القاص عبد الواحد استيتو

 

 

القاص عبد الواحد استيتو
 

http://www.stitou.com

ababid@stitou.com
 

    قاص و صحافي من مواليد طنجة 1977
·        حاصل على جائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب للقصة القصيرة 2004
·        حاصل على الجائزة الثانية لنادي حائل الأدبي للقصة القصيرة 2003
·        حاصل على الجائزة الخامسة لنادي حائل الأدبي للقصة القصيرة 2001
·        حاصل على جائزة المبدعون للرواية 2001
·        له عدة قصص قصيرة منشورة بعدد من المنابر العربية : الشرق الأوسط ، القدس العربي ، الصدى، أفق…
 

  ·        المدير ورئيس تحرير جريدة "طنجة نت" المتخصصة في تقنية المعلومات
·        سكرتير تحرير جريدة أحداث البوغاز المحلية
·        رئيس تحرير جريدة " طنجة الأدبية "
·         أصدر مؤخرا مجموعة مشتركة تحت عنوان : "أِشياء تحدث"
·        شارك بلقاء صفحة جديدة للأدباء الشباب في القاهرة 2004
 

امرأة في الأربعين

 

حكيت لـ ( كلارك) كل ما حدث فنصحني بألا أثق في امرأة في الأربعين ترتدي بيجامة قرمزية. لا أعرف لماذا بدت لي نصيحته ذات أهمية، ربما لأنه الوحيد الذي أحادثه في برشلونة . وضع كلارك آخر كأس في آلة التنظيف ثم التفت إلي و واصل : و لا في امرأة لا تبتسم أبدا .

ابتسمت له دلالة على أنني قد فهمت و لا داعي لمواصلة نصائحه لأنني لن أثق في أية امرأة بعد الآن لو وضعت نصائحه حلقة في أذني كما يطلب مني دائما و هو يرفع حاجبيه و يلوح بسبابته موحيا بالحكمة التي لا نهاية لها.

- هل انتهيت من جمع كل الأواني ؟ لا أحب أبدا أن أغسل شيئا بعد تنظيف يدي .

أجبته :

- نعم ، كلها .. تعرف أن صاحب المطعم هنا اليوم و لابد أن نبدو له عبيدا مطيعين . تعب كلها الحياة يا كلارك.

في الخارج كانت السماء تمطر رذاذا خفيفا . اقترحت على كلارك أن نتمشى قليلا فوافق . كان مقهى " لاريبوبليكا" لا زال يشتغل فدخلنا . كأس الشاي في يدي منحني دفئا لذيذا.قلت له أنني أريد أن أبقى في هذا الوضع مدى الحياة . لم يبد كلارك مهتما برغباتي كثيرا . كان ينظر إلى الخارج و هو يفكر عميقا .

أم تراه لم يفكر بشيء؟

تعلمت منذ مدة ألا أثق في من ينظرون إلى الأفق في صمت و كأنهم حالمون أو شعراء لا يشق لهم غبار. اكتشفت – أكثر من مرة – أنهم ينظرون إلى أشياء لا تمت إلى الأفق بصلة.

- إييييه

بهذه التنهيدة كسر كلارك حاجز الصمت و عرفت أن صنبور الحكمة سيبدأ في التقاطر الآن و علي أن أكون تلميذا نجيبا و أستمع في صمت .

- أنت لا تعرف النساء أكثر مني ، لقد عشت حياة أطول منك و عاشرت نساء كثيرات لذا أنصحك أن تأخذ حذرك جيدا و لا تتورط مع تلك المرأة.

تلك المرأة هي جارتي على أية حال. كنت قد حكيت له عنها و عن مخاوفي من أن تكون قد أعجبت بي.في أواخر الثلاثينات هي ..ربما كان عمرها أربعين سنة بالضبط . و هي تعيش وحيدة في الشقة المقابلة لشقتي. فاجأتها غير ما مرة تنظر إلي بوقاحة غريبة و في عينيها حنين غريب ، و كم من مرة ابتسمت لي ، لكنها – و الحق يقال – لم توجه لي أية كلمة منذ رأيتها أول مرة. قلت لكلارك أنني أكره النساء المتصابيات خصوصا عندما يبحثن عن حب رجل في منتصف العشرينات . غالبا لا يعبأ كلارك بآرائي و لا بما أقوله لأنه معين التجارب الذي لا ينضب كما يقول. تعودت على ذلك . ثم إن تلك الرغبة في إثبات قوتي و ضعف الآخرين فارقتني منذ مدة . أفضل جميل تفعله هو ترك الآخرين يشعرون بالقوة أمامك.

واصل كلارك :

- إن النساء الفرنسيات لسن جميلات لكنهن يتعاملن كأنهن كذلك . بينما نساؤنا هنا رغم جمالهن فإنهن يلبسن سراويل الرجال فيفقدن كل الجمال.

تفاجئني آراء كلارك دائما رغم كل شيء. غرابتها لذيذة بالفعل . كلارك يعشق التفاصيل إلى أبعد الحدود. هذا ما استنتجته عندما قال لي أنه طلق زوجته لأنها لم تغير شبشبها البنفسجي بآخر أفضل لونا.

كنت منهكا عندما وصلت إلى شقتي . لو لم يكن يوم غد هو يوم عطلة لما ذهبت إلى العمل و ليطردني صاحبه إن شاء. كان ضوء السلم باهتا و عندما رفعت عيني وجدتها تنتظرني قرب باب شقتها . لأول مرة تحدثت :

- تعال يا يوسف ، أريد ان أقول لك شيئا .

هي تعرف إسمي إذن ؟ إن الأخبار تنتشر بسرعة هنا.. لم أكن أعلم أن الشعب الإسباني ثرثار مثلنا !!

لم أدر ما أفعل . مشاعر عدة اجتاحتني و أنا أتقدم نحوها . ( سيلفيا ) من النساء اللواتي يحافظن على جمالهن حتى الستين ربما ، بيجامتها القرمزية كانت مغرية إلى أقصى الحدود . عليك اللعنة يا كلارك !! كنت حائرا بشدة و مترددا و أنا أتبعها إلى داخل شقتها. هي لم تضف كلمة مذ نادتني . توقفت بغتة في وسط الشقة و أشارت بإصبعها إلى صورة معلقة على الجدار.

- إنه أخي !

كذا قالت و تركت لي الفرصة كي أتأمل الصورة جيدا و هي تطأطأ برأسها . غريب هذا !! لقد كانت الصورة تشبهني بدرجة كبيرة.

- أنت تشبه بيتر و منذ رأيتك و أنت تذكرني به ، لقد مات في إحدى الرحلات الاستكشافية التي كان يهواها.قال لي أصدقاؤه أن قدمه زلت فجأة و سقط من قمة أحد الجبال. هكذا ببساطة .. لا شيء أتفه من الحياة سوى الحياة نفسها . لكنها مستمرة على أية حال . هل تريد حليبا بالشيكولاته ؟

لم أجبها لأنني كنت أحاول أن أمنع دمعة من الانحدار على وجنتي. قالت :

- أعذرني ، لكن كان لا بد أن أشرح لك كل شيء كي لا تظن بي الظنون . أعرف أنكم تروننا منحلات لكنني متزوجة و أحب زوجي الذي قد يعود غدا أو بعد غد. فرصة هي لتتعرف عليه . أليس كذلك يا يوسف ؟

اتجهت نحو المطبخ لتعد الحليب بالشيكولاته في حين بقيت أنا مسمرا في مكاني ، ثم إن مقاومتي انهارت فسقطت دمعتين من مقلتي فاستدرت مغادرا بينما كانت هي تواصل حديثها عن زوجها و عن صعوبة الحياة التي لم تعد ترحم أحدا.