بوح وجداني

 سوسنة  عشقت نورساً
 

إلى كل من سكن قلبه دفىء وطن ..
صار وجعاً  في كل أرض و حباً في كل قلب
ريـَّـا أحـمـد /
سوسـن البـرغوتي 

هناك في أقاصي الوجع حيث لا أحد سواي ،حيث وُجدَ اشتياقي لحب رفض عطائي رغماً عني وعنه .. هناك حيث تركني الزمان سوسنة يتيمة تبناها الألم ابنة بارة ،عانق جرحها غربة واتخذها الوجع رفيقة دائمة ..

هناك حيث لا تتمرد زهرة على واقعها كما فعلت ولا قُدِّرَ لسوسنة ان تعشق وطنا اختارته اكثر خصوصية ليسكنها وتهدأ بذكريات عالمهما كما فعلت .

هناك في البعيد حيث تقبع الاساطير التي جعلت مني حورية يحولها سناء القمر ، فتناجيه  كل ليلة وتحكي للنجوم عن فارس يمتطي صهوة الحلمِ يأخذها إلى أبعد من الحلم وأبعد ..الى محراب لا يعرف سواهما

عندما يجد المرء نفسهِ بعيداً عن الوطن ..ينجح بأعجوبة في بناءه، ليصبح أكثر خصوصية.. عندما يجد المرء نفسهِ بلا فرح ، فإنه يتقن ببراعة لملمة فرح وملاذ له  من نوع خاص . كان هو فرحتي  التي ما اعترفت بي يوماً .. هو الذي ما ضمني إلى صدره يوماً سوى في  سماء الحزن يحلق طائر النورس ..وفي أرض نستها كل الافراح ينبت السوسن ..

قابلته على حين غرة وبغفلة من القدر ..ما يزال في خاطري ..بكياني ،هو لي قصيدة وللوطن  لحن القصيدة، كـُتبت بحروف خاصة وبمشاعر تنتمي لحب ما عرف الكون أعمق منه.. وسامته اختزلت كل معاني الرجولة ، وبدا حقيقة  لا حلما ..

مزج لوحتي بألوان خاصة ، صير بريشته وجوهاً حزينة .. ابتسامات زائفة .. آلاماً  لم يكن ليتسع  لها هذا العالم  لولا انه جعل منها فنا يسكن اليه قلب يعلن كل اوجاع الوطن .

بالنسبة لي هو  زماني ، ووطني بالنسبة له  قضية ..

اترُاه تعمدني ابتسامة حزينة في لوحته الأولى ..؟ أم سوسنة تذرف الدموع على من  رحل عنها في لوحته الأخيرة ..!!

لماذا عشقته وهو الذي لم ألقه يوماً  ؟ هل تراه كان سيغرم بي  لو وضعني القدر على ناصية قلبه يوما ما  ؟ لماذا شوقي له دائم وهيامي به لا ينقطع ..؟

يا إلهي... هل أحببته  محلقاً باتجاه الحلم البعيد عن كل المسافات؟!؟ ام عشقته رجلاً يختصر كل معاني الحب المفقود ؟

لماذا هذا الغريب حولني الى غابة أحلام وحول أحلامي إلى واحة آمال ؟

الهي يا  من خلقته ليترك بداخلي كل الشقاء والسعادة  وكل الاسئلة لماذا لم أتحرر منه ..هل هو  نورسٌ أم أنه وطن ..؟ هل خلقته  أسطورة  فكان نورساً تحيله سرايا بنت الغول  إلى رجل أم انه الوطن الذي يحترف خلق نوع خاص من الألم والامل المزمن في قلوبنا ؟

  يا من اخترته ليصبح سكني وهدوئي ، ألهمني أن أحبه  وأعشقه أكثر ..  من أجله صرت شهرزاد القصيدة فصار لي شهريار الحلم  .

 أتذكر حين التقيتك أول مرة ؟ لم تكن تعرفني كما لا تعرفني الآن ..ولكني عرفتك جيداً ، عرفت طفولتك الشاحبة وابتسامتك المؤلمة .. مروجك الخضراء ، وأهازيج      أمنياتك ،عرفت طفولتك التي لم تستوعبها يوما فقد ولدتَ رجلاً .. لم تكن تسمعني بيد أنني كنت أسمع كل نبضات قلبك ..حبك لأبنة الجيران ، رسائل هيامك لصبية .. وعشقك لمن عذبتك كثيرا وتفننت في ذلك ..

عذبتك محبوبتك كما عذبتني، ولكنها عرفتك وأنت لم تعرفني ..كنت أسخر من مشاعري كثيراً وأبكي من الجوى  أكثر وأكثر ..كنت لي حلماً وألماً ولها كنت رجلاً لم تقدره حتى بعد ان رحل عنها  إلى حيث لا يرجع الراحلون  ..

 تركتكَ وحيداً كما تركتني وحيدة ..لم تكترث لهيامك ، كما لم تكترث لوجعي ..

 غريب أن  نحب من يجلهنا ، ونتجاهل  من يبذلون كل قلوبهم مرضاة لنا ..

 لم تكن تعرفني كما لا تعرفني الآن .. أتأمل ملامح الدهشة تحتل تضاريس وجهك الوسيم والمرهق

 حين أعلنت الرحيل لم تكترث لسوسنة ، و لم ترتمي في أحضان الزهور البرية  يوما.

 حين غبت تركتني وحيدة أبحث عن ملاذ جديد و عن نورسٍ يعيد لي حلم الوطن، لم يعرفني ولكني أعرفه .. حقيقة وليس واقعاً.

 قرأتك قصيدة  لوطن مجروح، وكتبتني عبثاً قصة لم تنته،سمعتك  دوماً سيمفونية تعزف أوتار ليالي غربتي ، فتجاهلت آنات الصَبا في صدري ..

هكذا بدأتُ أهذي بحب ما عرفت هل هو حب الانتماء  أم أنه حب لنورس جسّد لي الغائب الحاضر .

اتذكر عندما سأل المدرس :"ما هو النورس ؟" أجبت بسرعة  :"هو الوطن" حينها ضحك كل من الفصل إلا المدرس صفق لي بحرارة قائلاً أحسنتِ أحسنتِ ..

كنت أذهب كل يوم إلى البحر لأجدك نورساً شامخاً وكنت وطناً من نوع خاص .

عندما أعود إلى البيت كنت أحصر نفسي بينك وبين الوطن لأجد نفسي أحتويك أكثر أهيم بك  أكثر وأكثر ..

تجلى الوطن فيك أيها النورس العنيد فجسدت  كل معاني الألم والوجع أنت يا من رفضت السلام الكاذب والاستسلام المخزي فرحلت تاركاً لنفسك مكاناً ما هنا، تركت لنفسك ما تركه هو لدى النفوس الشريفة . كنت  ثورة من دم ولحم وتجربة تحدت وتنبأت بمأساة شعب عاند كل محاولات الانهزام وبقى أبياً يتصدى لفنائه

وأنا في المرحلة المتوسطة سألنا المدرس : "أين يكمن الوطن ؟ " أجبته بسرعة :"في عند وطموح النورس "حينها ضحك كل من في الفصل ولكن المدرس صفق بحرارة قائلاً أحسنتِ أحسنتِ ..

 كنت كل يوم أصعد إلى قمة الجيل وأتأمل بقاياه مبعثراً هنا وهناك،  عنيد لم يخضع لوهم السلام ولا لضعف الاستسلام. لقد كان الوطن نورسا من نوعٍ خاص كما كنت أنت   فرحاً وألماً من نوع خاص .

وأنا في المرحلة الثانوية سأل المدرس :" كيف يمكن ان نحب وطن  لم نرتمِ في أحضانه ونشرب من مائه ونأكل من ثماره ؟ "فأجبته فوراً  :"بأن نعشق النورس ،فمرآته هي تلك الطيور  " حينها لم تضحك الفتيات ولم يصفق الأستاذ ولكنه اكتفى بنظرات لا زالت تربكني إلى اليوم قائلاً : رائع .

كنت في تلك المرحلة أتابع بشغف ولهفة تحليقك أيها الحنين .. لقد كنت تحلق وتتألم من أجل وطن  يحاول أن لا يقع  فريسة الوهم  وخيانات الضعفاء ..

 كم من نورس دُمج هو والوطن في بوتقة واحدة فصرنا لا نعرف أيهما معنى للآخر . هل شغفي بك هو أسطورة وامتداد لتلك السهول الخضراء !!!!!!!!!!!

 عشقت النورس أكثر و آمنت به.. ومن ذا الذي لا يعشق وطنه ..

خلته يقبل جبيني قبل ان أنام قائلاً  :تصبحين على حب ووطن ..

فأرد عليه :  تصبح على سوسنة ونورس ..

فتنت  بك ، ومن ذا الذي لا يغرم  بحب اخترت أن يستمر وإن خطه القدر ..؟

رحلت انت بإرادتك ولكن الجبناء ظنوا أنهم نالوا منك ..أغبياء ، اعتقدوا أنهم ذبحوك ولكنهم بسذاجتهم وهبوك عمراً آخراً يعمر ويورق أشعاراً وخضرة ،  لقد منحوك عمراً  مديداً لا يعرف النهايات التعيسة..

 اختصرت كل المعاني  يا سيدي النورس واختزلت أنا كل معاني الوجع الذي ما يزال  يرتبط بتحليقك وإيمانك به ..

سأظل أهذي بحب  ما رآني يوماً وما ضمني إلى صدره يوماَ ..سأظل عاشقة لوطن يزيدني حزناً وبعداً وأزيده حبا وعشقا ..

سأظل  .. وستظل سمائي خالية من نورس مثلك ..ستظل النوارس عاجزة ان تشابهك وسيعجز الألم أن ينجب من احتوى كل معاني الكبرياء  ..أنت من جعلت  الوطن وجعاً في كل أرض  فجعلك  حباً في كل قلب ..

لازلتَ  الأكثر نـُبلاً ، الذي ماعرف الهوان يوماً  وما استسلم للخذلان .. فلا شىء بعدك ، وليحملني ثراك أملاً لكل عاشق ...

 يوليو 2002م صنعاء-دمشق

 

صلونا

مداخلات   |

بوح وجداني  |

مقالات    |

روح وظـل  |

أهلاً وسهلاً  |