أسامة سلوداي  على متن "أبولو"

ملامح تخط على الدرب بصمات تؤرخ يوميات فلسطينية تنتفض ضد مغتصب ومن سلب الأرض. ترصد أهازيج الثكالى في موكب الشهداء تارة، وتصور فرح الأطفال في الحقول مرات أخرى. عيون كنعانية سمراء تناغي الطبيعة الغنّاء في جبال الزيتون الأخضر، وبيارات البرتقال الحزين.

أسامة سلوداي مصور فوتوغرافي درس وطوّر هوايته ذاتياً، ليصبح بعد ذلك مصوراً لوكالات أنباء عالمية. ربما الكثير يعرف أن أسامة السلوداي مصور إخباري ، ولكنه عشق الطبيعة الفلسطينية وسجل الحياة اليومية للناس في أفراحهم وأتراحهم بعين الانتماء والعشق. 

حاورته سوسن البرغوتي

 

 
 

* كل بداية صعبة..كيف استطاع أسامة أن يتخطى الصعوبة في ظل احتلال يحد من الطموح  وتطوير الموهبة ؟

- التعليم بشكل عام يستحيل أحياناً في ظل احتلال يفرض سياسة التجهيل، لكثرة وجود الحواجز والتعرض للاعتقال. لكن لا بد من التعليم ، لأننا نتحدى بالعلم القهر والاحتلال معاً. استطعت أن أتخطى صعوبة البداية بالعمل المستمر والمحاولات المثابرة.

* ما هي العناصر التي تصقل موهبة مصور؟

- عناصر متعددة تصقل الموهبة، الثقافة الفنية، سرعة البديهة، والقدرة على اختيار واقتناص اللحظة المناسبة بشكل سريع ودقيق لالتقاط الصور بالتمرين المستمر.أيضا هناك عنصرٌ هامٌ وهو القدرة على معرفة النواحي الجمالية في اختيار موضوع الصورة بشكل دقيق.المصور يستشف تفاصيل صغيرة من الممكن أن تغير المشهد في الصورة، وهذا ما يحاول المصور البارع في تجسيد التفاصيل الصغيرة. وكل تلك العناصر تعتمد اعتماداً كلياً على الموهبة والمعرفة التقنية والعمل على التطوير، ثم تُصقل بما ذكرته آنفاً.

*ما هي المشاعر التي اختزنتها ذاكرتك أثناء تصويرك لجنازة شهيد، أو لأرض تتطىء أقدام الجنود "الاسرائليين" عليها لتدمرها؟

- موكب الشهداء تختلط بمشاعر البطولة مع المأساة والحزن، لهذا فإن التصوير وقتها مضن ٍ وشاق، فهل أهل الشهيد خبرٌ لتغطية صحفية أم بشر فقدوا غالي لديهم!. الكاميرا هي العين الثالثة لا تفصل بين المصور والواقع بل تعمق الرؤية، لكن المهنة تقتضي الموضوعية ، وأثناء العمل يخفي المصور مشاعره، وعندما يسترجع الحدث يتذكر أدق تفاصيله المحزنة. مشاعري ملك شخصي لي ولا يجوز أن أبوح بمشاعري أثناء تأدية العمل.

* مهنة التصوير الإخباري خاصة في بلد محتل مجازفة ومخاطرة، فهل تعرضت لإصابات أثناء تصويرك؟

- مهنة التصوير في فلسطين أكثر من مجازفة ، فالمصور ليس معرّضاً للاصابة بل هدفاً للاحتلال، والكثير من الزملاء فقدوا حياتهم سواء كانوا من فلسطين أو من خارجها. ولا يحاسب القاتل بدم بارد على فعلته الشنيعة بقتل صحفي يقوم بتأدية عمله أثناء تغطية حدث ما. تعرضت للإصابة أكثر من مرة ولكنها خفيفة واستطعت تجاوزها، رغم إصابة ساقي بشكل متعمد عن بعد أقل من مترين، وتعرضت لضرب المستوطنين. أما أكثرها إيذاءاً لي هو المنع من السفر وحرية الحركة.

* ألا تؤمّن وكلات الأنباء الحماية أو العلاج في حالة إصابة المصورين الفلسطينيين؟

- وكالات الأنباء العالمية تؤمن العلاج في حالة الإصابة أثناء تأدية العمل، لكن في الانتفاضة الثانية منع الجيش "الاسرائيلي" المصورين الفلسطينيين من الحركة داخل الضفة أو خارجها، وضيق عليهم كثيراً في الحركة والعمل، فلا يسمح للمصورين الفلسطينيين بالذهاب إلى غزة أو إلى فلسطين الـ 48، وأصبح المصور مقيداً حيث يقيم. لكن تكمن المشكلة في إصابة المصورين المستقلين ولا تقوم أي جهة بتعويضهم لو حُطمت أجهزتهم أو اُعتقلوا.

* شاركت في دورات إخراج تلفزيوني وتصوير فوتوغرافي وثائقي ، فأي المجالين تحقيق لطموحك وقدرتك على العطاء ؟

- شاركت من باب العلم والتثقيف، وليساعدني في تطوير قدرتي ومعرفتي، لكن التصوير هو المجال الذي أحقق به طموحاتي .

* أبولو مشروعك التصويري كنواة لوكالة تصوير فلسطينية مستقلة، فما الهدف الذي دفعك لتأسيس الوكالة، خاصة أن وكلات الأنباء العالمية تغطي الأخبار، وتستقطب أكثر الفضائيات العربية والعالمية ؟

- وكالات الأنباء العالمية تغطي الأحداث من وجهة نظرها الخاصة، و"أبولو" أول وكالة تصوير فلسطينية ، وأهميتها أننا نمتلك الصورة والرؤية أمام العالم. كما أن الوكالة الفلسطينية هي تواجد الفلسطيني في مجالات الحياة المختلفة. لدينا الطبيعة الجميلة ، وثقافة وفنون وتراث ، ووكلات الأنباء تغطي الأخبار اليومية فقط ، ويظنون أن الشعب الفلسطيني يرمي الحجارة أو يطلق النار فقط . في حين أن هناك تراثاً عريقاً وفنانين وأدباء ، ولدينا أماكن سياحية ، والأرشيف يحتوي على صور فلسطينية و كل ما يحتاج أن يعرف العالم عن الشعب الفلسطيني وتاريخ فلسطين وأثاره وتراثه وثقافته.أبولو مملكتي لا تتبع أي جهة إعلامية أخرى.

* ذكرت أنك تملك إرشيفاً كبيراً من الصور، وتسعى ليصبح يوماً ما بنك للصور الفلسطينية، فما الخدمات التي سيقدمها مشروعك وأي الجهات والمؤسسات معنية بخدمات "أبولو"؟

- الأرشيف يحتوي على آلاف من الصور وهو نتاج عشر سنوات من العمل المكثف ، كما يحتوي على أرشيف صور لأغرا ض تجارية إعلانية وخدمات التصوير لشركات تجارية. تشمل خدمات أبولو مقدمة لشركات الهواتف والبنوك والتقنية، حيث يتضمن الأرشيف كل ما تحتاج له تلك المؤسسات، سواء على صعيد تغطية الأخبار أو التزويد بالصور التي تناسب تخصص المؤسسات. كما أننا نحاول توثيق الحياة الفلسطينية ، وننشر الصورة واضحة غير تلك النمطية التي طُبعت بذهن العالم عن الفلسطينيين.

* "ها نحن" ألبوم صور الأول من نوعه في فلسطين المحتلة، فما هي رسالة "هينا" بالعامية للعالم؟ وهل هناك من دعم مشروع ألبومك المصور، أم أنه جهودٌ فردية؟

رسالة الألبوم واضحة، وأننا سنبقى رغم محاولات الإبادة، وأننا كباقي مجتمعات الأرض، نعطي ونطور من أعمالنا ونتعلم ونضيف. أما إعداد الفكرة والتصوير فمجهود فردي بحت، ونتاج سنوات طويلة وليس وليد الساعة.

* كثير من المصورين في الوطن العربي والعالم، يستخدمون تقنية الكمبيوتر والاستعانة بالخطوط والألوان لتجسيد دلالة فنية تجتمع فيها عناصر مختلفة، فهل لك توجه لمثل هذه الأعمال؟

- أعتقد إدخال أي مؤثرات خارجة عن الصورة بواسطة الكمبيوتر أو خلافه يدمر الصورة الفوتوغرافية ويغير مضمونها. هناك أعمال جميلة ولكنها تخرج الموضوع عن إطاره، وهو عمل قد نصفه بأنه تشكيلي أو غرافيكي أكثر منه فوتوغرافي.

* هل تجد من الضروري تأريخ الأحداث ونواحي الحياة في فلسطين؟ ولماذا؟

- بالطبع يجب تأريخ كل لحظة من حياة الشعب الفلسطيني نظراً لما يطرأ من متغيرات وممارسات احتلالية تمحو الأثر، فمثلاً قد تقوم القوات الاسرائيلية بهدم الكثير من المنشأت الفلسطينية أو آثار هامة، ولذا وجب توثيقها وأرشفتها. وعلى هذا الأساس فإنها ضرورة حتى لا يندثر وُيلغى الأثر والحضارة الثقافية في فلسطين.

*عين على فلسطين الطبيعة والجمال، أم حزن يطل من عدسات كاميرا تؤرخ معاناة شعب يرزح تحت الاحتلال وحصار يضيق أكثر مع ارتفاع جدار اسمنتي يحول حياة الفلسطيني إلى سجن مستديم.كيف استطاع أن يسجل أسامة يوميات المعاناة الفلسطينية من جراء الجدار العازل خلال صوره؟

- الجدار كارثة  من صنع محتل لا يؤمن بالبشرية يدمر حياة الشعب الفلسطيني ، فهو يفصل بيوت بنفس المنطقة وعائلات عن بعضها، والمعاناة من هذا الثعبان الذي يتلوى على طول المدن لا تنتهي. العديد من البيوت هُدمت وأشجار قُطعت وجُرد فلاحون من أراضيهم من أجل بناءه.

 

* هناك تجاهل دور المصور الفلسطيني من قبل السلطة الفلسطينية وعدم دعمها له، رغم حصول الكثيرين منهم على جوائز عالمية، فما هو دور المؤسسات الثقافية التي يجب أن تقوم به لدعم ابداعات رغم المعاناة والحصار؟

لم تخصص السلطة الدعم الكافي في أجندتها لدعم الفن بشكل عام، لذا فإن دور المؤسسات الثقافية يتمثل في إقامة المعارض للتعريف عن المصور الفلسطيني أو تتبنى مشاريع فنية، وتساعد في إنشاء معهد لتعليم التصوير، وحقيقة لا يوجد أي معهد أكاديمي في فلسطين لتعليم التصوير. بإمكان المؤسسات أيضاً أن تساهم في بعثات للخارج من أجل تطوير المصورين.

* هل هناك تواصل مع اتحاد المصورين العرب لحضور معارض أو مؤتمرات لتفعيل التعاون، أوتقديم تسهيلات ودعم المصور الفلسطيني في الأرض المحتلة؟

- هناك تغييب كامل للمصور الفلسطيني في اتحاد المصورين العرب، وأغلبية المصورين في فلسطين ليسوا أعضاءً أو لم يسمعوا عنه أصلاً، نتيجة عدم تفاعل وتواصل الاتحاد، وليس لدينا أي فكرة عما يدور بالاتحاد.

*
لماذا لا تتواصلون مع الاتحاد للتعريف بكم؟

- حاولنا التواصل معهم والاتصال بهم ، ولكن لم يستجب الاتحاد. وكان اتصالنا به عن طريق رسائل  بواسطة المفوض فتحي أبو الطبول في المانيا، أو عضو الاتحاد في فلسطين عوض عوض، ولكن لم نتوصل حتى اللحظة إلى فتح قنوات معهم بشكل مجدِ، أو تفعيل لأعمالنا لديهم، والاعتراف بالمصورين في فلسطين المحتلة.

* لو طُلب منك ترشيح أحد المصورين الفلسطينيين لجائزة عالمية ، فمن تختار؟

-
أختار من يكون أكثر صدقاً وموضوعية في نقل الصورة بشكل مميز، ومن يملك الشجاعة والقدرة على الاستمرار رغم قساوة ظروف العمل مؤهلاً لتمثيل المصورين الفلسطينيين بالخارج. ومن يستطيع أن يحمل لقب سفير المصورين الفلسطينيين بجدارة المصور الفلسطيني مازن دعنا اُستشهد على أرض العراق ، ونزيه دروزة الذي استشهد في فلسطين خير سفيرين.

* بالطبع كونك من أهل الضفة الغربية، لا تستطيع أن تصور مشاهد أو أحداث في فلسطين الـ48، ألا يُمنح المصور الإخباري عادة بطاقة للتجول في أنحاء البلاد؟

في كل العالم يمنح الصحفيين والمصورين حرية الحركة، لكن الاحتلال يحول دون ذلك ويحاول بكل قوة الحد من حركة الصحفيين الفلسطينيين ولا يعترف بأي بطاقة دولية كانت أم محلية، بل ويعرقل ويهاجم كل من يحاول اختراق الحواجز.

* ما هي مشاريعك المستقبلية، وهل تود توجيه رسالة لمصورين الوطن العربي؟

هناك الكثير من المشاريع وسأعمل على تحقيق ما استطعت.تراودني فكرة سلسلة من الكتب المصورة توثق الحياة بكافة الدول العربية لتكون مرجعاً فنياً وجمالياً، بتطويرشركة أبولو كوكالة تصوير تغطي كل الدول العربية وتنقل أخبار العالم العربي بأيدي مصورين عرب وبخبرات عربية مميزة.

29/11/2005