صلاة الروح

قليلٌ من الحزنِ يكفي

إذا اشتعلتْ قدمايَ بماءِ المسافةِ

أو عمَّدتني المنافي

       خشوعَ المصلينَ

               من قامةٍ في المدى

 

طوَّحتها اندلاعاتها

لستُ أخفي

نزوعي إلى ضفةٍ تتدلّى عليها حقولُ المغنينَ

                              أو يتدلّى الردى

 

قليلٌ من الوجعِ الدلمونيِّ

             وأدركُ ذاكرتي

وصغارُ المناديل تفتحُ فاهًا

لتلتقط الصمتَ

حين يمرُ غريبٌ

            

وسيدتي

لا تُجيد اختصارَ السؤالِ

أقولُ نعمْ

دلمونياً ولكنْ .. ؟

نسيتُ حضوري مع الخارجينَ

                     إلى مرفأٍ في السُدى

 

وأشتاقكِ الرمحُ يدخلُ خاصرتي

.. ثم أبقى

تمرُّ المساءاتُ

أبحثُ عن ملجأٍ

من زوايا العيونِ التي تزرعُ الشكَّ

في جثّتي

غير أني أحدّق في الصمتِ من أي شوقٍ

يشدُّ عليَّ وقوفي

: لأي المنافي ؟

_ سمعتُ المغني

كأنَّ سؤالينِ يختمرانِ _

: وأي الجراحِ هجرتَ ؟

وفي أسفلِ الروحِ شيءٌ من الكبرياءِ

                            فأينَ اختبأتَ ؟

 

تقولُ النهاراتُ

قد حرّضتكَ يداكَ على صنعِ حبكَ

واختلستْ منكَ أن يعرفَ النورسُ الحلو

ما كنتَ تحمل من قيسكَ المتداخل

                          في خجلٍ مستريبْ

 

ولستَ تقولُ. !

عيونٌ من الشعر تكفي

    ويكفي   ويكفي

إذا ما تكلَّمَ صدرٌ جريءٌ

وإن لُجمتْ فَرسٌ نَفَرَتْ نظرةٌ

لستُ أنكرُ .. قد جرَّحتني

                وليسَ يداوي حبيبْ

 

سلاماً إليكِ بكلي

      كما ليسَ كليَ طيبْ

 

وأعرفُ أن العيونَ التي هرَّبتْ صمتَها

          قتلتني ..

أُعاودُ

أقتلُ فيَّ احتمالي

وأسحبها من حضورِ مفاتنهِ النفسَ

مثخنةُ الروحِ بالعطرِ

                و العندليبْ

 

أنا كلُ ذاكَ الذي قلتُ

لم يُسْفرْ القتل عن وجعٍ

وعليهِ من الوجعِ القتلُ وجهُ رقيبْ

 

إذا انتفض الحلمُ فيَّ

أغُصُّ عليَّ و أُخرجُ رأسي

فكيفَ أقولُ انتبهتُ ؟

وبعضي بماءِ اضجاعي تخدَّرَ

 

وانتابني

حين عدتُ انتشارٌ

كأنَّ التي لا تقولُ

ولا تُخمدُ النارَ ذاتَ سؤالٍ

ولا تغفرُ الوجدَ إلا تماساً

تعمَّدتِ الهجرَ

          سيدتي

لم يكن في المنى ساعةً

        كانَ فيهِ من الموتِ ما يستجيبْ

 

فأسندتُ قامتيَ الريحَ

كلُ المواسمِ تأتي تمرُّ

وذاتُ العيونِ المحنَّاةِ بالشعرِ

            تجهل فيَّ السفائنَ والبحرَ

لمْ يُشعلْ النطقَ فيها الهوى

كيفَ غافلني جزعي

وارتمى في يديها قصيدةْ

 

كأنَّ البلاد _ التي قامتي _

هادنتْ حقدها ؟

تركتني دماً لا ينامُ إلى نفسهِ لا يطيبْ

 

وارتمى البحرُ والأغنياتُ

وسيدةُ السحرِ

تمشي على النارِ من غيرِ أن تفقدَ الصلواتِ

ومن غير أن تفقدَ الروحُ منها حضوراً

إذا ذهبتْ

أبقتْ النصلَ في جسدي

و دعتني إلى ملتقىً لا يعودُ

قليلٌ من العطفِ يكفي

              وتكفي قصيدةْ

إذا مرَّ حزنٌ على جسدٍ من حليبْ

 

قليلٌ قليلٌ من الهجرِ

أتعبني النفيُّ

قاسمني السُّكْرُ خندَقَهُ

والمغني يقولُ أحبَّتْ غريباً

يُفتِّحُ في يدها كُتُباً لا تراها ، تراهُ

ويأخذها سهوُ عاشقةٍ

أكلتْ طرَفاً من أناملِها النارُ فاشتعلتْ

و وحيداً على ركبتيَّ

أدورُ بديوانِ شعري وأمنحُهُ الجالسينَ

وتمنحني نظرةً أثقلتني منىً

كان في مدخلِ البابِ وجهُ الذي لا أراهُ

                                    .. يطلُّ

وكرَّاسةٌ في يديها

تَساقطَ منها المدى والرسائلَ شعراً

    و شعراً

       و شعراً

وما كنتُ في حضرةِ الموتِ

أو كانَ لي .. صامتاً

                  وأنايَ لهيبْ

 

قليلٌ من الصوتِ يكفي

أراجعُ فيهِ اختصاري على زمنٍ كاذبٍ

أو أقولُ أحبُ العصافير _ عصفورتي _

 

النهرُ في صوتكِ

     البحرُ والأغنياتُ

وفي صدركِ إن غفرتِ ولمْ تغفري

                           ما ألذَّ الصليبْ

 

قليلٌ من الموتِ يكفي

دعيني على ركبتيكِ

أراجعُ درسَ الحسابِ

وأحفظ ما قال لي

ذاتَ صمتٍ هنا .. صاحبُ الجبِّ

أو داخلاً في بكاءٍ.

قليلٌ من الولهِ الدلمونيِّ

        المنامةُ تأتي على ركبتيها

بشالاتِها

و الزخارفِ والأغنياتِ

قليلٌ من الذنبِ

لستُ أتوبُ عن العشقِ

لي وجعٌ

وانهماري على ضفتيكِ إذا لم يداوَ رتيبْ

 

لسيدةٍ

تتقنُ الموتَ كلُ الحياةِ

ولي بعضُ إثمي

وكلُ مواسمِ هجرتها

       فلماذا من العشقِ قلبي؟

إذا انفجرتْ فيَّ شعراً عيونكِ

كلي بنارِ حضوركِ مشتعلاً

ومن العشقِ قلبي

وقلبُ الخيول التي صهلتْ

في مداخل روحي من الهجرِ

ليلايَ

لستُ على ما غرامٍ من الفضحِ

لكنَّ ذنبي ..

     _ و ليلاي ذنبي _

قليلٌ من الذنب

أو عارياً من مسافةِ خوفي

        تُعمِّدني في حياكِ الذنوبُ

 

أؤوبُ

ولي لعنتي

خارجاً من سلالةِ طيني

تصبَّبَ حزني نبيذاً

أداوي انشطاري على جسدينِ

يعودانِ من مذبحٍ

          أو يعوداني

حينَ يؤوبانِ مشتعلينِ ولستُ أتوبُ

 

قليلٌ من الليلِ يكفي

لنختصرَ الجسدينِ

ونبحثَ عن لغةٍ بيننا

لا تقلُّ احتراماً عن الجرحِ

تعرفُ كيفَ تقولُ :

انحناءٌ بقامتهِ وطناً  أو تقولُ :

يفكُّ حبيبتَهُ موجةً غيمةً

وعلى مفصلِ النارِ

حيثُ تدلى القميص تدلى

        وفي جسدي غاصَ موتٌ قريبْ

  

قليلٌ من النخلِ سيدتي

كي أقيسَ ارتفاعَ منازلنا

أو ليغفرَ طيرٌ نسيتُ طفولتَهُ في يدي

و عبرتُ بغيرِ جبينٍ

سبقتُ وصولي ولم تصلِ الشمسُ

كانتْ على بلدٍ

      تكشفُ الصمتَ عن جسدٍ أو نحيبْ

 

لستُ أدري

ولكنني كنتُ أعرفُ هذي البلاد

كما يعرفُ اليتمُ صاحبَهُ

كنتُ أعرفها نخلةً .. نخلةً

         حلماً .. حلما

غير أنَّ المنافي دعتني لفنجانِ عمرٍ

فأبدلتُ قلبي بحزنٍ أخفَّ

وقاسمتُهُ الجوعَ

قاسمني إرثَهُ وشتاءاً من النزفِ ،

                         كل ليالي الغريبْ

 

قليلٌ من القتلِ

يُفصحُ عن رقصةِ الانحناء بداخلنا

أو يشدّ على دمنا.

ليس بيني وبين انهزامي

سوى أن أكون بلاداً

أنا أستقيلُ

فهل لي قليلاً من الموتِ

أُحسنُ حلمي

وأجمعُ في ما تناثرتِ الأغنياتُ بلادي

وأكشفُ عن من تلاقي المنامةُ

          أو من يلاقي المنامةَ عند المغيبْ

قليلٌ من الصمتِ

لي وجعٌ وبروحي صلاة.                       

قليلٌ من الوصلِ يكفي

توزَّعتُ في القومِ ثأراً ورحما

وأنتِ ..

تركتُ لكِ الحلم لا تتركيهِ بغير صلاةٍ

تركتُ لكِ قامتي

ومآذن صمتٍ طويلٍ على مفرقِ الانتظار

تركتُ لكِ  مُدُناً من نهاري

           فهل لي من الزعفرانِ نصيبْ

أنا الدلمونيُ الذي يمنحُ الماءَ؟

ماء الخلودِ

أنا النخلُ والرقصاتُ على النبعِ

لؤلؤةٌ في العيونِ

ونهرُ أغاني العذارى

إذا ما غسلن الهوى في الثيابِ

وهرّبنَ بالسرِ أعضاءهنَ

أنا الصعصعيُّ وحرُّ بن ساوى

أنا ..

وقليلٌ من اليتمِ يكفي

لأمنح طيني إذا ما تيبّسَ في قدميكِ

                           انحناءً رحيبْ

 

لسيدةٍ عرفتْ صمتَها

كيفَ أُشعلُ فيها المواويلَ

            يشعلنَ فيها الندى

لسيدةٍ

كسرتْ بانحناءتها قامتي

وتدلَّتْ على جسدي

كيف أملؤها وخطايَ السُدى

 

قليلٌ من الصمتِ

يربكني النطقُ والصمتُ !

تربكني ساعةُ الروحِ بين صلاتينِ

إن شفةٌ طعنتْ شفةً

بين ما لا تقولُ

وما أستفيقُ عليهِ من النارِ

يربكني أن أقولَ أحبكِ

                   .. سيدتي.

دلمونياً

إذا ما تعرّى من الحزنِ يدخلهُ

دلمونياً

وإن كسرتْ نايَهُ نظرةٌ

يتجزأ فيها مذاهبَ ، سحرَ المآذنِ،

 

كلَ المغنينَ ،

وجهَ أبي يكشفُ النورَ

حين يعالجُ عزلَتَهُ في الظلامِ ،

انفجارُ السكينةِ في قلبِ عاشقةٍ

ثم يأتي على حزنهِ

والسماءُ بكفيهِ يمشي ويسحبها

               داخلاً في كتابِ اللهيبْ.