قبض محمد على شهادة
نجاحه في الصف الخامس ، زغردت جوانحه للنتيجة الباهرة ، قفز
في الهواء فرحا مع أصدقائه الناجحين، وضع شهادته فوق جبهته
الطفولية السمراء يحجب حر الشمس عن عينيه ، هتف بهم :
ـ الشمس حامية ..
الدنيا اليوم نار .. يا اللا يا أولاد .
تركوا باب مدرسة
"الأمة" وراءهم يعج بالأطفال ومضوا في الشارع ، يتخطون بفرح
العتبات الصخرية وزوامير العربات المسرعة ، التفوا حول بائع
الخروب ، كرعوا كاسات مثلجة من شرابه وراحوا .. تنز جلودهم
عرقاً .. توزعوا في الحواري ، وتفرقوا في ضاحية البريد على
أمل اللقاء مساءً .
***
انشغل محمد بقص
الأوراق الشفافة الملونة وتثبيتها على بوص هيكل الطائرة
الورقية التي يقوم بإعدادها من أيام ، حيث كان كلما أتم
تثبيت بوصة جديدة وجاءت نشرة الأخبار ، أخفى لعبته التي لم
تكتمل تحت الدرج الأخير لخزانة الثياب خوفا من عبث إخوته
الصغار ، محمد طفل من بين عشرة هم إخوته ، وإن لم يحفظ لعبته
قد يحطمها الصغير. يزدحم البيت بالصغار والثياب والكتب
والأواني حتى يكاد يضيق بطائرة البوص التي لم تكتمل .. وحين
انتهى من سماع أخبار قنص الجنود للناس والدور والشجر، عاد
يكمل ذيل الطائرة بالأوراق الشفافة الملونة ..
الطائرة ملونة
وكبيرة ، ذيلها طويل مشرشب ليساعدها على الطيران ، أمسك محمد
بلفة الخيط من جهة الميزان ، وباليد الأخرى طرف الذيل ،
ناداه الصغير وجرى خلفه :
ـ خذني أطير معك .
نهره بلطف .
ـ آخذك معي في المرة
القادمة ، اليوم أريد أن أجربها.
رد الباب وراءه .
***
بعد العصر ينكسر صهد
الشمس ، تهب على المكان الفسيح خارج منازل الضاحية جهة
الكسارات ، نسمات مشجعة لإقلاع الطائرة الورقية الملونة ،
يمسك محمد بشلة الخيطان وطرف الذيل الشفاف يهفهف مع الهواء
قبل أن يطير ، يمضي محمد بين الأزقة حتى يلتقي مع أصحابه في
الأرض الواسعة بعيداً عن البيوت ، يطلقون طائراتهم ، تلعلع
في الهواء ، ألوان وألوان ، مصحوبة بصـرخات الفرح ، يداعبون
بعضهم بإمالة خيوط الطائرات المحلقة يمنة ويساراً ..
ـ لاتشربكوا طائرتي
.. غداً سأحضر أخي الصغير يُطيرّ معي ويفرح بها .. لقد وعدته
..
يرد أحدهم :
ـ أخوك صغير وأنت
يعني كبير .
ها ها ها .. يضحكون
. يميلون طائراتهم مع النسيم .. يجرون هنا وهناك ، يفلتون
مزيدا من خيطان الشلة ، فتعلو الذيول الملونة ، ترقص في زهو
.. لا يزعجها إلا غبار الكسارات المحاذية للمستوطنة .
***
مالت الشمس ، ابتلع
ظلام موحش قادم من وراء المستوطنة نور النهار ، لف الأولاد
خيوط طائراتهم فبدأت تهبط ، إلا محمد فقد كان يرخي الخيـط
لطائرته أكثر وأكثر..الهواء يضرب الطائرة الورقية بقوة كلـما
ارتفعت.. هتف بأصحابه :
ـ انظروا .. انظروا
أين ارتفعت .
ردوا عليه بعد أن
تفحصوا الفضاء المائل للقتامة :
ـ لم نعد نرى شيئاً
.. سنعود إلى بيوتنا .
هبطت الذيول الملونة
، فأمسك كل منهم بطائرته ، أخذ محمد يلف الخيط على البكرة
يخفض من علو طائرته ، هبطت قليلا قليلاً.. ظل الهواء يداعبها
.. "الآن سأثبتها في هذا الوضع .. فقد خف شد الخيط وضغط
الهواء .."
هتفوا به :
ـ نريد أن نعود ..
هيا بنا .. نحن ننتظرك .
ـ لاتنتظروا .. بعد
قليل سألف الخيط وألحق بكم .
ـ الدنيا ليل لا
نريد أن نتأخر .
ـ اذهبوا ..
لاتخافوا .. سألحق بكم .. أنا أسرع منكم . مضوا .
***
بدأ يلف الخيط
مستمتعاً وهو بالكاد يرى طائرته تهبط ، الخيط يقصر ، والهواء
لم يعد قادراً على رفعها، سقطت الطائرة على الأرض فجرى
يلتقطها ، نظر حوله ، الظلام يمتد ، المكان مقفر ، لم يعد من
أثر لأصحـابه .
لف الخيط المتبقي
على البكرة المنتفخة على عجل ، أمسك بطرف الخيط عند ميزان
الطائرة بيد ، وباليد الأخرى أمسك ذيلها ، لم يستطع التحقق
من الألوان ، خطا يتجه بعيداً عن المكان .. لم يخطُ كثيراً
حتى فاجأته أصوات بلكنة لا يفهمها ..
بعد يومين من البحث
عثر سكان الضاحية على جثة محمد وطائرته الورقية الملونة
ممرغة في التراب والدم ، والهواء يداعب ذيل الطائرة الشفاف ،
في حين كان أخوه الصغير لايزال ينتظر عودته ليأخذه إلى
الساحة الواسعة جهة الكسارات ليلهو مع الصغار بالطائرة ، ومن
يومها تضج ساحة الكسارات بعشرات الأولاد وطائراتهم ، ولكن ما
أن يبرز الظلام من وراء المستوطنة حتى يسارعون للعودة إلى
بيوتهم ، وتظل أصواتهم الطفولية تتردد في فضاء المكان حتى
الفجر .