مذاق العراق

بيني وبين العراق مذاقْ،

رُطَبٌ ،

نسيمُ دِجلةٍ،

أبو نواس والمتنبي،

وصوتٌ يلامس الروح

حين يستعيدُ القرونَ، فيُبكي،

ويُخْجِل، إذ تعود السيوف إلى غمدها

والخيل إلى صمتها،

ويَحرِق الفجرُ أوراقه،

إذ يرفع المغول أغطية الذاكرة

ويسْوَدّ ماءُ النهر من حروف الأئمة.

ملاحم الشعراء، ذكريات المحاربين

ويبدأ البحث عن راية سوداء

أو خضراء

عن ملامح جديدة لصحراء

وهي ترتدي العابرين

لكن ملمحي واحد

لغتي واحدة

وإن كابدت سكناتها

كلما تحركت بلعنة واحدة

سأبقى أنا أنا

مغربي التولّه، مشرقي الحداء

جنوبي العناء شمالي الاشتهاء،

أينما كنت يربطني بالعراق نداء،

وصرخة من أولي الأمر

واستغاثة الضحايا

وترجمات الملوك،

أسرح الأيل في الحدائق المعلقة

أخط بماء الولادة مخطوطاتي الغرقى

نكاية بالمغول الجدد

فبيني وبين العراق عراق

وبيني وبين النخيل فضاء

أهز السماء بصوت السماء

يساقط التاريخ من سعفها

فأبني بيوت الهوى

بين دجلةٍ والفرات

بيني وبين العراق سر

لم يقله التراب للدماء بعد

لم تقله السيوف للنحور بعد

سأبقى هنا وهناك

أجسد ما تناثر من نشيد الغسق

أنا جسد مهمل في أقاصي الحبق

وكيفما يسيل مني العرق

ألاقي العراق في كل قطرة من أرق

وأنا اتجهت أراه في عبرات البوصلة

ماثلا كالنبوءة، في ملامح القابلة

كيف سيولد المواليد من هذه الجهات

في زنبق الحياة أم حبق الممات

ويبقى العراق على حاله في ارتباك الجهات

حتى تشب من رئاته جهة خامسة

تزاوج بين الشرق والغرب

في الرؤية الخاسفة

تباعد بين الشمال والجنوب

ثم يطويهما فتستوي الجهات ثلاثا

والعراق رابعها،

وتنخسف المرحلة ..

دم في هودج القافلة

يقولون يمشي العراق في جنازة الدنيا،

ويمشي الزمان في جنازة العراق،

وينتشي المخلصون في البحث

عن موجة للنجاة

فتأخذ الموجة عشاقها إلى رحمها

تترك المتنبئين في ملامح القابلة

يقولون الفراق حين يقصدون العراق

يقولون العراق حين يقصدون احتراق

فينهض الرصافي من قبره،

حاملا شعره،

تكثف كله في قصيدة مبتلة بالعرق،

ينهض الرصافي صائحا: هذا هو العراق

نحمله أين تأخذنا الجلجلة

وكلما توغل فينا الغياب

تعتق فينا حضور العراق

نسحب النبيذ من رافديه،

ونسكر حتى البكاء،

وينتحي المخلصون في آخر الدمع

يرشفونه جمرة جمرة

يرفعون موتهم صاهلين : بصحة العراق

ويصعدون للسماء.