|
سوسن البرغوتي
يقول المثل الصيني القديم "حتى بعد وفاة
الإمبراطور، عاشت الصين"ويقول
المثل العام "مات الملك.. عاش الملك"هذه
حقيقة لا يختلف عليها اثنان،
ناعورة الحياة يجب أن تدور، قد
تتوقف للحظة لكنها تعاود الدوران. والإمبراطور كما في كل زمان ومكان،
له
ضحاياه، ويخلّف منتفعين.. وهؤلاء عندما تنقضي أيام الحداد على موت
الإمبراطور، تنتهي بالضرورة ذكريات
الحب والوفاء.. فهل في موت
الإمبراطور ينتهي العالم.؟
اليوم نعيش في عالم أشبه بغابة،
القوي فيها يأكل الضعيف، ولا مكان لأي أحاسيس إنسانية.
سطور تنضح بالتشاؤم والسواد، أليس
كذلك.؟
هل
نستطيع أن نطلق
صفة السوداوية على حياتنا.؟ وماذا
يمكن أن نرث من عالم يعجّ بالمتناقضات والغرائب.؟
يُرجع
الأطباء في
أن كثير من أمراض الجسد
والبدن نتيجة
للضغوط النفسية والعصبية والشعور
بالإحباط والكآبة، والظروف
الصعبة السيئة
التي يعيشها الأفراد.
وأضيف وأنا أدخل عالم الأحاسيس
والروح أن فقدان المودّة والإلفة، وطغيان الأنا وضعت المصلحة الشخصية
دون النظر بعين اعتبار للآخر
في واجهة الأوليات والأسباب.
أما ما اتفق أن نطلق عليه مجازاً "المنافسة"
فقد ابتعدت عن السلوك الشريف الذي يعطيها
المصداقية في التعامل وأصبحت وسائل فتك، ومعاول هدم، ونصال تذبح بدم
بارد، وتخلّف أسوأ الآثار على الضحايا.. وكلها في سبيل مصلحة فردية
ماديّة.. والغريب أننا بتنا نسمع بمن يمارس كل فعل مشين تحت يافطات
وشعارات الحداثة والحضارة والتقدم.
وعندما نفقد الحجّة والجواب.. نلعن
الزمان. فأستدرك وأذكر قول الشاعر:
نعيب زماننا ، والعيب فينا وما
لزماننا عيب سوانا
وهل من الصواب أن نعلّق كل خطايانا على
شماعة العولمة أو النظام العالمي الجديد.؟لماذا لا نفتّش عن عيوب فينا
أولاً فهناك نواة عذاباتنا.
ولن يغير الله ما
بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. والتغيير
يبدأ من الفرد، دون أن يلتفت إلى الآخر.
كل فرد يبدأ بنفسه فتتسع الدائرة ويعمّ
الصلاح. هي بداية الطريق.
أذكر حكاية كانت جدّتي رحمها الله
ترويها على مسامعنا.. تقول الحكاية:
رست
سفينتان في ميناء. واحدة محمّلة بعقول،
والثانية محمّلة
بمال. لم يبق أحد من الناس لم يركض ساعياً الحصول على المال، بينما لم
يقرب أحد من سفينة العقول..!
تقول جدّتي معقّبة:
الكل راضون عن عقولهم، ولا أحد راض عن
رزقه..
وعندما يقلّ المال والدخل، وتلتهب أسعار المواد الأولية الضرورية
للحياة، تأتينا حجج التبرير، ونغض
النظر عن كثير مثاليات ومشاعر وإنسانية.. ولا نبالي في مسألة بناء
مجتمع صحي متطوّر، وتأخذ ضمائر المهنيين إجازات مفتوحة، وتتفشى الرشوة
والفساد..
عندها يموت كل امبراطور في داخلنا.وعندما
تغيب الإنسانية عن ساحة العلاقات، ونغضّ الطرف عن رسالاتنا السماوية
المنظمة للحياة. تفتح الغابة أبوابها.. ويبدأ الصراع الشرس. وأول
الأبواب الأسرة. والبيت هو لبنة الأساس في هيكل المجتمع.
ولا أقول جزافاً وبين أيدينا أمثلة أكثر من أن تحصى نسمع عنها ونشاهدها
في كل وقت ومكان.
أغوص في ذكريات تبدو ضبابية
وباهتة، وأذكر من حكايات الكبار أن التجمّعات الصغيرة منها في قرية أو
في مدينة صغيرة أو في حيّ كانت عندما تتعرض لأمر جلل تتكاتف وتجتمع على
كلمة حق.. وإذا أخطأ فرد منها، يخضع للتوجيه
وربما إلى أكثر من هذا.
كان في كل قوم كبار وأجّلاء وحكماء، يضعون الحق في نصابه، ويورّثون
الحكمة والأخلاق، ولا أقصد بالكبار الولاة من الحكام.! بل ولاة
المسؤولية الجماعية.
نهاية
الحب إمبراطور يموت.
الحب بمفاهيمه السامية هو مركب الخلاص،
وهو طوق النجاة..فهل تبدّل مفهوم الحب إلى صفات مضادّة كريهة ومقززة
لأنها خلاف الفطرة التي فطرنا الله سبحانه عليها. وبدلاً من
نجد
للآخر
سبعين
عذر
ونيف إذا أخطأ وزلّ،
يحلو لنا أن ندق مسامير نعشه
بسبعين مسمار
ونيف.
والظاهرة الأكثر غرابة هو أننا نسعى بكل وسيلة إلى تحطيم من يعمل
بإخلاص ونظافة وشفافية، نوجّه له أقسى الطعنات، ونلقي عليه أبشع التهم
ليس أقلّها التجذيف ضد التيار، وضد المألوف.. والمألوف الذي طغى هو
الفساد بكل شعبه ومناحيه. ولو بحثنا على من ينادي بسداد المألوف
المستجدّ، لوجدنا أنه ذاته الوصولي المنتفع الذي يحيا على دماء الآخر،
ولا يبالي بحرث قرية بناسها وأهلها في سبيل بقاء مكاسبه ومركزه ومكانه.
سطور تنضح بالتشاؤم والسواد، أليس
كذلك.؟
ويبقى
السؤال: لماذا
يموت الامبراطور..؟ فهل من جواب..؟
|