:وهذه الآية الكريمة
تؤكد قضيتين هامتين في الإطار الحضاري الإنساني
الأولى:
أن الله تعالى، قد خلق الناس شعوباًَ وقبائل لكي يتعارفوا، وليس لكي
يتخاصموا، وهكذا فإن الحضارة الإسلامية في محكم الآيات القرآنية تدعو إلى
الحوار الحضاري وليس إلى الصراع الحضاري، وتؤكد أن الإسلام يعترف بالشعوب
الأخرى وعقائدها وحضاراتها
والثانية: أن الله
تعالى يؤكد أن أكرم الناس عند الله هو اتقاهم وليس أبيضهم أو أسودهم أو
أغناهم أو أشرفهم نسباً
وهاتان القضيتان تبرزان
بوضوح الفهم الإنساني العميق لدى الحضارة الإسلامية لحقائق الوجود البشري
وقد انطلقت استراتيجية
التعامل الحضاري في التاريخ الإسلامي من هذا المفهوم، فلم يقم المسلمون
بإجبار الآخرين على تغيير معتقدهم، ولا يذكر التاريخ أن فترة أو حاكماً أو
مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي شهدت عمليات إرهاب ديني أو قمع مذهبي. ويؤكد
هذا وجود عدد من الأديان والطوائف والمذاهب تمتعت بحرياتها خلال المراحل
المختلفة لحكم الإسلام عبر أربعة عشر قرناً
وإذا أردنا تتبع الآيات القرآنية في هذا الميدان لرأيناها أكثر من أن تحصى،
ومن شواهدها قوله تعالى لا إكراه في الدين
"ادع إلى سبيل ربك
بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن"
ومن جهة ثانية أكد
القرآن الكريم على ضرورة وحدة الصف وتضامن المؤمنين في سائر مواقفهم تحقيقاً
لوحدتهم وتتويجاً لمصالحهم المشروعة
:قال تعالى
"إنما المؤمنون إخوة"
"واعتصموا بحبل الله
جميعاً ولا تفرقوا"
"وتعاونوا على البر
والتقوى"
"كنتم خير امة
تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر"
* * *
جـ- وفي الحديث الشريف
دعوة إلى التكافل بين المؤمنين، ودعوة إلى معاملة الناس بالحسنى، وإلى رصّ
الصفوف والتناصح والحرص على المصلحة العامة، ونبذ الخصومات، والإصلاح بين
الناس، ومساعدتهم
(ومما ورد في الحديث
الشريف تدليلاً على هذه المعاني قوله (ص
"الدين النصيحة" – رواه
مسلم-
"لا يؤمن أحدكم حتى يحب
لأخيه ما يحب لنفسه" –متفق عليه-
"لا ضرر ولا ضرار" –
رواه ابن ماجه والدارقطني-
"لا يحلّ لرجل أن يروّع
مسلماً" – رواه الطبراني-
"أبغض الرجال إلى الله
الألد الخَصِم" – متفق عليه-
"من لم يهتمّ بأمر
المسلمين فليس منهم" – الطبراني-
"من لا يرحم الناس لا
يرحمه الله" – متفق عليه-
"المسلم أخو المسلم، لا
يخونه، ولا يكذبه، ولا يخذله"- الترمذي-
"المسلمون شركاء في
ثلاث: الماء والكلأ والنار"- أبو داود-
"إن أمتي لن تجتمع على
ضلالة، فإذا رأيتم اختلافاً، فعليكم بالسواد الأعظم" – ابن ماجه-
"إن المرء كثير بأخيه"
– ابن سعد-
لا تباغضوا ولا
تحاسدوا، ولا تدابروا ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحلّ لمسلم
أن يهجر أخاه فوق ثلاث" متفق عليه-
"كلكم راع وكلكم مسؤول
عن رعيته"- متفق عليه-
- "إن قوماً ركبوا في
سفينة فاقتسموا، فصار لكل رجل منهم موضع، فنقب أحدهم موضعه بفأس، قالوا: ما
تصنع؟!.. قال: هو مكاني أصنع به ما أشاء، فإن أخذوا على يده نجا ونجوا، وإن
تركوه هلك وهلكوا" – البخاري
"مثل المؤمنين في
توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له
سائر الجسد بالسهر والحمى" – متفق عليه-
:وهكذا نجد أن هذه
الأحاديث الشريفة تكرس قيماً نبيلة يمكن إيجازها فيما يلي
الدعوة إلى وحدة الصف
وعدم التنابذ والتخاصم-
الدعوة إلى التعاون
والتكافل بين أبناء المجتمع حرصاً على المصلحة العامة-
الدعوة إلى التشاور
وتغليب الرأي العام على المصالح الخاصة-
الدعوة إلى المودة
والأمن والسلام والتسامح -
وهذه القيم سارت عليها
خطوات الحضارة الإسلامية عبر تاريخها الطويل وأرستها سلوكاً عاماً ورسمياً
وفردياً
* * *
د-وإذا نحن استعرضنا
جوانب عامة من سمات الحضارة الإسلامية لرأينا أنها امتازت – عبر تاريخها
ومناطقها الكثيرة – :بمزايا عدة جعلت منها مناراً إنسانياً
رفيعاً. ولعل أبرز هذه المزايا
1-
التسامح وسعة
الأفق واستيعاب كل الحضارات والتيارات الفكرية السابقة
2-
المرونة العقلانية التي
تعاملت بها مع التيارات الداخلية فيها، من سنة وشيعة ومعتزلة وأشاعرة...وما
يتضمنه ذلك من فرق ومدارس شتى. ومن جهة أخرى ما تعاملت به هذه الحضارة مع
الحضارات الأخرى. ونلاحظ هذه المرونة والعقلانية في جملة الآيات والأحاديث
التي تدعو إلى إعمال العقل واحترامه
3-
احترام الآخر وإفساح
المجال لإبداء رأيه والتعامل معه على قدر كبير من الحرية الفكرية. وتشهد
مجالس الخلفاء والأمراء والسلاطين على مدى ما كان يجري فيها من مناقشات بين
أفكار ومذاهب وآراء وتيارات...في إطار غلب عليه احترام الآخر وعدم رفضه وعدم
قمعه. والدليل على ذلك استمرار أكثر تلك التيارات والمذاهب حية حتى اليوم
4-
التكافل في صوره
الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية بما يتضمنه ذلك من نظام مالي قائم على
الزكاة والضرائب المدروسة والتوجه نحو العدالة الاجتماعية التي تشمل طبقات
المجتمع وفئاته المتباينة. "إن الله يحب المقسطين" . وذلك بغض النظر عن لون
بشرة الناس وعرقهم ومذهبهم
5-
الحث على التشاور وعدم
اتخاذ القرارات الفردية، وهذا تأكيد على دور التضامن في المجتمع. "وأمرهم
شورى بينهم"
"وشاورهم في الأمر"
6-إن التضامن والتكافل
يقتضي أن يتحلى المجتمع بالرفق والعلاقات الإنسانية. ولذا نجد القدوة والمثل
في دعوة القرآن :الكريم للرسول (ص) لأن يكون نموذجاً في سلوكه الرحيم الليّن
العطوف الذي يقوّي أواصر التفاهم والتضامن
"فبما رحمة من الله لنت
لهم، ولو كنت فظاً غليظ القلب، لانفضّوا من حولك"
* * *
* * *
وإذا نحن حاولنا تتبع
الأثر الذي تركه الشيخ محي الدين بن عربي في الفكر الإنساني لكان ذلك بحاجة
إلى جهد ووقت :أكبر من المتاح الآن. ونكتفي ببعض الأمثلة
1- يرى
المستشرق الأسباني خوان ريبيرا أن محي الدين بن عربي قد أثر بشكل واضح في
فلسفة رايموندو لوليو. والذي يتصفح كتابات لوليو يجده يتكئ في كثير من
الأشياء على الشيخ محي الدين
175 ذخائر الأعلاق
تحقيق الشنقيري 1995
2-يرى
المستشرق الأسباني آسين بلاثيوس أن ابن عربي قد ترك أثراً كبيراً في كتابات
دانتي في كتابه: "الكوميديا الإلهية ويتابعه في ذلك كثيرون. وقد أفردنا
جدولاً مفصلاً لهذا التأثير وبخاصة في كتاب الفتوحات المكية وكتاب رحلة إلى
مملكة الله
3- يرى المستشرق الياباني ايزوتسو أن التاوية وتطورها قد تأثرت بفكر
ابن عربي في المجالات الفلسفية والصوفية والمعرفية والتوحيد والحق المطلق
والإرادة. ص 18 ذخائر الأعلاق
4- تأثر
سبينوزا بموضوع وحدة الوجود عند ابن عربي كما تأثر بموضوع التوفيق بين
الحقيقة الفلسفية والحقيقة المعرفية عند ابن رشد وقد أوضح د.إبراهيم مدكور
تفاصيل وجزئيات دقيقة مقارنة بين ابن عربي وسبينوزا. "وحدة الوجود بين ابن
عربي وسبينوزا" القاهرة،1972
"تأثر "ليبنتز" بفكر
ابن عربي، ويمكن ملاحظة ذاك بمقارنة بسيطة. "محمود قاسم- القاهرة، 1972
* * *
إن الشيخ الأكبر محي
الدين بحياته ورحلاته ومؤلفاته يمثل الإطار الحضاري الواسع للبحر المتوسط
فهو قد ولد في مرسية،
في أقصى غرب المتوسط، لأسرة ذات أصل عربي صريح ينتهي إلى طيء. وانتهت حياته
في أقصى شرق المتوسط في دمشق، بعد سيرة حافلة بالرحلات العلمية طاف خلالها
كثيراً من مدن العالم الهامة في عصره. وكأنه بهذه الحياة وهذه الرحلات قد ربط
شرق المتوسط بغربه رغم الحروب الطاحنة والخلافات العميقة والأحقاد المتراكمة
على مرّ التاريخ
وينطلق ابن عربي من
رؤية عامة شاملة للإنسان، رؤية تحترم الإنسان بغض النظر عن عرقه ولونه
ومذهبه. والإنسان خليفة الله على الأرض" وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في
الأرض خليفة" البقرة 30. والخلافة رتبة كمالية لا يحوزها إلا الوجود الإنساني
كما يقول ابن عربي في فتوحاته، وهو لذلك يرفض فكرة أن الإنسان حيوان ناطق، أو
يقول: إن هذه العبارة تنطبق على الجماد والنبات والحيوان، والإنسان مزاج خاص.
والمزاج الخاص هو الإنسان الحي العاقل الذي يفضل بقية
الخلق "الفتوحات المكية" 2/642
نه الإنسان الذي خاطبه
ربه قائلاً: [ يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك ]
(الانفطار 6-7
فالإنسان لدى ابن عربي
يجمع العالم في شخصه، فالعالم إنسان كبير. والإنسان عالَم مختصر "الفتوحات
2/124
وانطلاقاً من ذلك كانت
فكرة حب الإنسان للإنسان لدى ابن عربي تجسيداً لرؤيته أن الإنسان مخلوق تولّد
من تزاوج الروح الكلي والطبيعة الكلية، فالروح أبوه والطبيعة أمه "الفتوحات
2/354
ويبلغ الأفق الإنساني
سموه الفكري والعرفاني في موضوع وحدة الوجود لدى ابن عربي. فهذه القضية هي
بحر الوجود الزاخر الذي لا ساحل له، وهي من حيث ذاتها" الحق". وهي من حيث
صفاتها وأسماؤها " الخلق" فهي إذاً الحق والخلق، والأول والآخر، والقديم
والحادث
وعلى الرغم من وجود هذه
العبارة في مصطلحات الصوفية قبل ابن عربي، فإن ابن عربي هو الذي أرسى دعائم
هذه :الفكرة وبلورها وبخاصة في كتابه فصوص الحكم
|
فالحق خلق بهذا الوجه فاعتبروا
جمّع وفرّق فإن العين واحدة
|
|
وليس خلقاً بهذا الوجه فادّكروا
وهي الكثيرة لا تبقي ولا تذر
|
* * *
إن الشيخ الأكبر محي
الدين بن عربي، ابن مرسيّه والأندلس، والراقد في دمشق، إنما هو تجسيد لرؤية
حضارية ربطت بين جانبي المتوسط في أفق متسامح غني عميق. أفق يجب أن يقوم على
الفهم المتبادل والاحترام المتبادل لكي تتحقق مقولة الشيخ الأكبر في رؤيته
الرفيعة للإنسان
ثالثاً:في
الأدب والإبداع والتراث
منذ العصر
الجاهلي نجد ظاهرة التكافل لدى بعض الشعراء، زُهم بذلك يخرجون عن نطاق
التكافل القبلي الضيق إلى أفق :إنساني أرحب، كما هو شان بعض الشعراء
الصعاليك، ويمثلهم عروة بن الورد في قوله
|
وإني امرؤ عا في إنائي شركة
أتهزأ مني إن سمنت وان ترى
أفرّق جسمي في جسوم كثيرة
|
|
وأنت امرؤ عا في إنائك واحد
بجسمي شحوب الحق، والحق جاهد
وأحسو قراح الماء والماء بارد
|
وهذا معنى إنساني رفيع
يدل على أسمى درجات التضامن الاجتماعي، فالشاعر رغم قلة ما بيده، فإنه حريص
على إشراك الآخرين في طعامه، ولو بقي ضامراً نحيلاً
ويعتبر زهير بن أبي
سلمى مثالاً للشاعر الإنسان في سعة أفقه وبعد نظره وحكمته المتوازنة، ودعوته
إلى السلم بين عبس :وذبيان بعد حرب داحس المريرة، ومديحه من سعى إلى هذا
السلم
|
تداركتما عبساً وذبيان بعدما
وقد قلتما: إن ندرك السلم واسعاً
|
|
تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم
بمال ومعروف من الأمر نسلم
|
:ويختتم قصيدته الرائعة بحكمه الإنسانية الرائعة. ومنها
قوله
|
ومن لا يصانع في أمور كثيرة
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله
ومن يجعل المعروف من دون عرضه
|
|
يضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم
على قومه يُسْتغنَ عنه ويذمم
يفره، ومن لا يتق الشتم يشتم
|
إنها الدعوة إلى إنسان
مثالي مرن عقلاني صاحب فضل يساعد قومه ويتضامن معهم ويبذل لهم المعروف، ويحرص
على سمعته النبيلة في أوساط مجتمعه
:ونلمح هذا البعد
الإنساني لدى الشاعر قريط بن أنيف في قوله
|
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة
كان ربك لم يخلق لخشيته
|
|
ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
ومن إساءة أهل السوء إحسانا
سواهم من جميع الناس إنسانا
|
ويأخذ التكافل والتضامن بعداً عربياً واضحاً في ساعة الشدة.
فأبو الفرج يروي في كتابه الأغاني أبياتاً ينسبها إلى حسان بن :تبع لحميري
وهو يفخر بعروبته وبجيشه المقاوم للنفوذ الفارسي والنفوذ الرومي
|
أيها الناس إن رأيي يريني
بالعوالي وبالقنابل تردي
وبجيش عرمرم عربيّ
من تميم وخندف وإيادٍ
|
|
وهو الرأي، طوفة بالبلاد
بالبطاريق مشية العوّاد
جحفل يستجيب صوت المنادي
والبهاليل حِميرٍ ومرادِ
|
وهذان النصّان من العصر
الجاهلي يدلان على الروح المبكرة للتضامن العربي في وجه العدوان الخارجي
ولعل المثال الأبرز ما
قيل من شعر في معركة "ذي قار" التي انتصر فيها العرب متضامنين على الفرس.
ويمثل الأعشى طليعة الشعراء الذين تغنوا بهذا النصر، وامتدحوا التضامن،
وأرادوا المزيد منه بين العرب لتحقيق انتصارات أكبر. يقول :الأعشى
|
وجند كسرى غداة الحِنوْ صبّحهم
جحاجح وبنو مُلْك غطارفة
إذا أمالوا إلى النشاب أيديهم
وخيل بكر فما تنفكُّ تطحنهم
لو أن كل معدّ كان شاركنا
|
|
منا كتائب تزجي الموت فانصرفوا
من الأعاجم في آذانها النطف
ملنا ببيض فظل الهام يُختطف
حتى تولوا، وكاد اليوم ينتصف
في يوم ذي قار ما أخطاهم الشرف
|
إن البيت الأخير لدى
الأعشى يمثل الوعي المبكر بضرورة التضامن بين القبائل العربية في المحن
المشتركة لتحقيق نصر على العدو. وهو يشير بتأنيب خفي إلى الذين لم يشاركوا في
تلك المعركة تهيباً من لقاء الفرس
كما نلاحظ يقظة هذا
التضامن العربي لدى احتلال الأحباش لليمن، ثم محاولتهم غزو مكة وهدم الكعبة
بقيادة أبرهة
وقد تصدت عدة قبائل
لجيش أبرهة قبل وصوله إلى مكة. فلقد انبرى له ذو نفر اليمني ولكنه هزم كما
انبرى له نفيل
الخثعمي، ثم مسعود الثقفي، فلم يتمكنا من صده. حتى إذا وصل إلى حصار مكة خرج
إليه عبد المطلب يقول لأبرهة:" إن "للبيت رباً سيمنعه، فأجاب أبرهة: ما كان
ليمنع مني، فقال له عبد المطلب:" آنت وذاك
:وقصد
عبد المطلب إلى الكعبة واخذ بحلقة بابها، وأنشد
|
يا رب لا أرجو لهم سواكا
إن عدو البيت من عاداكا
|
|
يا رب فامنع منهم حماكا
امنعهم أن يخربوا قراكا
|
* * *
وفي العصر
الجاهلي نفسه نجد كيف أن التكافل الإنساني كان مدعاة للفخر لدى الشعراء الذين
تغنوا بالوفاء والأخوة :والتضامن الدائم. ومثال ذلك قول معد بن أوس المزني
|
وإني أخوك الدائم العهد لم أحل
أحارب من حاربت من ذي قرابة
وإن سؤتني يوماً صفحت إلى غد
كأنك تشفي منك داءً مخامراً
ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني
|
|
إذا حال دهر أو نبا بك منزل
فأحبس مالي إن غرمت فأعقل
ليعقب يوماً منك آخر مقبل
أذاتي وما في نيتي لك معضل
يمينك، فانظر أيَّ كف تبدل |
:وفي معنى
قريب من ذلك، يقول عدي بن زيد العبادي
إنه الإنسان الذي خاطبه
ربه قائلاً: [ يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك ]
(الانفطار 6-7
فالإنسان لدى ابن عربي
يجمع العالم في شخصه، فالعالم إنسان كبير. والإنسان عالَم مختصر "الفتوحات
2/124
وانطلاقاً من ذلك كانت
فكرة حب الإنسان للإنسان لدى ابن عربي تجسيداً لرؤيته أن الإنسان مخلوق تولّد
من تزاوج الروح الكلي والطبيعة الكلية، فالروح أبوه والطبيعة أمه "الفتوحات
2/354
ويبلغ الأفق الإنساني
سموه الفكري والعرفاني في موضوع وحدة الوجود لدى ابن عربي. فهذه القضية هي
بحر الوجود الزاخر الذي لا ساحل له، وهي من حيث ذاتها" الحق". وهي من حيث
صفاتها وأسماؤها " الخلق" فهي إذاً الحق والخلق، والأول والآخر، والقديم
والحادث
وعلى الرغم من وجود هذه
العبارة في مصطلحات الصوفية قبل ابن عربي، فإن ابن عربي هو الذي أرسى دعائم
هذه :الفكرة وبلورها وبخاصة في كتابه فصوص الحكم
|
فالحق خلق بهذا الوجه فاعتبروا
جمّع وفرّق فإن العين واحدة
|
|
وليس خلقاً بهذا الوجه فادّكروا
وهي الكثيرة لا تبقي ولا تذر
|
* * *
إن الشيخ الأكبر محي
الدين بن عربي، ابن مرسيّه والأندلس، والراقد في دمشق، إنما هو تجسيد لرؤية
حضارية ربطت بين جانبي المتوسط في أفق متسامح غني عميق. أفق يجب أن يقوم على
الفهم المتبادل والاحترام المتبادل لكي تتحقق مقولة الشيخ الأكبر في رؤيته
الرفيعة للإنسان
ثالثاً:في
الأدب والإبداع والتراث
منذ العصر
الجاهلي نجد ظاهرة التكافل لدى بعض الشعراء، زُهم بذلك يخرجون عن نطاق
التكافل القبلي الضيق إلى أفق :إنساني أرحب، كما هو شان بعض الشعراء
الصعاليك، ويمثلهم عروة بن الورد في قوله
|
وإني امرؤ عا في إنائي شركة
أتهزأ مني إن سمنت وان ترى
أفرّق جسمي في جسوم كثيرة
|
|
وأنت امرؤ عا في إنائك واحد
بجسمي شحوب الحق، والحق جاهد
وأحسو قراح الماء والماء بارد
|
وهذا معنى إنساني رفيع
يدل على أسمى درجات التضامن الاجتماعي، فالشاعر رغم قلة ما بيده، فإنه حريص
على إشراك الآخرين في طعامه، ولو بقي ضامراً نحيلاً
ويعتبر زهير بن أبي
سلمى مثالاً للشاعر الإنسان في سعة أفقه وبعد نظره وحكمته المتوازنة، ودعوته
إلى السلم بين عبس :وذبيان بعد حرب داحس المريرة، ومديحه من سعى إلى هذا
السلم
|
تداركتما عبساً وذبيان بعدما
وقد قلتما: إن ندرك السلم واسعاً
|
|
تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم
بمال ومعروف من الأمر نسلم
|
:ويختتم قصيدته الرائعة بحكمه الإنسانية الرائعة. ومنها
قوله
|
ومن لا يصانع في أمور كثيرة
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله
ومن يجعل المعروف من دون عرضه
|
|
يضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم
على قومه يُسْتغنَ عنه ويذمم
يفره، ومن لا يتق الشتم يشتم
|
إنها الدعوة إلى إنسان
مثالي مرن عقلاني صاحب فضل يساعد قومه ويتضامن معهم ويبذل لهم المعروف، ويحرص
على سمعته النبيلة في أوساط مجتمعه
:ونلمح هذا البعد
الإنساني لدى الشاعر قريط بن أنيف في قوله
|
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة
كان ربك لم يخلق لخشيته
|
|
ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
ومن إساءة أهل السوء إحسانا
سواهم من جميع الناس إنسانا
|
ويأخذ التكافل والتضامن بعداً عربياً واضحاً في ساعة الشدة.
فأبو الفرج يروي في كتابه الأغاني أبياتاً ينسبها إلى حسان بن :تبع لحميري
وهو يفخر بعروبته وبجيشه المقاوم للنفوذ الفارسي والنفوذ الرومي
|
أيها الناس إن رأيي يريني
بالعوالي وبالقنابل تردي
وبجيش عرمرم عربيّ
من تميم وخندف وإيادٍ
|
|
وهو الرأي، طوفة بالبلاد
بالبطاريق مشية العوّاد
جحفل يستجيب صوت المنادي
والبهاليل حِميرٍ ومرادِ
|
وهذان النصّان من العصر
الجاهلي يدلان على الروح المبكرة للتضامن العربي في وجه العدوان الخارجي
ولعل المثال الأبرز ما
قيل من شعر في معركة "ذي قار" التي انتصر فيها العرب متضامنين على الفرس.
ويمثل الأعشى طليعة الشعراء الذين تغنوا بهذا النصر، وامتدحوا التضامن،
وأرادوا المزيد منه بين العرب لتحقيق انتصارات أكبر. يقول :الأعشى
|
وجند كسرى غداة الحِنوْ صبّحهم
جحاجح وبنو مُلْك غطارفة
إذا أمالوا إلى النشاب أيديهم
وخيل بكر فما تنفكُّ تطحنهم
لو أن كل معدّ كان شاركنا
|
|
منا كتائب تزجي الموت فانصرفوا
من الأعاجم في آذانها النطف
ملنا ببيض فظل الهام يُختطف
حتى تولوا، وكاد اليوم ينتصف
في يوم ذي قار ما أخطاهم الشرف
|
إن البيت الأخير لدى
الأعشى يمثل الوعي المبكر بضرورة التضامن بين القبائل العربية في المحن
المشتركة لتحقيق نصر على العدو. وهو يشير بتأنيب خفي إلى الذين لم يشاركوا في
تلك المعركة تهيباً من لقاء الفرس
كما نلاحظ يقظة هذا
التضامن العربي لدى احتلال الأحباش لليمن، ثم محاولتهم غزو مكة وهدم الكعبة
بقيادة أبرهة
وقد تصدت عدة قبائل
لجيش أبرهة قبل وصوله إلى مكة. فلقد انبرى له ذو نفر اليمني ولكنه هزم كما
انبرى له نفيل
الخثعمي، ثم مسعود الثقفي، فلم يتمكنا من صده. حتى إذا وصل إلى حصار مكة خرج
إليه عبد المطلب يقول لأبرهة:" إن "للبيت رباً سيمنعه، فأجاب أبرهة: ما كان
ليمنع مني، فقال له عبد المطلب:" آنت وذاك
:وقصد
عبد المطلب إلى الكعبة واخذ بحلقة بابها، وأنشد
|
يا رب لا أرجو لهم سواكا
إن عدو البيت من عاداكا
|
|
يا رب فامنع منهم حماكا
امنعهم أن يخربوا قراكا
|
* * *
وفي العصر
الجاهلي نفسه نجد كيف أن التكافل الإنساني كان مدعاة للفخر لدى الشعراء الذين
تغنوا بالوفاء والأخوة :والتضامن الدائم. ومثال ذلك قول معد بن أوس المزني
|
وإني أخوك الدائم العهد لم أحل
أحارب من حاربت من ذي قرابة
وإن سؤتني يوماً صفحت إلى غد
كأنك تشفي منك داءً مخامراً
ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني
|
|
إذا حال دهر أو نبا بك منزل
فأحبس مالي إن غرمت فأعقل
ليعقب يوماً منك آخر مقبل
أذاتي وما في نيتي لك معضل
يمينك، فانظر أيَّ كف تبدل
|
:وفي معنى
قريب من ذلك، يقول عدي بن زيد العبادي
|
وما بدأت خليلاً لي أخا ثقةً
يأبى لي الله خون الأصفياء وإن
|
|
بريبة، لا وربّ الحلّ والحرم
خانوا ودادي، لأني حاجزي كرمي
|
* * *
وكان من الطبيعي أن
تتطور معاني التكافل والتضامن في الأدب والشعر عقب الدعوة الإسلامية، وأن
تغدو المعاني الدينية الجديدة موضع هذا التكافل، مع استمرار الروح القديمة
بصورة أو بأخرى
ولعل أبرز مثال على
المعاني الجديدة مندمجة في المعاني القديمة، قول الشاعر قيس بن المكشوح
المرادي الذي قتل
:رستم في معركة القادسية
|
جلبت الخيل من صنعاء تردى
إلى وادي القرى فديار كلب
وجئن القادسية بعد شهر
وقد أبلى الإله هناك خيراً
|
|
بكل مدجج كالليث سام
إلى اليرموك فالبلد الشآم
مسومةً دوابرها دوامي
وفعل الخير عند الله نامي
|
إن في هذه الأبيات
شبهاً من أبيات الأعشى في معركة ذي قار، والافتخار بالتضامن العربي، ولكننا
هنا أمام نفحة إيمانية جديدة تقول إن الفضل من عند الله، كما أشار في البيت
الأخير. كما أن هناك فخراً بانتصارات المسلمين في الشام واليرموك وسواها
وتبلورت هذه المعاني
الدينية بوضوح أكبر ليغدو الإسلام هو الرابطة الجامعة الضامنة الكافلة، وليس
الروح القبلية أو الإقليمية. يقول الشاعر ثابت قطنة من شعراء العصر الأموي
|
المسلمون على الإسلام كلهم
وما قضى الله من أمر فليس له
|
|
والمشركون أشتوا دينهم قِددا
ردّ، وما يقض شيء يكن رشدا |
* * *
ويأخذ أدب
التكافل الاجتماعي صوراً مختلفة، منها ما شكاه الشاعر المعروف باسم الراعي
إلى عبد الملك بن مروان من جور ولاته في جباية الأموال، طالباً منه أن ينصف
الناس ويستمع إلى ظلاماتهم
|
أبلغ أمير المؤمنين رسالة
أخليفة الرحمن إنا معشر
عرب نرى لله في أموالنا
إن السعاة عصوك يوم أمرتهم
فادفع مظالم عيّلت أبناءنا |
|
تشكو إليك مضلة وعويلا
حنفاء نسجد بكرة وأصيلا
حقّ الزكاة منزلاً تنزيلاً
وأتوا دواهي لو علمت وغولا
عنا وأنقذ شلونا المأكولا |
* * *
لقد حفل الأدب العربي
شعره ونثره بمظاهر شتى من صور التكافل في الميادين السياسية والجهادية
والاجتماعية، ولا يتسع المجال لإعطاء هذه الميادين حقها من الدراسة
فلقد أفرزت العصور
الإسلامية المتلاحقة أحداثاً جساماً واكبها الأدباء، وبخاصة في فترات
المقاومة ضد الغزاة البيزنطيين والتتار والصليبيين. كما كان لكل هذه الفترات
شعراؤها وأدباؤها وكتابها وخطباؤها في المشرق والمغرب
وبرز في مجال التكافل
الإنساني أدباء خُلدت أسماءهم على مرّ الدهور مثل أبي العتاهية وأبي العلاء
المعري
وأبو العتاهية في
تصويره حالة مجتمعه كان يقدم صورة مثلى عن تضامنه مع هذا المجتمع، ويقوم بدور
الإعلامي الناجح الذي ينقل تلك الصورة إلى المسؤولين ليعالجوها. ومن ذلك قوله
|
من مبلغ عن الإمام
إني أرى الأسعار
وأرى المكاسب نزرة
وأرى هموم الدهر
وأرى اليتامى والأرامل
يشكون مجهدة بأصوات |
نصائحاً متواليه
أسعار الرعية غالية
وأرى الضرورة فاشية
رائحة تجيء وغادية
في البيوت الخاليه
ضعاف عاليه |
:أما المعري فيبلغ أفقه الإنساني مداه في قوله
|
ولو أني حبيت الخلد فرداً
فلا هطلت علي ولا بأرضي
ولو أن النجوم لديّ مال |
لما أحببت بالخلد انفرادا
سحائب ليس تنتظم البلادا
نفت كفاي أكثرها انتقادا |
ولا شك أن هذه الأبيات
تمثل قمة التكافل الإنساني والإيثار بمعانيه السامية. وهو في الوقت نفسه من
عيون الشعر العربي، .ومن أبدع ما نظمه أبو العلاء المعري
* * *
أما التضامن وقت
الأزمات الكبرى، فنكتفي بإيراد مثالين له، أحدهما من فترة الحروب الصليبية في
المشرق، وآخر من فترة الحروب الصليبية في الأندلس والمغرب
وقد استطاع عماد الدين
الزنكي في المشرق أن ينسق العمل الجهادي بين حلب والموصل، وتمكن إثر ذلك من
تحرير "الرها" وطرد الصليبيين منها بعد احتلال دام ستة وأربعين عاماً. وكان
ذلك التحرير منعطفاً هاماً في تحول تلك الحروب من مرحلة الدفاع لدى المسلمين
إلى مرحلة الهجوم والبدء بتصفية الاحتلال الأوربي. وفي تحرير الرها أنشدت
قصائد :كثيرة منها قصية القيسراني قال فيها
|
حذار منا وأنّى ينفع الحذر
وأين ينجو ملوك الشرك من ملك
حتى إذا ما عماد الدين أرهصهم
فلا تخف بعدها الإفرنج قاطبة
حتى تعود ثغور الشام ضاحكة
ردّت إلى حلب الشهباء بهجتها |
وهي الصوارم لا تبقي ولا تذر
من خيله النصر لا بل جنده القدر
في مأزق من سناه يبرق البصر
فالقوم إن نفروا ألوى بهم وزر
كأنما حلّ في اكنافها "عُمَرُ"
بعد الرها ومشى في عرسها الظفر |
* * *
أما في الجناح المغربي
من العالم الإسلامي، فقد جندت أوربا قواها لإخراج المسلمين من الأندلس، وبدأت
حروب طويلة دامت أكثر من أربعة قرون بدءاً من سقوط طليطلة 1085م حتى سقوط
غرناطة 1492م. وخلال ذلك كان الشعر والأدب يواكب الكوارث النازلة بالحواضر
الإسلامية، ويحث على المقاومة، ويستصرخ همم الأخوة عبر البحر ليتضامنوا مع
إخوانهم المنكوبين في الأندلس. وقد نشأ ما يمكن أن ندعوه شعر المقاومة. وبرز
شعراء لامعون من أمثال: السميسر، وأبي البقاء الرندي، وأبي الحسن بن الجدّ؟،
والوقشي، وابن طفيل، وابن الأبّار، ولسان الدين بن الخطيب، وسواهم
ونكتفي بمثال من شعر
ابن طفيل يحث فيه على توحيد الصفوف لمواجهة العدو، وتضامن الجهود، مستخدماً
إثارة المشاعر الدينية والقومية والتاريخية
|
أفرسان قيس من هلال بن عامر
وقوموا لنصر الدين قومة ثائر
بكم نصر الإسلام بدءاً فنصره
فقوموا بما قامت أوائلكم به |
وما جمعت من طاعن ومضارب
وفيئوا إلى التحقيق فيئة راغب
عليكم، وهذا عوده جدُّ واجب
ولا تغفلوا إحياء تلك المناقب |
