النافذة تُدخل إليّ
نسمات رطبة ، وفيما يبدو تذكرت أني نسيت أن أغلقها قبل أن
أنام ، قضم الظلام جزءاً منها، في حين بدأ الفجر يقضم الجزء
الآخر. تلوّت أساريري في غير رضى ، وأنظاري لا زالت تتابع عن
كثب البحث عن الحذاء.
- بكم الحذاء أيها
الرجل ؟
- أيُّ حذاء تقصد ؟!
المرة الأولى التي
أشتري فيها حذاءً وأساوم البائع على ثمنه حتى استشاط غضباً
مني ، ورأى أن ما أفعله مشين ، قرأت ذلك في عينيه، لكنه لم
يجرؤ على التفوه بحرف ، حاجته للبيع أقوى من رغبته بطردي،
والحذاء الذي أشرت إليه خلف زجاج العرض يُخرج لسانه استهزاءً
بي . لم أر في حياتي مثل هذا الحذاء السافل.
تناولته من يد
البائع الذي دعك بكمه بوز الحذاء . لمع وتدلى لسانه أكثر .
ترُى أيسخر مني هذا اللسان ؟! أقصد هذا الحذاء ؟! بعد قليل
عندما أضعه في قدميّ سأدوسه على الأسفلت، وأعلمه أنَّ
الاستهزاء لا يكون في كل وقت . المهم الفكرة ، لكن من يجد
الفكرة الآن؟ في هذا الضباب الذي يلفع الأشياء ويتمرجح فوق
رؤوس العباد، ويبلل صلعاتهم وأصول شعرهم كيف ستـنطلق
الفكرة؟! كيف ستـتوقد وتـنبلج ؟
اللسان المتدلي
المستهزئ خاطبني ، أصرّ عليّ أن أصطحبه معي مهما كلفني الثمن
. قلت أخاطبه:
- كيف احتالوا عليك
فوضعوا في رقبتك الرّباط ؟!
قال ساخراً:
- أُُخرج من رأسي .
ولا تكترث.
- الشيطان يطلب منا
أن نكترث بل ويضخّم لنا أحلامنا.
- أنا لست شيطاناً
.. انظر.
تدلى لسانه أكثر
وأنا أعابثه بيديّ و أُقلبه.
- لا تقلّب أحشائي
أيها المغفل ، ولا يغرك ما تشاهد، فاللسان لسان والحذاء
حذاء.
- وما علاقة
الإثـنـين ؟! أقصد ما علاقتك بالحذاء؟
- تقصد ما علاقتي
باللسان.
- سيان .. الأمر
عندي سيان ..حذاء بلسان.
- لا .. لسان بحذاء.
- لا تغظني أكثر.
- ادفع .. وبعدها
أُحدثك.
دفعت الثمن . نصف
النافذة قرضها الليل ، ونصفها الآخر بدأ يقرضها فجر يفتح فمه
عميقاً فلا تظهر به أضراس.. وله أنيابٌ يدميها القضم فتصبحُ
أشدّ مضاء، فتنفذ في اللحم والحديد، يزحف الفجر على الناس ،
يرتدون ملابسهم وأحذيتهم، يمشون وتـتدلى ألسنتهم .بحثي عن
حذائي مستمر ، تعبت من البحث ، فكرة البحث مضنية .
أكملت ارتداء ملابسي
إلا الحذاء ، رحت أزأر ، أعوي، أنبح، أموء ، وبعض الأحيان
أتكلم. لكني مع ذلك فشلت ، قديما قالوا " المثابرة تغلب
الذكاء" وأنا أقول " الحذاء يغلب كل شيء". من منا يذهب للقبر
بحذائه ؟! يقيناً لا أحد. من يدهمه الموت أو القتل يفارقه
حذاؤه .. أيها الحذاء اللعين ، لا أحد يضع ميتا بحذائه في
القبر ، قد يكون الأولى أن مسكينا آخر ينتفع بالحذاء. نقدت
البائع الثمن ، فوضع الحذاء داخل علبة ، والعلبة داخل لفافة
، قلت ما إن أصل البيت حتى أجده مختـنقا ويكون لسانه قد تدلى
أكثر . ليتأدب . فالأدب في عصر القضم والأنياب هو السوط الذي
يجلد صاحبه.
الحذاء يصرّ على
إهدار كرامتي المرة تلو المرة ، وأنا أنحني بين الحين و
الحين أهندم اللسان ، وأفتل الرّباط، أخنق أكثر حول العنق
فيتدلى اللسان أكثر ، وفي كلّ مرّة يتملّص الحذاء مني ، فما
أن أجده حتى أصل موعدي متأخراً ... ترى ما الفرق بين اللسان
والحذاء ؟ لا أدري فبين اللسان والحذاء ربّاط . في هذا الفجر
الذي لم يعد فجراً ، وفي هذا الوقت الذي لم يعد باكراً، وقفت
الشمس بشكل عابس لا تغادر مكانها . أكملت ارتداء ملابسي
وتعبت من البحث عن الحذاء، من جوف النافذة أطلت الشمس الشموص
الحرون وتوقفت . طيف اللسان والرّباط والحذاء ينضم إلى
القافلة ، وفي كل مرة أعثر عليه أضربه في الجدار مؤنبا ،
فيهتف بي ساخطاً:
- لا تضرب الأفكار
ببعضها .
- لماذا تقول ذلك ؟!
- أستحيي من الشارع
. وأستحيي من نفسي .
- أنت ؟! وما شأنك
بالشارع ؟!
- هل رأيت يداً دون
حذاء ، رأساً دون حذاء ، كرشاً دون حذاء؟!
- ماذا تعني ؟
- عندما تدخل في
الحذاء ما الفرق بينك وبين غيرك ؟ بينك وبين أي شيء ؟
- أنا أعرف كيف يمكن
أن تسترد أدبك .
- أنت لا تعرف
شيئاً.
- بل أعرف . سآخذك
إلى الصرماتي ليخيط لسانك أو يحزه بسكين الجلود ويرمي به إلى
القمامة.
حين تعلقت الشمس في
جوف النافذة ، وتدلى اللسان والرباط والحذاء ، تذكرت جمجمة
الإنسان قبل أن ينخرها الدود، وهي معبأة بطابور الأفكار
فعرفت أين يقع اللسان والرّباط وعلاقتهما بالحذاء .
استمرّ بحثي عن
الحذاء دون جدوى ، قلت هذا يوم نحس وشؤم ، يوشك الحذاء أن
يصبح شمساً والشمس حذاء، لكنّ النور يفضح الأشياء . ترى كم
دفعت ثمناً فيه؟ لا أتذكر .. سلقـتـني الشمس التي ضربت وجهي
من النافذة ، زجاج صندوق العرض كان لامعاً .. كل الأشياء
تبدو للوهلة الأولى لامعة .. ويصرّ الحذاء أن يفلقني ، وأصرّ
أن ألقنه درساً .. لن أربطه هذه المرة ، سأدعه يتدلى كما
يشاء ..ويهزأ كما يشاء.. فالطريق الطويل سيقطع نَفَسه
ويخرسه..
- أيها السيد ..
أيها السيد.
التفتُ:
- ماذا تريد أيها
الفتى ؟
- الحذاء يا سيدي .
- الحذاء !!
- دفعت ثمنه ولم
تحمله .
- آ ...
- نعم يا سيدي ..
هاك ..
امتدت يده باللفافة
.
- آه .. شكراً ..
شكراً أيها الفتى الطيب .
- يبدو أنك مهموم
لدرجة أنك نسيته .
- آ .. شكرا يا ولدي
.
- شكراً و لا شيء
غير ذلك ؟!
- بلى . خذ . اقضم
هذه الورقة المالية .
- لك قلبٌ كبير وفكر
مشغول .
- ربما . ربما يا
ولدي .
قبض على الورقة
المالية بفرح . استدار، وعلى عجل حاول عبور الشارع فضربته
عربة مسرعة.. فصرعته على الفور. قلـــــت :
- كان ولداً طيبًا
حقاً . لماذا لم ينتبه ؟!
تعلقت عيناي بقدميه
. كان لسان حذائه يتدلى ساخراً ، وقد انفلت الربًاط . وعندما
وجدت حذائي بعد طول بحث كان الوقت قد تأخر كالعادة ، ولم يكن
حاجة لمزيد من الكلام فهبطت درجات السّلم على عجل .