حرف الطاء من الظاد

تمهــيد للقصــة

كتبت خمسة أسطر بداية لقصة قصيرة  كانت تمهيدا .

وجئت على فكرة أن البطل سيكشف لثام وجهه ، لكنني وجدت أن كلمة يكشف قد تكررت اكثر من مرة في مقدمة القصة فقلت لنفسي لعلي ابحث عن كلمة اخرى تفيد المعنى وتحمل النص على التوازن . فكلمة (كشف) اللثام عن وجهه لا تفيد . تذكرت أن هناك كلمة اخرى في قاموس اللغة  تستبدل كشف ، والكلمة التي تستبدلها .. انني اتذكر الآن وهذا على الأقل .. أن فيها حرف طاء ، أظن أنني لم أمر على هذه اللفظة المنسية منذ زمن بعيد ، قل منذ خمسة عشر عاما . هنا في هذا البلد كل شيء معكوس ، كان عدنان يزم سترته ، يقوم كي يقول لي أنه ذاهب الى الستور من اجل شابنغ ، ثم يشيح وجهه عن امرأة زنجية تمر من أمامه : هذول النيغر يا زلمة ناستي Nasty . فتلتفت اليه غاضبة مهددة .. .. لقد سمعت كلمة نيغر ناستي  ففهمت أن الكلام يدور حولها .. ثم قالت بعد أن هدأت :
What are you think… you are sand nigger too

 وات آر يو ثنغ يو آر ساند نيغر تو… ساند نيغر ناستي . فقلت له عجبك على هذه البهدلة  لو تكلمت بالعربية كان احسن ، شوية من هنا وشوية من هناك حتى صرنا لا نعرف حدود الكلمة الاصلية . نسيت كثيرا من الكلمات ومنها تلك التي ابحث عنها الآن والتي فيها حرف طاء ، وفجأة تـذكرت لعبة في مدرسة حاتم الطائي الابتدائية من مدينة القامشلي فيها حرف طاء طاء طائية رن رن يا جرس ، ثم ايضا لعبة تحتك بيضة .

 في احدى المرات نسيت كلمة أرملة في العربية ففتحت  قاموس البعلبكي  انكليزي – عربي ، فتحته على Widow  وكان الشرح هو : أرملة مات عنها زوجها ، فقلت لنفسي يا عيني عليك ، الكلمة هي إذن أرملة .. لكن الآن من أين لي أن اتذكر تلك الكلمة التي فيها حرف طاء .. طاء اللثام عن وجهه ، لا تأتي .. أمتح الذاكرة ، الذاكرة العربية المنسية .. الله أعلم كم تحتفظ هذه الذاكرة من صور وكلمات مكبوتة .. الذاكرة العربية .. لقد نسيت ، والنسيان  بعض الاحيان نعمة ، نعمة النسيان ، ما بعدها نعمة . لنا نحن .

 ينظر الي عدنان وأنا أكتب فيقول بالانكليزية وهو يهز رأسه : تايم مان ، تايم .. يو آر ويستنغ تايم . لكنني أرد عليه باللغة العربية فيخجل بعض المرات فيحاول أن يقول لي شيئا بالعربية الخالصة : وقتك انت ضايع يعني هبه منشورا مشنورا . يهز رأسه كي يعيد ترتيب أحرف الكلمة :  .. مثنور.. أم أم .. المهم يو آر ويستنغ تايم مان . ثم يلفظ كلمة شتيمة كي يغلق الجملة ، لا نلفظها في لغتنا . يطبق الباب خارجا .

هذا من ناحية تذكر الكلمات وايضا من ناحية الاملاء ، أما من ناحية الاعراب ومعرفة الرفع والنصب والجر .. الخ فأنا الحقيقة وحيد في هذا البلد ، أو شبه وحيد لولا الصحفية الفلسطينية رجاء الخضر ، ارفع سماعة الهاتف كي أسألها عن اسباب رفع الافعال ونصبها وكيف نكتب الاعداد والارقام ، وسألتها عن  طاء اللثام عن وجهه فلم تتذكر الكلمة ايضا ، منذ سنة اعطيتها كتابا في قواعد اللغة العربية للمبتدئين ، فارفع  سماعة الهاتف كي اسألها عن كيف أكتب في اللغة العربية رقم  15  : 15قلما  .. خمسة عشرة أو خمس عشرة أوخمس عشر  قلما .. فتقول لي بعض الاحيان : لا تحيريني يا اخي اكتبها خمسطعش قلما .

 والواقع كان كالتالي : رفعت سماعة الهاتف كي أسألها عن طاء اللثام ، فخرج علي رجل حسبته غريبا ، سألته هل هنا بيت السيدة رجاء الخضر ؟ فقال لي الرجل وكأنه تعرف على صوتي : شوف يا عيني رجاء الخضر خليها على جنب ، لا احد هنا بهذا الاسم . وتأخذ زوجته السماعة ضاحكة ، تقول : ما زلت تخربط بين شخصيات الروايات التي تكتبها وبين ناس هم من دم ولحم وصوت !   فتحاول أن تذكرني برجاء الخضر حتى أقول لها  لقد تذكرتها لقد تذكرتها  : شارع ستة إلا ربع ، في شارع الدير .. تطق وتطق ، مرة تتمشى على الجسر المعلق على الفرات الذي عرف بطريقة ما  كيف يذهب الى العراق ، ولم ينقطع ابدا ، ومرة تتمشى في شارع العشق والغرام ، تلف عبايتها الحبر ، فاتذكر اغنية يا أم العباية حلوة عباتك  في العصر حين تهبط الشمس وتفتح الدير دكاكينها وشراديقها .

لكن الآن أين هي الدير وأين العصر .. أين اللغة الخالصة  ؟  أسمع من النافذة المفتوحة صبيبة تجر كلبها  بلغتها وبرموزها على الرصيف المرشوش بالحشيش وبالاسفلت : هري هري كام أون .. تجره وهو واقف لسبب ما . أين هي الدير .

 هناك شمس ما تسقط على هيوستن ، بالتالي على مكاني في Sugar Land

هناك شمس تسقط على الدير ، بالتالي على مكان في قلبي

ماذا تعني كلمة مكان في اللغة ، في الصوت ، نحن لو كررنا كلمة مكان مكان مكان مكان .. فماذا نجد فيه ، في المكان !

وكان زوج المفروضة رجاء الخضر يعلق قائلا : هو لو ما حط رأسه بالبئر .. ما كانت الأمور في اللغة العربية صعبة وقاسية .

انظر : بئر وبادية !

كيف تتكون اللغة العربية من دون بئر وبادية ؟

حين عاد من تجربته في البادية ، ذهب نحو بئر الحوش كي ينهي التجربة ، فوضع رأسه في حلق البئر يقيس طنين الصوت ويضبط موسيقى اللغة والقواعد والاملاء والاحرف التي نزلت علينا من السماء مثل المطر .

 " الكلمة اما معربة تقبل جميع الحركات من كسر أو فتح أو ضم ، أو مبنية تلازم حالة واحدة وتقبل حركة واحدة من دون غيرها نحو أمس والآن . أسماء الموصول ، والإشارة والضمائر والاستفهام والشرط ، والكناية ، والفعل الماضي والأمر ، كله مبني .. واللغة العربية هي الكلمات المركبة في جملة يعبر بها العرب عن مكنون نفوسهم . والجملة هي الكلام المفيد ، وتتألف من فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر ، والكلمة لفظ يدل على معنى مفرد . وهي ثلاثة أنواع اسم وفعل وحرف . "

أبو أسود الدولي ، الدوؤلي ، الدؤلي . واحدة منها أو يمكن كلها غير صحيحة . طاء اللثام عن وجهه بعد أن وصل الى البيت يعاني في عودته من وهج الظهيرة والمطر الذي راح يبز على هيوستن : لا يا اخي ليس يبز ، الكلمة غير صحيحة . فقال عدنان ضاربا عرض الحائط : إت ايز ريننغ لايك كريزي . كانت أمي تقول : ترجد ! حين ينزل المطر من السماء .. مرة اصبحت بيوت الطين مثل رامة تدعو الله أن تكف السماء عن غيرتها . قالت تعلي صوتها : فوتوا ، تراها ترجد لا تنصابون بالنزلة !

 يقول عدنان وهو ينظر من النافذة : لوك آت هر ) (look at her والله بتجنن . لقد بلل المطر ، عاصفة جاءتنا من خليج المكسيك ، ثوبها السنيورة ترقص مثل قربان ، خطوط المطر  وفقاعاته على ماء المسبح ، تعبر الحديقة حول مياه المسبح الزرقاء وهي تفتح البوابة ، تركض نحو المطر بجسد مكتنز طويل فيه قدرة على الحب والطاء ، تعالي الى هنا ، يفتح باب الشقة وبيده المنشفة : كمان هير حتى انشفك واخلق منك آية لاتينية . لكن تعبر من أمامه  راكضة وهـي تخفق كطير .

مثل مجنون ، بعض الأوقات يضحك ، يدمدم بالانكليزية مع شتائم  ثم يجمع قامته ويرفعها قليلا كي يحكي بالعربية : يا رجل تقضي وقتك تكتب .. هو في أحد يقرأ ! يستدير برأسه الى الحائط ليكلمه : يكتب بالعربية في هيوستن – ضحك ثم اطفاء ، إظهار ثم كلوز آب ثم قطع – لو انك تكتب يا عيني بالانكليزية .. يعني ها شوية احسن …هناك من يقرأ ، لكن بالعربية ، فعليها السلام .

نحن العرب لا نقرأ بل نتفرج على التلفزيون .

 قالت جريدة تصدر في لندن أن العرب يطبعون 2000 نسخة للكتاب الواحد بينما في اسرائيل وحدها فيطبعون عشرين الى ثلاثين ألف نسخة للكتاب .

  بعد ذلك  كيف 2000 شخصا  إذن يغلب ثلاثين ألف شخص !

 ربما فئة قليلة ، الذين هم العرب ، غلبت  فئة كثيرة !

هدأ المطر الآن ، فسمعنا طرقا على الباب ، كانت المرأة التي بللها المطر واقفة عند الباب حين فتحه عدنان ، فجمدت عروقه لا يدري بماذا سينطق .. ظل واقفا فاغرا فاه مثل جماد .

لذلك بقيت وحدي أحاول أن اتذكر كلمة فيها طاء ، سألت عدنان عنها قبل أن يفتح الباب ففكر قليلا ثم قال: قبع اللثام عن وجهه . فقلت له قبع ليس فيها حرف طاء فقال وهو يحرك يديه : خمط اللثام عن وجهه ، ثم قال ايضا سقط اللثام عن وجهه ..

 كلها لا تفيد

يا رجل هذا الموجود ، لا يوجد كلمة أخرى في اللغة العربية

لو أنني الآن في البلاد لكانت المهمة يسيرة يسيرة لسألت أي عابر طريق  .

ارسلت أمي في العام 1996  رسالة لي مكتوبة بخط فرح تقول فيها : اسرع اسرع هناك اعفاء ، كل الناس لهم اعفاء ، فتعال .

لسألت أمي عنها ، بالتأكيد ستحزرها ، وتنتهي مشكلة الكلمة الغائبة عن ذاكرتي . في احدى المرات كنت اقرأ لمن تقرع الاجراس فمرت علي كلمة ربت ، سألتها عن معنى الكلمة فأجابتني قائلة : تريد أن تصبح كاتبا ولا تعرف معنى ربت على كتفه ، قالت ذلك وهي تربت على كتفي . لحزرتها لأنها مرة وقفت حانقة أمامي غاضبة علي وعلى أفكاري ، قالت لي وهي ترتجف : إن بقيت مع هذه الجماعة فأنك ستندم وتضيع حياتك . ثم قالت تسأل بعد أن اقنعتني : لماذا الله أقام النار واقام الجنة إذن ؟ الله حين لم يطعه الشيطان قال له اخرج عليك اللعنة ، لم يقتله ! 

عيناها عسليتان فيهما دمع ، تهز رأسها قائلة : الى أين تذهب ؟

لا أعرف الى أين أنا ذاهب يا أمي ! كان يجب أن أقول لها ذلك . لا أعرف .

هل أنا الذي ذهب أم البلاد هي التي ذهبت ؟

قال عدنان : تقول انا ذهبت وليس أنا ذهب !

لأنني لم أكن أنا أنا حين غادرت لذلك أنا ذهب وأنا غادر .. الخ

ظل واقفا مثل تمثال عند مدخل مدينة مهجورة ، لا يتحرك . وهي امامه تبتسم .

نمر مسافرين بالباص في المساء وعند الصباح ، من هناك نمر في وقت الظهيرة ، نمر في كل وقت من السنة ، في الشتاء والصيف ، رحلة . يظل هناك واقفا لا يتحرك : المدينة مهجورة .

لا أحد في هذه المدينة يعرف الكلمة التي ابحث عنها .

لو أن للكلمة رقم ضمان اجتماعي من تسعة أرقام .. في أي ولاية من الولايات يعثرون عليها ، ذلك بضرب رقم الضمان الاجتماعي  على الكومبيوتر … سيهزون رؤوسهم قائلين : ها ها .. هو إذن من صناعة سوريا ، جاء الى هنا للعمل .. أم للكتابة عن بلاد عرب بعيدات آغا .

ثم يلتفت الي بوجه من حجر ورمل فتته المطر ، يقول : لن تكتب إذن بعد اليوم !

إن لم أعثر على الكلمة فأنني لن أكتب بعد اليوم .

فرد علي يقول : بالناقص ، حتى يخف حمل القراءة ، وتخف الصحف والمجلات .

وهو هناك لا يتحرك أمام قارة بحالها ، يقطر منها مطر وشعر وغرام .

وهواء محمول بعطر البحر يدخل من الباب .

ان الفرح والمغامرة التي اعترته وهو ينظر الى وجهها جعلته يظن أن العالم صلب خالد كالحجر ، الزمان واقف ، والمكان مفتوح ، وكانت الحياة تنتظر كي تتحرك في الطريق الذي رسمته بخبث ، وهو لا يريد أن ينقطع ، حجر مثل تمثال أمام الحياة التي ستنتهي من أمامه ، تدحره ، لن يصدق أنها ستمضي .

- قطع كما في صناعة التصوير ، اعادة  بالابيض والاسود ، لون الكلمة .

حياتك كلها ستصبح قصة من ثلاث كلمات أو أربع ، بعد خمسين عاما  لن يأتي أحد يذكرك ويذكر الباب المفتوح واللاتين والشعر والمطر والغرام ، كل العذاب والقهر ، مأساة الحياة ، الهجرة والغربة ، البعد عن الأم . قالت  أن رجاء الخضر هي من الدير وليست من هيوستن ، لا أحد في هيوستن اسمه رجاء الخضر ، بعد خمسين عاما ستصبح قصة قصيرة من ثلاث كلمات ، البعد والألم ، وذكرى البلاد ، حين تضع رأسك على الوسادة وتبللها ، الليل وهجرة الحبيب : لقد تركتها في منتصف الليل ، قالوا لي : اتركها يارجل في ليلة ما فيها قمر ، فتركتها عند منتصف الليل وكان القمر في السماء مثل وحش غاز ، كان هناك  بدر وليل كي يشهدا الفراق الذي مزق احشائي . كانت دموعها في سماعة الهاتف مثل فرات ، فرات بعد خمسين عاما يصبح قصة من ثلاث كلمات ناقصة ، لا يمر بالدير ولا نسميها بدير الزور بل نسميها بالدير ، لا يمر الفرات بالدير . كان عمر البطي في كراج المياذين يرفع صوته مع صوت المؤذن : عالدير عالدير عالدير ، راكب واحد عالدير . ثم يكر مرددا : دير دير دير دير . كلها قصة ، البلاد والمكان والزمان ، الهجرة والغربة ، اللاتينية التي أدارت ظهرها لعدنان كي تعود ، والكتابة والقراءة ، قصة بعد خمسن عاما . لو أننا نقطعها من دون ألم ، من دون حرب . مرة رحنا  نغني نحن مشينا مشينا عا الحرب ثم اصبحنا نغني بعد ذلك نحن أجينا اجينا من الحرب  ، نقطعها من دون هجر وترك الحبيبة . دموعها فرات في سماعة الهاتف : يا ربي كيف جاء الفرات الى هيوستن ؟ في صوتها كان الفرات والشواطئ . خمسون عاما من دون ألم ، هذا دعاء يا ربي من عبد يدب الآن على ظهر هذه الأرض !

ان كنا سنصبح قصة فلماذا إذن هذا الألم والعذاب ؟

لأنني بعيد وقفت قرب الشمس ابكي .

بعد ان يتألم الانسان العبد يصير الى كلمات ، بضع كلمات يقصها حفيد على عجل في سهرة شاي  .

ففي البدء كانت الكلمة وكانت روح الله ترف فوق الغمر...

أماط اللثام عن وجهه .

فكان آية نازلة من السماء أو طالعة من البحر كالشمس .