|
سوسن البرغوتي
الثقافة مجموعة تراكمية من المعرفة بشتى المجالات ، بحيث تكون
شخصية لها هوية معينة تجسد قدر كاف من إشباع الفكر، وتظهر بشكل
جلي من خلال سلوكيات وترجمة هذا المخزون، بتقييم المثقف لجماليات
الفنون بشكل عام.
هناك
عناصر مشتركة تشكل هوية وشخصية المتلقي، كالتاريخ والدين واللغة،
كما أن بيئة المثقف الاجتماعية تلعب دورا في تشكيل ثقافته،
ودراسته واهتماماته الحياتية. وتعدد وتنوع مختلف قد لا يعني
بالضرورة تفاعل المثقف بمجتمعه بشكل إيجابي، لما يتم إخضاع
تجربة تلقي المعلومات إلى انتماءات وتيارات فكرية تتناقض مع
البقعة الجغرافية التي ينتمي لها.
وهنا
يجدر بنا أن نقدم تعريفا للثقافة المقصودة بخدمة تطوير المجتمع،
مع المحافظة على جذور ومفاهيم المجتمع، وعدم إلغاء الثقافة الأم
بهدف الانجراف وراء العولمة على مبدأ أن العالم قرية صغيرة!.
وهنا تتداخل أدوات العصر في ثقافة الفرد، والتأثر بحضارات تحمل
طابعا مغايرا، ومدى التأثر بها ونقلها إلى ذاكرته ليطور ويعيد
تشكيل المفاهيم المعرفية. والثقافة تختلف باختلاف المستحدثات
والمعطيات، فبالسابق كانت الثقافة تعني أن تعرف القليل من كل
شيء، لكن معرفة هذا القليل لن يشكل توجه فكري معين. ليصبح التبحر
بمجال معين هو اهتمام الباحث عن المعرفة بأطر سليمة وفطرة قويمة.
وهذا
يقودنا للبحث عن الشبهة الواقعة لمعنى التثقيف، فهل هي التخلي عن
التراث الفكري الذي استقينا منه المعرفة، أم تطوير وتأصيل هذه
المعرفة لخدمة مجتمعنا، والإضافة المجدية التي تتحكم بمسؤولية
الفكر في رسم ملامح المجتمع المتطور ضمن أطر أخلاقية والالتزام
بحرية على قدر من المسؤولية لتصدير هذه الثقافة.
الانسجام
المتطابق بين ما يطرحه المثقف وبين تقبل البيئة الخارجية، هو ما
يحدد جدوى وتفعيل الثقافة. ولا يخفى أن المثقف هو سلاح ذو حدين،
فإما أن يبني ويطور وإما أن يؤثر سلبا في تراجع المجتمع. وهذا ما
يجب أن تلتفت المؤسسات الثقافية باهتمام بالغ إليه. فإن تهيئة
الجو الصحي تمنحه المؤسسات للمثقف بحماية حقوقه، وتزويده بوسائل
تعينه في توجهه وبحثه، ليبتدع في عالم الإبداع ، أما إذا تقوقع
المثقف داخل زنزانة فكرية تعوقه من حرية التفاعل، أدى إلى عزلته.
خطورة عزلته معول هادم ، يؤدي إلى انحراف الكثير من المثقفين عن
التيار الوطني والأخلاقي. ويبقى التفاعل الأقوى هو الارتباط
بالآخر وإن اختلف بالرأي والرؤية.
إذاً فإن مبدأ التعاون وتكوين مجموعات تطرح البناء الثقافي في
مسار صحيح هو أداة إصلاح من داخل المجتمع وبأدوات وطنية تصب
لخدمته وتساهم في بناءه. فالمثقف المتفاعل هو أشبه بثائر له قضية
وهدف وتحمي جذور هوية وطنه بين الأمم بمنظور حديث يواصل ويواكب
الحضارة الثقافية الإنسانية. |