حب لن يصدقه الحب

الأديبة القاصة و الشاعرة سها جلال جودت

  ليس الوحيد في هذه الدنيا الذي عرف فيها معنى الحب، لكنه الوحيد الذي ظل متمسكاً برائحة عطر التي يلتقي بها. في كل يوم يزرع من كريات دمه الحمراء أشجاراً للوفاء، أزهارها كريات من ياسمين أبيض تحتفظ بعبقها بين حقول موسيقا القلب المخلص لتلك الابتسامة من تألق الشفتين وهما تقرأان الدرس بكل ثقة
  وامتنان فهو يوصيها العناية، يعزي نفسه بتلك الرسومات من الصور التي حفظتها ذاكرته كما حفظت نسبه ومسقط رأسه بسعيه الدؤوب على أن يكون شخصاً ما، إنساناً ما، له مكانته ومركزه الذي سيفتح أمامه في
  يوم ما وفي زمن ما، أبواب المكانة المرموقة.

  يطوقه الحنين فيبحث عن أنفاسها وبريق عينيها في أوراقه التي ظلت مخبأة باحتراز شديد ويستلقي هادئاً يستمع إلى ألحان تطفئ لهب القلب وتغذي نسغ الإرادة والصبر في أن يسلو همه ولا ينسى حبه!!

  مقادير الزمن التي جمعت بين وجهين تقابلا نسجت لهما من أغصان الشجر بيتاً عالياً ينسكب الحلم فيه على مدرجات الانتظار، ولوعة الشوق تهسس تارة وتختفي تارة أخرى، لكنه ما يزال متعلقاً بالأمل.

  لم يكن يأبه بشرور الأرض الضالعة في النفوس، كان حكيم نفسه ومؤدبها، كتب بنفسه اسم الشخص الذي     حلم به وهو ما يزال طفلاً صغيراً، كل حاجته كانت هي الوقت، الزمن، لكن الزمن الذي انتظره بفارغ      صبر جعل من فاجعة الصدمة جسراً يمتطي صهوته من أجل العبور، وفكر:"علها تشاهد صورتي
  وتسمع صوتي فيعيش في داخلها هذا الحنين الذي أصبح ملكاً شرعياً لغيري، فتأتي لزيارتي وتطلب
  وساطتي في أمر ما لشخص ما!"

ويسألها كيف الحال؟

  بغصة تنحدر دمعة على جدار القلب تخفيها حين تولي بظهرها له، لكنه ما يزال متعلقاً برائحة حقول
 القلب في ياسمين الكريات البيضاء، يبحث عن الصوت الرخيم والبسمة الخجلى، عن العينين الملتهبتين أواراً    ساخناً، عن بيت الشجر الأخضر، عن حلمه وأماسي سهره وهو يرسم وجهها، شعرها، بريق
  عينيها، حيوية حركتها، سرعتها في الإجابة عن أي سؤال.

   توافدت عليه مثل أسراب الطيور رسائل المعجبات من الطالبات، قرأ سطورها كلمة كلمة، حرفاً
  حرفاً، وظل هذا الكامن المدهش متشبثاً في الصدر والعقل والفكر، كان يتخطى دروب حلمه في أن يكون شخصاً ما، إنساناً ما بعزيمة ربما تشبه عزيمة جلجاميش. من وراء المنبر شاهد وجه أمها الذي حاوره يوم طرق باب بيتهم يريد خطبتها، انتظر حتى تنتهي وحين بدأ الحضور بالخروج حاول أن يكون قريباً منها، مدّ يده مصافحاً، شدت عليها مرحبة بوجوده وكاد يسأل! لكنه آثر أن يكون صامتاً كحبه الصامت.

   اقتربت منه جوقة من البنات فشعر بالزحام يخطف منه رائحة الشوق وعبق الذكرى فانسل في داخله هذا الشعور الخفي فقطب حاجبيه في وجوههن وغادر المكان وهو يبحث عن طيفها بين جموع المغادرين.
  -
تفضلي.

  التفتت نحو مصدر الصوت وأرسلت من بريق عينيها نظرة حنون متطامنة وبامتنان صعدت إلى جواره وقلبها يعيد روائح العشق فينثرها على الطرقات والدروب وسنين الانتظار.

 لم يستطع أن يسألها، ولم تقدر أن تبوح له بالذي يجيش في أعماقها حول رسالة الماضي وأماني المستقبل، ظلا صامتين وكبرياء الحب يعلن عن انتصار العشق كوديعة لحفظ زخرفة التكوين في زرع الحبق والغار.

 قالت لها أمها تبحث عن شهيق الأرض الخضراء:

- يهديك السلام.

  أرادت أن تبحث عن استواء الشهور والسنين، عن مزارات النجوم وأفلاك الوعد، كانت النار متقدة والأحزان تحبو مثل طفل رضيع ترفع سلكا مدبباً فوق آخر حتى غامت الرؤى.

 كانت كل شيء في حياته وأصبح هو مجرد حلم لم تعد تشاهده حتى حين تنام، أخذها واقع الصهيل الجديد نحو السهر وحمى النفاث، وشموع أعياد ميلادها سنة وراء سنة تصل الهوى بالنسيم المسافر منها، وحين يلتقي بأمها يكرر ذلك السؤال:

- كيف الحال؟

  تتكور قوافي الكلمات لعسل السؤال وهي تبارك بصمت الحب الحي في قلب العاشق النظيف وتحاول
  أن تقول شيئاً لكن المستحيل لا يصنع من السحاب غيثاً، والأرض لا تقترن بالسماء، وفي انبهار الدهشة يطبع قبلة على رأسها ليشم رائحة العطر المسكون في جداول الذاكرة منذ سنين، فتبتسم في وجهه وتبادله القبلة ذاتها وهي على يقين من أنها فهمت القصد.

   لا تشرق الشمس من بوابة القلب إنها تنعطف نحو المغيب فلقد زادتها السنون انشغالاً وضمدت شهور انتظارها بحزن لم يعد ظاهراً لأنها أصبحت أماً، لم يكن الأمر بيدها كانت طوع رغبة أبيها الذي قال لها في حزم وبصرامة:

-       إنه ما يزال طالباً في الجامعة، ودربه شاق وطويل عدا ذلك فهو فقير.

أرغمها القرار على الامتثال لكنوز السراب الذي لم يمنحها سوى أطلال من الحلم الكاذب وأمام وجودها بين سنابل الحمل والرضاع طارت أمانيها الذاتية وحلقت في قلب آخر، قلب استطاع أن يحوز على الاسم والمكانة من دون أن يقدر على اختراق عواصف العشق الأفلاطوني، لقد ظل الذي كان طفلاً يحلم أن يكون في زمن ما شخصاً ما، إنساناً ما، قادراً على الوفاء للذكرى وكلما التقى بمصادفة أو غير مصادفة بأم الحبيبة طبع قبلة على رأسها كأنه يسترد بعضاً من حقه الذي ضاع!!

2/ 4/ 2005