تعددت الأساليب والاستعمار واحد

سوسن البرغوتي

حال الوطن العربي يبدو وكأنه كلمات متقاطعة متشابكة، فالمربعات السوداء التي ترزح تحت الظلم الأسود تكمل مشهد ضبابي شامل لمرحلة قادمة. مربعات اُستقطعت بوضع اليد مع سبق إصرار الارهاب الحقيقي، وتحت غطاء هبوب ثورة الديمقراطية المزيفة.
  أما القضية المركزية  هي بيت القصيد، والتخدير الموضعي الذي قد يستمر لسنة أو أكثر، يعمل بتأثير سلبي على القضايا المعنية والمتعلقة بالصراع التاريخي، بحكم أن المصير والتاريخ والجغرافية سلسلة مترابطة يستحيل معالجتها إقليمياً.

ومن نقطة ارتكاز وربط القضايا الملحة بالوطن العربي، فالتهدئة الفلسطينية تتعهد منح الوقت الكافي لغرفة عمليات التحكم الصهيوني في الإطباق على لبنان وسوريا، وإجراء مباحثات جانبية للتطبيع مع الدولة العبرية الاستيطانية في مربعات أخرى.
ولاستعراض ما يجري على الساحة العربية من مد وجزر يسبق تسونامي عربي لا يبق ولا يذر، تحتل ظاهرة الاستقالات الجماعية في كوادر فتح، وإطلاق الرصاص على مقر المقاطعة في رام الله من قبل عناصر كتائب الأقصى، والمطالبة الجادة بالعودة إلى المظلة الأم منظمة التحرير الفلسطينية وميثاقها الوطني قبل التعديل، بداية وعي جماهيري فلسطيني يكمن في التنبه لخطورة استمرار برنامج سلطتنا العتيدة على هذا النحو.
 لكن المؤشر الخطر في دخول حماس المعترك السياسي والاستراتيجية المستحدثة وفق المعطيات،  في فرض ورقة وطنية تدعو القيادة الفلسطينية إلى إعادة النظر في وعود سرابية "اسرائلية" من خلال اتفاقيات مهينة، يحمّل أقوى فصيل مقاوم فلسطيني مسؤولية المخاطرة في حالة إخفاقها. فالوضع المتدهور أمنياً في فلسطين المحتلة والفساد والمنعطف الخطر التي تمر به القضية الفلسينية، لا يحتمل المجازفة بمزيد من التجارب والتلاعب في ثوابت هي أساس ودعائم المطالبة بحق مشروع.

أما العراق والتقرير المقدم من قبل جهاز استخبارتي إمريكي للسيد الأول في واشنطن حول تقديرات خاطئة في أسلحة العراق قبل الاحتلال، يكشف الوجه الحقيقي لهذا الاعتداء السافر على وطن له حق السيادة والاستقلال. و أن بوش ونظامه وبإيعاز من الربيبة المدللة إلى تحطيم اقتصاد وهيكلة العراق الموحد، لُيجزأ إلى أقاليم يسهل التحكم والسيطرة عليه، هو بداية الحرب  بعد سقوط بغداد على الأرض والشعب العراقي، ليواصل تجزئة وشرذمة الوطن العربي بأسره. ومن المفترض أن تحاسب القوى الحليفة الشيطان القادم عبر المحيطات، وتطالب بإصلاح أجهزة الاستخبارات والقيادة الامريكية، طالما أن القوة الأولى في العالم تقود  بسلسة من أخطاء فادحة قاتلة!. كما أن انسحاب الكثير من القوات المحالفة للقوات الامريكية في العراق، يدل على عدم مصداقية شعارات طنانة رنانة بتحريره من ديكتاتورية، ليحل مكانها قمع وتنكيل همجي وانتهاكاً سافراً لحقوق الإنسان. وعلى العرب أن يستفيدوا من الملف العراقي ، والمزاعم الأمريكية السابقة بوجود سلاح دمار شامل في العراق ما هي إلا أكاذيب وضلالة، وعلى تلك القوة العسكرية أن تقدم الاعتذار إلى الشعب العراقي بإنسحابها من أرضه.

وأما ما طفح الكيل بأهل أرض الكنانة، وجب تأمله برؤية مستقبلية لمجريات الأحداث. ظاهرياً طالبت المظاهرات برفض التمديد والتوريث كحد أدنى في استغفال المواطن. إلا أن باطنه يحمل رفض الشعب الأبي في انتهاز الفرصة لسلطة مصر بإبرام اتفاقيات تجارية وسياسية مع العدو، تفصل الوطن الكبير بين مشرق تسووي ومغرب متطبع.

وهاهي مزاعم جديدة وأباطيل تشكل إرهصات إحتلال لبنان وسوريا. وهذا ما نتج عن قرارات اجتماع اللمّة الخائبة في شرم الشيخ، لُيتخذ من إغتيال الرئيس الحريري، ذريعة تدويل لبنان بعد الضغط على سوريا بإنسحاب قواتها الداعمة لوحدة لبنان واستقلاله. وعلى ضوء اغتيال الحريري ، بدأت المعارضة تصعيد حملتها والمؤيدة من الغرب إلى المطالبة بوجود لجنة دولية في الانتخابات القادمة، لتكمن خبث النوايا بغطاء الديمقراطية ذاتها التي احتلت امريكيا العراق ملوحة بشعار تحرير الشعوب. ولكن بتغيير طفيف  في إدارة الحكم بلبنان دون الحاجة إلى إنزال عسكري، يصفي المقاومة المتمثلة في حزب الله. وما تصريح وليد جنبلاط أن الحديث عن نزع سلاح المقاومة إلا سابق لأوانه، إلا تصريح ضمني بأن مرحلة التدويل، سيلحقها نزع أسلحة المقاومة. بالإضافة  إلى خطورة أجندة هذه المعارضة التي تغير لونها في كل يوم، وفق أهواء وأمزجة الأسياد، خاصة بما يتعلق بتسريع التشكيل الوزاري لحكومة محايدة وتخضع لمراقبة دولية!. إن تورط  المعارضة بدعم واستدعاء لجن دولية، من شأنه يرجح كفة  التشكك من مطالبها. ومن الواضح أن المخطط وإن لم يكن المنفذ ، من إشاعة الفوضى إثر عملية إغتيال الحريري، إلا جريمة اغتيال وطن وليس شخصاً بعينه.
من الطبيعي ربط قضية لبنان بالملف السوري ، الذي لم يبق في المنطقة العربية سواه حجر عثرة في رسم وتنفيذ الخارطة الجديدة. وما الضغوط المباشرة على سوريا من الإدارة الامريكية، وغير المباشرة بالدعوة إلى إصلاح  مفتعل في المرحلة الراهنة، وظهور معارضة من واشنطن تزيد من تضيق الخناق، إلا تمرير رسالة صارمة وإشارات تأديبية، لتقبل سوريا بالأمر الواقع وهو القضاء نهائياً عن المطالبة بأي حق، والانصياع إلى العودة إلى طاولة الاتفاقيات"الاسرائلية" بدون أي شروط مسبقة.

أمريكا محرجة حالياً في تقديم حجة للاعتداء على سوريا عسكرياً، فلا سلاح شامل يهدد الكيان الصهيوني، ولا قوة نووية أو نفطية تستدعي التدخل السريع، إنما ما يؤرق "اسرائيل" هو بعداً استراتيجياً يعوق تحقيق نفوذها ومن الفرات إلى النيل...
 وإن أقدمت على اجتياح سوريا، فإنها ستفتح باباً من الغضب الجماهيري العربي، يقلب الطاولة على كل الحسابات في المعادلة، خاصة بمحاولة الخداع في التطبيع التجاري المغلف بالتمدد الصهيوني في دول شبه الجزيرة العربية. وليس مستبعداً أن تطالب "اسرائيل" بأراضي قبائل اليهود المنقرضة في المملكة العربية السعودية، وفي أرض عاد في عُمان، وبهذا تدخل دول الخليج في متاهات خندق "الحق المسلوب" لليهود!!!.

إن آليات تشويه تاريخ وجغرافية الوطن العربي، وبتزامن تطاول فاضح على الدين الاسلامي، بتشجيع ودعم مجموعات إسلامية متطرفة مضادة بالتعد على كيفية الصلاة و إمامة المرأة وتأدية سافرات مسلمات بالصلاة، وظهور "الفرقان" الجديد مؤخراً، ما هو إلا مخطط ينال من الهوية الإسلامية والعربية، ولُتضرب بعرض الحائط  حقوق الأمة  تُنتهك مقدساتها وتراثها وهويتها بين الأمم، وتذويبها بحجة الهويات القاتلة في زمن العولمة.

يبقى الجدار الأقوى والأبقى أمام هذا المخطط الشرس هو تحرك الشعوب الاسلامية والعربية، التي لا تلتزم بأحندة القطب الواحد، وتكيل الصاع صاعين ، تُلحق الخسائر لقوات تسبيح الأرض والمعتقد، وتدافع عن كيان كامل لا تُجزأ قضاياه بأي حال من الأحوال.

 

2/4/2005
 

صلونا

مداخلات   |

بوح وجداني  |

مقالات    |

روح وظـل  |

أهلاً وسهلاً  |