امرأة في الأربعين
حكيت
لـ
( كلارك) كل ما حدث فنصحني بألا أثق في امرأة في الأربعين ترتدي بيجامة
قرمزية. لا
أعرف لماذا بدت لي نصيحته ذات أهمية، ربما لأنه الوحيد الذي أحادثه في
برشلونة .
وضع كلارك آخر كأس في آلة التنظيف ثم التفت إلي و واصل : و لا في امرأة
لا تبتسم
أبدا
.
ابتسمت له دلالة على أنني قد فهمت
و لا داعي
لمواصلة نصائحه لأنني لن أثق في أية امرأة بعد الآن لو وضعت نصائحه حلقة
في أذني كما يطلب
مني دائما و هو يرفع حاجبيه و يلوح بسبابته موحيا بالحكمة التي لا
نهاية لها.
- هل
انتهيت من جمع كل الأواني ؟
لا أحب أبدا أن
أغسل شيئا بعد تنظيف يدي .
أجبته
:
- نعم
، كلها .. تعرف أن صاحب
المطعم هنا اليوم
و لابد أن نبدو له عبيدا مطيعين . تعب كلها الحياة يا كلارك.
في الخارج كانت السماء تمطر رذاذا
خفيفا . اقترحت
على كلارك أن نتمشى قليلا فوافق . كان مقهى " لاريبوبليكا" لا زال
يشتغل فدخلنا .
كأس الشاي في يدي منحني دفئا لذيذا.قلت له أنني أريد أن أبقى في هذا
الوضع مدى الحياة
. لم يبد كلارك مهتما برغباتي كثيرا . كان ينظر إلى الخارج و هو
يفكر عميقا .
أم تراه لم يفكر بشيء؟
تعلمت منذ مدة ألا أثق في من
ينظرون إلى الأفق
في صمت و كأنهم حالمون أو شعراء لا يشق لهم غبار. اكتشفت – أكثر
من مرة – أنهم
ينظرون إلى أشياء لا تمت إلى الأفق بصلة.
-
إييييه …
بهذه التنهيدة كسر كلارك حاجز
الصمت و عرفت أن
صنبور الحكمة سيبدأ في التقاطر الآن و علي أن أكون تلميذا نجيبا و
أستمع في صمت
.
- أنت
لا تعرف النساء أكثر مني ،
لقد عشت حياة
أطول منك و عاشرت نساء كثيرات لذا أنصحك أن تأخذ حذرك جيدا و لا تتورط
مع تلك المرأة.
تلك المرأة هي جارتي على أية حال.
كنت قد حكيت له
عنها و عن مخاوفي من أن تكون قد أعجبت بي.في أواخر الثلاثينات هي
..ربما كان عمرها
أربعين سنة بالضبط . و هي تعيش وحيدة في الشقة المقابلة لشقتي.
فاجأتها غير ما
مرة تنظر إلي بوقاحة غريبة و في عينيها حنين غريب ، و كم من مرة
ابتسمت لي ،
لكنها – و الحق يقال – لم توجه لي أية كلمة منذ رأيتها أول مرة. قلت
لكلارك أنني أكره
النساء المتصابيات خصوصا عندما يبحثن عن حب رجل في منتصف
العشرينات .
غالبا لا يعبأ كلارك بآرائي و لا بما أقوله لأنه معين التجارب الذي لا
ينضب كما يقول.
تعودت على ذلك . ثم إن تلك الرغبة في إثبات قوتي و ضعف الآخرين
فارقتني منذ مدة
. أفضل جميل تفعله هو ترك الآخرين يشعرون بالقوة أمامك.
واصل كلارك
:
- إن
النساء الفرنسيات لسن جميلات
لكنهن يتعاملن
كأنهن كذلك . بينما نساؤنا هنا رغم جمالهن فإنهن يلبسن سراويل الرجال
فيفقدن كل الجمال.
تفاجئني آراء كلارك دائما رغم كل
شيء. غرابتها
لذيذة بالفعل . كلارك يعشق التفاصيل إلى أبعد الحدود. هذا ما استنتجته
عندما قال لي أنه
طلق زوجته لأنها لم تغير شبشبها البنفسجي بآخر أفضل لونا.
كنت منهكا عندما وصلت إلى شقتي
. لو لم يكن يوم
غد هو يوم عطلة لما ذهبت إلى العمل و ليطردني صاحبه إن شاء. كان ضوء
السلم باهتا و
عندما رفعت عيني وجدتها تنتظرني قرب باب شقتها . لأول مرة تحدثت
:
- تعال
يا يوسف ، أريد ان أقول لك
شيئا
.
هي تعرف إسمي إذن ؟ إن الأخبار
تنتشر بسرعة
هنا.. لم أكن أعلم أن الشعب الإسباني ثرثار مثلنا
!!
لم أدر ما أفعل . مشاعر عدة
اجتاحتني و أنا
أتقدم نحوها . ( سيلفيا ) من النساء اللواتي يحافظن على جمالهن حتى
الستين ربما ،
بيجامتها القرمزية كانت مغرية إلى أقصى الحدود . عليك اللعنة يا
كلارك !! كنت
حائرا بشدة و مترددا و أنا أتبعها إلى داخل شقتها. هي لم تضف كلمة مذ
نادتني . توقفت
بغتة في وسط الشقة و أشارت بإصبعها إلى صورة معلقة على الجدار.
- إنه
أخي !
كذا قالت و تركت لي الفرصة كي
أتأمل الصورة
جيدا و هي تطأطأ برأسها . غريب هذا !! لقد كانت الصورة تشبهني بدرجة
كبيرة.
- أنت
تشبه بيتر و منذ رأيتك و أنت
تذكرني به ، لقد
مات في إحدى الرحلات الاستكشافية التي كان يهواها.قال لي أصدقاؤه
أن قدمه زلت فجأة
و سقط من قمة أحد الجبال. هكذا ببساطة .. لا شيء أتفه من الحياة
سوى الحياة نفسها
. لكنها مستمرة على أية حال . هل تريد حليبا بالشيكولاته ؟
لم أجبها لأنني كنت أحاول أن أمنع
دمعة من الانحدار
على وجنتي. قالت
:
-
أعذرني ، لكن كان لا بد أن أشرح
لك كل شيء كي لا
تظن بي الظنون . أعرف أنكم تروننا منحلات لكنني متزوجة و أحب زوجي
الذي قد يعود غدا
أو بعد غد. فرصة هي لتتعرف عليه . أليس كذلك يا يوسف ؟
اتجهت نحو المطبخ لتعد الحليب
بالشيكولاته في
حين بقيت أنا مسمرا في مكاني ، ثم إن مقاومتي انهارت فسقطت دمعتين
من مقلتي فاستدرت
مغادرا بينما كانت هي تواصل حديثها عن زوجها و عن صعوبة الحياة
التي لم تعد ترحم
أحدا.