مثلما يستحيل فصل
النهر عن منبعه، لا يمكن فصل المرحلة التي بدأنا نعيشها منذ
جرت الانتخابات الرئاسية الفلسطينية عما سبقها.
وخلافاً لما يبدو
على السطح من ترحيب اسرائيلي واحتفاء امريكي ودولي بالقيادة
الفلسطينية فان الحقائق على الارض لا تشير الى انقلاب في
الوضع، بل تؤشر لمن لم يصب بخداع الالوان الى استمرار
التحديات الجوهرية في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، ولعل
الاعمال الاسرائيلية التالية تحمل الادلة الدامغة على ذلـك
:-
أولاً : استمرار
بناء جدار الفصل العنصري بوتيرة متسارعة في مناطق اسكاكا
وسلفيت وبعمق 22 كم داخل اراضي الضفة الغربية ، وكذلك في
مناطق القدس وبيت لحم والخليل.
ثانياً : الاعلان
عن تطبيق قانون أملاك الغائبين على القدس الشرقية، في سابقة
خطيرة لم تحدث منذ عام 1967، فيما يمهد الاستيلاء ليس فقط
على نصف الاملاك في بيت المقدس، بل ويشمل مصادرة اراضي واسعة
واقعة بين بيت لحم والخليل والقدس .
ثالثاً : التحضير
لفصل شامل للقدس الشرقية وسكانها عن باقي الاراضي المحتلة
وتحويل حاجز قلنديا الى نقطة حدود، واستكمال تطويق القدس
بجدار الفصل العنصري البشع فيما يستهدف تكريس واقع ضم القدس
من جانب، وخنق العدد الاكبر من سكانها اقتصاديا واجتماعيا
بهدف ترحيلهم عنها.
رابعاً : استمرار
اعمال الاجتياحات والاعتقالات والقتل حتى للاطفال كما حدث في
رفح للطفلة نوران الديب التي لم تتجاوز العاشرة من عمرها،
واستمرار التنكيل النفسي والجسدي بالناس على اكثر من سبعمائة
حاجز في الاراضي المحتلة.
هذه هي الاجراءات
التي قوبل بها قرار وقف اطلاق النار الفلسطيني وجنوح مختلف
القوى والفصائل الوطنية والاسلامية للتهدئة.
لقد اعلنت الحكومة
والرئيس الفلسطيني انهم سيطبقوا خارطة الطريق وبدأوا بتقديم
الالتزامات الامنية، فهل اعلنت اسرائيل وقف كافة الأنشطة
الاستيطانية كما تنص خارطة الطريق؟ بالطبع لا. هل أعلن شارون
التراجع عن مشروع تحويل غزة الى سجن وفصلها عن الضفة؟ لم
نسمع بذلك.
واذا كان جدار
الفصل العنصري كما زعم في يوم من الايام قد أنشيء لأغراض
أمنية، فلماذا يستمر بناءه في ظل وقف اطلاق النار؟
وكيف يمكن ان تبرر
القيادة الفلسطينية والفصائل الدخول في التهدئة ووقف اطلاق
النار، في ظل استمرار بناء جدار الفصل العنصري؟
أم انها ستجد
نفسها بعد وقف الاعمال العسكرية عرضة لضغوط جديدة، لوقف
التحريض والنضال السياسي ولالغاء المناهج الفلسطينية،
واستمرار المطالب بتفكيك المنظمات الفلسطينية الواحدة تلو
الأخرى؟
كل شعب ، وكل
قيادة تحتاج لبوصلة استراتيجية ان ارادت ان تصل الى اهدافها،
وبوصلتنا كانت دائما...انهاء الاحتلال وتحقيق الحرية
والاستقلال واقامة دولة مستقلة كاملة السيادة وحماية حقوق
اللاجئين.
والانتفاضة لم تقم
لرغبة الشعب الفلسطيني في المعاناة، او لرغبة من شارك فيها
في ممارسة العنف، او حتى النضال السلمي؟ بل قامت كاجراء
دفاعي لان نفق اوسلو قاد الى باب مسدود وصار عنوان المرحلة
"وقف الصراع من جانب واحد، واستمرار اسرائيل بضم
وتهويد الاراضي الفلسطينية وسياسة فرض الامر الواقع، وذهل
الفلسطينيون وهم يرون تبخر حلمهم في الحرية والاستقلال مع
مرور كل يوم.
واليوم وبعد أربع
سنوات وأربعة اشهر من الانتفاضة، فان كل قائد فلسطيني مطالب
بالاجابة حول ما سيفعله لضمان عدم ضياع تضحيات ثلاثة الاف
وستمائة شهيد فلسطيني وسبعة وخمسين الف جريح وثلاثين الف
معتقل وسجين ما زال ثمانية الاف منهم يقبعون في السجون
والمليارات من دمار البنية التحتية والزراعية وعذاب والام
شعب بكامله على امتداد الف وستمائة يوم من المعاناة
والاهانات والتنكيل على الحواجز وخلال الاجتياحات!!
بعد التهدئة ووقف
اطلاق النار (وهو بالمناسبة تعبير مغلوط يدل على مدى تسرب
الرواية الاسرائيلية للمفاهيم السياسية – اذ ان وقف اطلاق
النار يجري بين جيوش متحاربة وليس بين احتلال وشعب تحت
الاحتلال)، سيبرز السؤال الحتمي، هل نسير في اتجاه انهاء
الاحتلال وازالة المستوطنات والجدار وقيام دولة مستقلة
ذات سيادة على جميع الاراضي المحتلة، وعلى حدودها مع مصر
والاردن واسرائيل، أم سنحاصر بفكرة الدولة المؤقتة او
الحل الانتقالي طويل المدى والذي يعني قيام كيان هزيل –
بدل دولة على 42% من الضفة الغربية وقطاع غزة ذو صلاحيات على
السكان ويقوم بدور الوكيل الامني للاحتلال، مما سيعني عملية
موت بطيء لعروبة القدس وحقوق اللاجئين وسيادية الدولة
الفلسطينية.
ولا يتطلب الامر
ذكاءً مفرطاً لادراك ان حلا مؤقتا طويل الامد يعني فرض الحل
الاسرائيلي للصراع بصورة نهائية.
اذاً نحن في صراع
مفتوح. مع اطلاق النار وبدون اطلاق نار ، الصراع مستمر.
وهناك فرق بين وقف
اطلاق النار ووقف الصراع.
واذا كان المجتمع
الفلسطيني يتوق الى انهاء عسكرة المجتمع، والى لحظة هدوء
يلتقط فيها انفاسه والى سلام حقيقي، فانه بالتأكيد ليس
تواقاً ولا يمكن ان يقبل الاستسلام لارادة اسرائيل.
وفي هذه الحالة
فالمطلوب ليس فقط ادارة المفاوضات ، بل ادارة عناصر الصراع
حتى تؤدي المفاوضات الى النتيجة التي نريدها.
ادارة الصراع تجمع
بنجاح بين الكفاح الشعبي والجماهيري – غير العسكري – ضد
الجدار والاستيطان والاجراءات الاسرائيلية وبين نشاط تضامن
دولي وحركة دولية دبلوماسية نشطة في كل العالم وتترافق مع
دعم شامل لصمود الناس وخاصة في المناطق المهددة والمتضررة
واستراتيجية شاملة لاصلاح داخلي يجتث كل اشكال الفساد ويعزز
البنيان الديمقراطي ويستقطب ثقة الناس ووحدة كفاحها وعملها.
إن لب التحدي هو عدم
الانجرار الى نفق الاتفاقات الجزئية والانتقالية، او
لمفاوضات عقيمة مرجعيتها ما يقبله شارون وحكومته، والاصرار
على العودة الى الشرعية والقرارات الدولية كمرجع وأساس
لعملية السلام، ولعل الاصح الاسراع بالدعوة لمؤتمر دولي شامل
جديد مشابه لمؤتمر مدريد، يراجع ما جرى منذ انعقاد ذلك
المؤتمر ويسترشد بقرار محكمة العدل الدولية والجمعية العامة
للامم المتحدة.
هناك فرصة وهناك
ايضا فخ، كما ان هناك سراب خادع، يغري الذين يصرّون على
الراحة والاستجمام في منتصف طريق صعودنا نحو قمة الجبل. فهل
نسلك طريق الفرصة الحقيقية نحو الحرية والاستقلال؟!