العملاء والأمن الوطني
|
سوسن البرغوتي
مهنة التجسس والخيانة ليستا ظاهرتين جديدتين في المجتمعات الإنسانية بشكل عام، وقد ازدادتا مذ بدأت نزعة الحروب طمعاً ببناء إمبراطوريات استعمارية. ولقد تنامتا بشكل متسارع وفظيع في وطننا العربي بعد اتفاقيات التطبيع، وبعد تغير الكثير من المعايير والمحاذير، فسقطت خطوط حمراء وخصوصيتها سواء أكانت مكانية أو فكرية دينية ووطنية. كما ساعد على تنامي الفكر الاستسلامي، الكثير من العوامل، كالعولمة والانفتاح على الغزو الثقافي الغربي المغرض، واستخدامه بطريقة سلبية، والإعلام العربي المرئي المنفلت من عقال الانضباط الوطني، وفتح قنوات حوار مع العدو، وتعويم الشخصية العربية بعد أن كانت محصنة بالثقافة الإسلامية والوطنية، ومنظمات دولية ظاهرها إنساني، وجوهرها تشويه فكر الإنسان العربي بغية غسل دماغه وإخضاعه، بحيث يصبح ملقَناً مسلوب الإرادة بجملة مفاهيم هجينة وغريبة عن المجتمعات العربية المحافظة. ولا ننسى دور تغييب اللغة العربية وتغريب العادات والتقاليد، وما لهما من تأثير مباشر على بناء الشخصية المتزنة والمتوازنة. يحضرني قول غاندي (أفتح نوافذي على ثقافات العالم، على ألا تقتلعني من جذوري)، بمعنى أن العوامل الثقافية مع الحاجة إلى المال وتحول مجتمعاتنا إلى مادية غرائزية، وسيكولوجية الشخص الضعيفة هدف العدو لتوظيف العميل، بالإضافة إلى عوامل سياسية، أدت إلى ازدياد نسبة الجواسيس، واقتلاع الجذور الراسخة، لتحل مكانها طحالب تسلقيّة وبذور دخيلة ليست متجانسة ومنسجمة مع طبيعة البيئة الأصيلة. وبما أن بناء الوطن يبدأ من الفرد، فإن معوله الهدام أيضاً، الفرد المنغمس بمتطلبات العصر المعقدة وعصر التطبيع، والبعيد كل البعد عن الضمير المهني والإحساس بمسؤوليته كواعٍ لما يجري حوله، مبديّاً مصالحه وأنانيته حتى على أقرب الناس إليه. بعملية آلية ترغيبية في البدء، لا تلبث أن تتغير إلى ترهيبية بعد الإدمان التجاري، والشراء قطعاً مقابله بيع، ومن خلال هذه العملية التدريجية، يتم إعادة صياغة عقلية العميل واستدرجاه، والخطورة تكمن بتعامله مع آخرين من أبناء شعبه، ليصبح بالتالي وباءً متنقلاً غير مضبوط ينشر الآفة القاتلة، فما بالك إن كان قيادياً سياسياً أو عسكرياً، والكثير من كوادره وتلامذته يعتبرونه قدوة لهم!. إن الخيانة ليست وجهة نظر، إنما ممارسات وسلوكيات، تطيح بآدمية صاحبها، وتنتهك كرامته في متاهات الضياع الأخلاقي والوطني. وأخطر ما في الأمر هو تدعير الإنسان وتدواله كسلعة تُباع وتُشترى، وكل سلعة لها سعر معين، حسب مكانتها الاجتماعية والسياسية، وحسب طاقتها وقدرتها على التوغل في المجتمع، وتجنيد آخرين لذات المهمة القذرة. لم تكن عين الموساد (الإسرائيلي) بعيدة عن هؤلاء، ولا المراكز المخصصة لتجنيدهم، والتي نشطت بعدة طرق ووسائل، منها مؤتمرات بحثية مشتركة والتعاون من أجل "السلام" ونبذ "العنف والإرهاب"، وهم أول من مارس الإرهاب الممنهج والمقنن، باغتيال أصحاب الفكر والثقافة والعلماء والسياسيين والمقاومين... عمل الموساد وعملاؤه بمنتهى السرية والدقة من خلال شبكة عالمية أفقية، بحيث قد لا يعلم العميل أنداده في معظم الأحيان في البلد الواحد، وزادت الوسائل الحديثة للاتصالات، من سرعة توصيل معلومات دقيقة في غاية الخطورة على الأمن الوطني. لذلك فإن الكشف عن هؤلاء الجواسيس وعقابهم خطوة إجرائية، من شأنها إضعاف هذا السلاح الموسادي، وضربه في العمق لإثبات عدم جدواه. وقد حددت الحكومة الفلسطينية في غزة، موقفها من العملاء، منذ الحسم العسكري عام 2007، فطردت كبارهم من القطاع، وبقيت بقاياهم تعمل بالسر تحت الأرض، بعد العفو العام المبكر. كذلك كان الحسم السريع للمقاومة الإسلامية في لبنان، إبان اكتشاف اختراق قطاع الاتصالات عام 2008، وللتذكير بما قاله السيد حسن نصر الله آنذاك (بكل صراحة نحن لا نستطيع أن نتحمل إلى جوارنا قاعدة للـ"سي. أي. إي" والـ"إف. بي. أي" والموساد). سنة تقريباً بين الحدثين، مما يعني أن معركة قطع يد العملاء، بدأت بشكل مكثف وحاسم منذ ذاك الوقت. على الرغم من هذا، إلا أن العملاء نشطوا بعد انتصار وصمود الجنوبيين في لبنان وفلسطين، لأن (إسرائيل) فقدت عنصر المباغتة وشن الاعتداء والعدوان متى شاءت، وهي مكبلة بتقارير حول جرائم الحرب وانتهاك حقوق الإنسان باستخدام أسلحة محرمة دولياً، وتصاعد رأي عالمي يرفض تلك الهجمات المتوحشة، وأخيراً لا آخراً قتل متضامنين مع الشعب الفلسطيني المحاصر في القطاع على متن سفينة مرمرة، فلجأت إلى "المخزون الاحتياطي" البشري الرخيص، والذي يعطي نتائج سريعة ومذهلة لصالح العدو. جهزت حكومة حماس في القطاع مؤخراً، حملة للقبض على المتخابرين مع الاحتلال، ومنحتهم مهلة ليعلنوا عن توبتهم قبل فوات الأوان، مع أن "ذنب الكلب لا يستقيم"، وبتره هو العلاج الفعال، ليكونوا عبرة لغيرهم. كذلك تنبهت الحكومة اللبنانية الحالية، لخطورة هذه المهنة الوضيعة، وستطال رؤوساً كبيرة، وراءها أتباع من مخلفات جيش لحد الجنوبي، وما تجدر الإشارة له، أن تلك الحقبة والفلتان الأمني وانتقالهم بحراسة (إسرائيلية) إلى فلسطين المحتلة ومنها، ساهم في زرع المزيد منهم، فالبحث بدأ ممن ربطتهم علاقة مباشرة أو غير مباشرة باللحديين في جنوب لبنان، والفارين من غزة بعد الحسم، وتلاميذ دايتون في الضفة. فالتنسيق قائم بين المقاومتين الفلسطينية واللبنانية بخصوص ملف الجواسيس، والتحالف إستراتيجي مشترك ضد العدو، وتواريخ الأحداث من 2006 إلى 2010 أثبتت انتهاء زمن الانهزامات، والإنجازات مستمرة في التقدم. أكمل الصورة نصاعة، الجيش اللبناني حينما تسلح بعقيدة وطنية، وقوة كابحة للدفاع عن كرامة وسيادة لبنان، رغم إمكانياته العسكرية المتواضعة، مما أربك مركز الاستخبارات (الإسرائيلية) وعملاءهم بآن، وسينفرط العقد، ليسقط غيرهم تباعاً، وما زال في جعبة المقاومة الإسلامية في لبنان المزيد والمزيد من المفاجآت، وحول ملف العملاء وارتباطهم بالموساد، ولا حصانة أو رحمة لأي منهم، كباراً أو صغاراً... الخلاصة، إن أمن البلد، هو تلاحم وتوحيد جهود الجيش..المقاومة والشعب، وتلك العناصر ركائز كافية لتنظيف الوطن من النفوس الضعيفة الذليلة، ومن رهن إنسانيته للعدو، بدل خدمة وحماية أرضه وعرضه. لا يقتصر وجود هؤلاء العناكب والعقارب في القطاع ولبنان، ولتجدن أوكارهم في العواصم والمدن العربية، وعلى الأخص، تلك التي ارتضت بـ"شراكة السلام" وسياسة الاعتدال، إلا أن فتح هذا الملف الخطير، يتيح المجال أمام الحكومات العربية محاسبة ومعاقبة كل من تسول له نفسه باغتيال أمن وطنه وشعبه، قانونياً وأخلاقياً...
فاحموا محارمكم قبل أن تُستباح الأرض ويُذل الإنسان ويجرد
من آدميته، وكلكم مسؤول عن رعيته، وهذا من شأنه حماية
أمننا القومي ووطننا العربي من شخوص لا يجوز أن تنعم
بحريتها الرخيصة، وأن تُردم بحفر تليق بجريمة تستحق
القصاص، ولنضع نصب أعيننا أن الأطماع الاستعمارية لا تقف
عند حدود أو عقود. |
|
2010/8/6 |