الصحة وتدبيرها وما كتب فيها :

سليمى محجوب


         يبدو من هذا التصنيف الدقيق لأنواع الأطعمة أن علم الأغذية والأدوية عند العرب قد قطع أشواطاً في التقدم . ليس لدى الأطباء فقط ، بل شغل العلماء والمؤلفين أيضاً . فقد أفردوا لها أبواباً خاصة في كتبهم أدرجوها في باب ((تدبير الصحة )). أو تحت عنوان (( سياسة الأبدان بما يصلحها من ألوان الطعام )) . ويكاد لا يخلو مؤلف منها . كما فعل ابن قتيبة ، وابن عبد ربه ، والطبري ، وابن خلدون وغيرهم .

من هذه المؤلفات التي تعتبر ثروة في الثقافة الغذائية الدوائية أذكر بالإضافة إلى كتاب الرازي (( منافع الأغذية ودفع مضارها)) كتاب ((منهاج الدكان فيما يستعمله الإنسان )) لابن جزلة ([1]) . وهو كتاب في مفردات الطب ذكر مؤلفه أسماء الأغذية مقرونة بأسماء المفردات والمصطلحات الطبية المختلفة.

كما وصف المفردات والأعشاب الطبية مه بيان خواصّها ومنافعها ، وطرق استعمالها ومقادير هذا الاستعمال بدقة . والكتاب يمثل ما وصلت إليه الثقافة الطبية في تجربة الأدوية والأغذية مفردة ومركبة في القرنين الخامس والسادس الهجريين في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية .

        ومن هذه الكتب أذكر أيضاً كتاب (( الطبيخ وإصلاح الأغذية المأكولات ، وطيب الأطعمة المصنوعات مما استخرج من كتب الطب وألفاظ الطهاة وأهل الّلب )) .([2]) لمؤلفه ابن سيار الوراق .

وكما يبدو من هذه التسمية الفسيحة والمسجوعة نستشف مسايرة الغذاء للدواء واقترانهما في معظم المؤلفات .

        كذلك يمتزج الحديث عن الغذاء والطب والصيدلة في كتاب (( منهاج الدّكان ودستور الأعيان في أعمال وتركيب الأدوية النافعة للأبدان )) لمؤلفه ابن أبي نصر العطار .

لقد ذكر الهدف من تأليفه في مقدمة الكتاب حيث يقول (( فإني رمت مجموعاً يكون جامعاً جميع أغراضي ، كافياً في جميع ما يحتاج إليه الراغب في تحصيل الإحاطة بكمال ما هو بصدده ... فيما هو مشتمل به من صناعة الصيدلة.

إذ كانت هذه الصناعة أشرف الصنائع بعد صناعة الطب ، إذ كانت آلة لصناعة الطب التي موضعها النظر في بدن الإنسان من حيث حفظ صحته إن كانت موجودة ، أو ردّها إن كانت مفقودة .

ذلك إنما يكون بالأدوية المفردة والمركبة والأغذية المألوفة . وقد ذكرت فيه قانون عمل الأشربة جملة . ومثل هذا إنما يكون مع من له عناية بالطب ، وإما عطّار أو شرابيّ )) ([3]) .

        والأشربة التي يذكرها ابن أبي نصر العطار هي مركبات صيدلانية قوامها مواد غذائية منها مثلاً : رب السفرجل ، ورب الجوز ، وفي فصل المربيات يذكر: تفاح مربى ، وسفرجل مربى ، وأترج مربى . وكلها كما نلاحظ هي أطعمة تدخل في صنع الدواء الشافي مما يؤكد المقولة السابقة في عدم الانتقال في العلاج من الغذاء إلى الدواء إلا حين تعذره


1 -  هو أبو علي ابن جزلة الطبيب البغدادي المتوفى سنة 493 هـ . على ما حكاه ابن خلّكان.

2- المخطوط موجود في خزانة إكسفورد .

3-  مقدمة الكتاب ص 3 معهد التراث العلمي العربي بحلب – رقم السجل 2855.