طفولة موؤودة
|
سوسن البرغوتي
كل شيء في
بلادنا صار مباحاً ومستباحاً، كل أمر يُراد له أن ينحرف
ويسافر على أجنحة المجهول، وألف احتمال واحتمال، يدخلنا في
سجالات عقيمة ومنازلات لا جدوى منها، طالما أن هناك مشاكل
متشابكة ومعقدة، لم يستطع عالم الكبار، فكفكتها، للسير
بالقافلة على سكة النجاة. وطالما أن منطق الحوار قد أسقطه
السفلة (المعصومون عن الخطأ) واستبدلوه بأسلحة ثقيلة،
ولولاها لما نزل الجيش على الشارع. وطالما أن أعداء
الأمة، يتربصون بنا من كل حدب وصوب، ومن الجو والبر
والبحر، يقذفون بحمم أتوا بها من شتى بقاع الأرض، ونحن
نصرّ على فجر أتى مع نسائم لا هي محمودة ولا مجدولة على
ضفاف غايات الأحرار السلميين، حسبناه سيملأ الدنيا ضياءً،
وإذا به كابوس يقض مضاجعنا، ولا ندري إلى أين قطار بلا
كوابح، يجري بنا..والقادم أشد وطأة وأقسى علينا جميعاً. دعوهم على فطرتهم، يلعبون ويمرحون، يعيشون براءة طفولتهم، لا بؤس مشاهد مرعبة، بين من يأخذون الضوء الأخضر من عصابات الجيش الدولي، لمهاجمة مدنهم ومواطنيهم، وبين من ينثرون الزهور على المحب "للإنسانية" ليقتلوا بعضهم البعض. ننتقل إلى مشهد الاحتفال بانفصال الجسد، واقتلاع جزء غالٍ وعزيز على أبنائه، وعلم "إسرائيل" يُرفع بساحاته، كان عليهم جميعاً أن ينكسوا علماً واحداً، لا علمين، ويعلنوا الحداد، بطعن بلد موحد بخنجر مسموم، ليصبح المواطن هنا، ليس مواطناً هناك، عدا عن أمور سياسية وأخرى أمنية، أشد وطأة على البلاد والعباد. ورب الكعبة وصلنا إلى الدرك الأسفل من الهاوية، منتظرين زلزالاً آخر، في أقطار أخرى، يمتطى صهوتها، حاقدون على الوطن ومشعلو فتن من كل لون وطيف، لا مواجهين أنظمة مستبدة، بل لاستجلاب حكام يوقعون على بياض، مهام نظام المقاولة، المطلوب تنفيذها في حلقة ما بعد الفاصل، هذا غير المشجعين والمصفقين لتصفية قضايا تحرير بتطويع الوعي، وعلى حساب أراضي وشعب عربي، فماذا أصابنا، وقد قُلبت الموازين رأساً على عقب؟!. على أية حال، لنعد إلى صغارنا في حومة مشاهد تقحمهم في شقلبة الوعي قبل أن يتكون، وزحزحة كل حلم لهم، بوطن يزهو به أطياره مزقزقين فرحين بمواسم الحصاد، فخورين بما قدمناه لهم، ولكن على ما يبدو، أننا نجهز لهم حفرة موغلة في السقوط، بدل أن نعبد لهم جسوراً توصلهم إلى بر الأمان. هم يريدون الترفيه المنظم – التعليم التربوي-، يريدون الهناءة والمرح، فما ذنب موؤودين وهم في المهد، الزج بهم باحتفال مساخر ومهازل وبؤر توتر، تشوه طفولتهم ليتدرجوا على مرابع الأحقاد، والأذى والخوف. أفلا يكفي أطفالنا في البلاد المحتلة معاناة أسر ذويهم في سجون العدو، واستشهاد أحبتهم، تاركينهم إلى أهل الخير، لعل وعسى، تحن القلوب وتؤاخي أياد بيضاء، أكفاً ما عرفت للتسول طريقاً.. أهكذا تفرحون اليتامى والثكالى؟!.. تخطفون أحلامهم وأمنيات أندادهم محاصرين بفعل اللئام، وبراءة تشد قميص الأب متمسكة به، قبل أن يختطفه السجان، بصرف أنظارهم، عما لا يعلمون، وتشغلونهم عما يريدون!. سحقاً لعالم الكبار، عندما يجني على فلذات الأكباد، ويحولونهم إلى غوغائيين بلا أدنى الأخذ بمسؤولية أفعالهم. صرخة تطلقها أم بوجوه ذوي هؤلاء الأطفال، فعلموهم كيف يكون حب الوطن والوفاء له، ولا تزرعوا شوك الأحقاد في دواخلهم، وأبعدوهم عن ميدان اختلط فيه الحابل بالنابل، والباطل بالحق، يلف الجنون كل الجهات كدوامة بحر لا هوادة فيه على ما يبدو، إلا الحسم والأخذ بزمام الأمور حتى تهدأ العاصفة، يستطيع كل مشارك بهذا العبث، العودة إلى نداء العقل، لعله يساهم بإنقاذ سفينة باتت قاب قوسين أو أدنى من الغرق.
|
|
2011/6/27 |