولة التركية، فالمنطق والعقلانية تستدعيان وعي المتغيرات، التي حدثت في تركيا بقياس زمني قصير، مع تنامي قوتها اقتصادياً، وأهمية مرور خطوط أنابيب الغاز بأراضيها، من آسيا بما فيها خطوط أنابيب النفط من العراق إلى أوروبا، وهذا يعزز من مكانتها لدى الاتحاد الأوروبي، المثقل بهواجس عدد سكان تركيا من المسلمين وتزايدهم في أوروبا. كونها دولة علمانية، يخفف بعض الشيء من هذه المخاوف ولا يلغيها، ولا يحدّ من التعاون معها، ولم يبقَ لتركيا إلا موضوع قبرص العضو في الاتحاد الأوروبي، للاعتراف بها كدولة.

من الناحية العسكرية، تركيا عضو في الحلف الأطلسي العسكري، الذي تتهلف على عضويته "إسرائيل"، ولربما أحد أبعاد الأزمة بينهما، ضغط الثانية لقبول عضويتها هي الأخرى، وإلغاء تدريبات عسكرية مشتركة بينهما.
لكنها – أي تركيا- ترتبط بعلاقات دبلوماسية وتجارية وطيدة مع الكيان الصهيوني، منذ أن اعترفت به عام 1949. إلا أن تركيا لفتت نظر الشعب العربي، لرفضها المطلق الاعتداء الهمجي الصهيوني على القطاع، ودعم سفن الحرية لكسر الحصار عنه، والمطالبة بتطبيق "العدالة" والقانون الدولي لإحلال السلام في منطقة "الشرق الأوسط
الجديد"...
بمعنى آخر وجليّ، إن تركيا لا ترفض وجود كيان الدولة الصهيونية على الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1948، وما تطرحه الآن هو أن يتخلى الكيان عن الأراضي العربية التي احتلها عام 1967، وأن يقبل بما يُسمى حل الدولتين أو أي حل لتسوية "النزاع" الفلسطيني- "الإسرائيلي".

إن موقف بعض الأنظمة العربية وسلطة أوسلو- دايتون ضد المقاومة ولهاثها وراء الإمبريالية الأمريكية والصهيونية، ومساهمتها بالحصار القاتل المستمر على قطاع غزة، وارتماءهما المطلق بأحضان "الحلفاء"، ومن خلال بناء النظام المصري للجدار الفولاذي بين (الحدود العربية)، انكشفت أمام الشعب العربي، مما عزز مكانة تركيا لديه، ولكن يجب ألا نغرق في الأحلام والأوهام.. مرة أخرى، فالدولة التركية ليست عربية، وما تقوم به إنما هو لأجل مصالحها العليا أولاً وأخيراً.
 

 28/1/2010
 

صلونا

مداخلات   |

بوح وجداني  |

مقالات    |

روح وظـل  |

أهلاً وسهلاً  |