عندما تطفأ آخر الأنوار


 نص مسرحي / مونودراما                   
  د. ثائر دوري

( يظهر على المسرح رجل جالس على كرسي متحرك . يبدأ هذا الرجل حديثه و المسرح بوضع أقرب إلى الظلمة ما عدا ثلاث أضواء مشتعلة )

الرجل :

سأبوح لكم بسر . إن هذه المسرحية ستنتهي عندما تطفأ آخر الأنوار ، عندها ستسدل الستارة و يغادر المتفرجون كل إلى بيته و أنا أيضاً سأغادر هذا ما قاله المخرج لي . لقد بحت لكم بسر مهنتي سيغضب المخرج ، لكن لا بأس لم يعد هذا الموضوع يشغل بالي كثيراً لأن الوقت المتبقي لي على خشبة المسرح يكاد ينفذ . قضيت عمري على هذه الخشبة و قمت بتمثيل مختلف الأدوار فحيناً مثلت دور الطفل ( ينهض الممثل عن كرسيه و يبدأ بالحبو على خشبة المسرح كالطفل ) و مرة مثلت دور المراهق الذي يحب و ينتظر حبيبته حاملاً وردة حمراء ( يؤدي الممثل هذا الدور ) . و في مرة ثالثة كنت رجلاً ناضجاً و أباً لعدة أولاد . و تقمصت حالات الحزن و الفرح و الصحة و المرض ، ودعت و استقبلت . لقد جربت كل شيء . أما الآن فأنا في المشهد الختامي من هذه المسرحية الكئيبة . و لا عمل لي سوى أن أحسب الوقت المتبقي لي على هذه الخشبة من خلال مراقبة أضواء المسرح .

 كما أخبرتكم بقيت لي ثلاثة أضواء قل أن ينتهي العرض و أغادر المسرح . كم أرغب أن أعرف حقيقة مشاعركم أمام
هذا الخبر ، هل فرحتم أم حزنتم ؟ أحياناً أشعر أنكم تتعجلون نهاية المسرحية و تعدون الأضواء كما أعدها كي تغادروا مقاعدكم ، لا بد أنكم مللتم مني . هل كنت ثقيل الظل إلى هذه الدرجة ؟ في البداية لم يكن هذا رأيكم بي و ذلك لأني كنت أؤدي دوري بإتقان و كنت قادرا على إدخال الفرح إلى قلوبكم و على انتزاع الضحك من أشد الوجوه عبوساً . كنت أركض على الخشبة بحيوية و نشاط مدخلا البهجة إلى قلوبكم ( تشتعل أضواء المسرح بالكامل و تبدأ موسيقا صاخبة فرحة و شاهد الممثل يركض على الخشبة . ثم تطفأ الأنوار من جديد )

كان الجميع يشيرون نحوي بالبنان . كنت إنسانا مشهوراً و كنت أحسب أن الحياة ، عفواً المسرحية ، لا نهاية لها . لكن فجأة و في إحدى الاستراحات بين فصول المسرحية اقترب المخرج مني و أخبرني بلهجة قاسية كأنها حد سكين أن دوري قد انتهى . و أني سأصعد إلى الخشبة لأقوم بآخر أدواري ، حيث سأمثل دور رجل مريض بالسرطان في مراحله النهائية . و هذه هي النتيجة ، كما ترون صرت أتحرك على كرسي متحرك و لا عمل لي سوى مراقبة أضواء المسرح ،فكما أخبرني المخرج و أخبرتكم إن دوري ينتهي و تسدل الستارة و أغادر المسرح إلى الأبد عندما تطفأ آخر الأنوار .

لم هذا ؟ هل أصرخ ؟ هل أحتج ؟ و بما ينفع احتجاجي طالما أن القرار مبرم . لا أريد أن أغادر فما زال هناك كثير من الأشياء أستطيع فعلها على خشبة المسرح . لن أسامح نفسي أبدا على أني بددت كثيرا من الوقت المتاح لي . لم لم أفكر منذ البداية أن وقت المسرحية محدود ؟ و أني سأنزل عن الخشبة في لحظة ما . لقد أضعت الكثير من الوقت في أمور تافهة .

و أنا أحاول الآن أن أستغل كل دقيقة متبقية . لحظة لا تطفأ الضوء الثالث ( يطفأ الضوء الثالث ) هل رأيتم إنه لا يستمع لي و لا يحفل باحتجاجاتي . ها قد أطفأ الضوء الثالث و لم يبق سوى ضوءين قبل أن يسدل الستار . ماذا سأفعل الآن  ؟ هناك سؤال يشغل بالي :

هل ستتذكرونني بعد أن أنزل عن خشبة المسرح ؟ أم أنكم ستنسوني بسرعة لتنشغلوا بممثل آخر ؟ لا أطلب منك أن تتوقفوا عندي لكن فقط تذكروني . لقد حاولت أن أدخل الفرح إلى قلوبكم . فنجحت حينا و فشلت حيناً لكني حاولت . اعترف أني أخطأت كثيراً و أضعت كثيرا من الوقت عبثاً لكن هذه هي شروط المسرحية .

في البداية يجعلك المخرج تعتقد أنه لا نهاية لها ، ثم يقول لك فجأة في إحدى اللحظات الحاسمة لقد انتهى دورك ، غير مبال بك و بدون أن يسألك إن كنت ترغب بالاستمرار أم لا . كم من الممثلين طلبوا منه أن يدعهم ينزلون عن الخشبة لأنهم لم يعودوا يملكون القدرة على التمثيل لكنه رفض و تركهم على المسرح لزمن أطول و آخرون ، مثلي ، كانت الأضواء تلمع حولهم و فجأة قال لهم انتهى دوركم تفضلوا بالنزول . يجب أن تغادروا .

بعض الممثلين يغادرون في نفس اللحظة التي أمرهم بها دون أن يترك لهم أية فرصة ليودعوا الجمهور . و آخرين مثلي حدد لهم الوقت المتبقي . لست أدري من هو أفضل وضعاً في هذه الحالة !! هل الذين يغادرون فجأة دون وداع . أم الذين يعرفون الوقت المتبقي لهم ؟؟ إني أتعذب لكن ما زال لدي وقت لأقتنص كل شعاع نور مخصص لي و سأنجز في هذه البرهة كل ما تقاعست عن إنجازه . لو أن جسدي المهدم يساعدني قليلاً . لكن لا بأس من مقعدي المتحرك هذا سأفعل كل ما أستطيعه .

( ينظر مليا إلى أضواء المسرح ) معنوياتي مازالت عالية رغم أني عندما يحل هزيع الليل الأخير و ينام الجميع فيغرق الكون بالسكون أنظر إلى تلك النجوم البعيدة فأتذكر بريق عيونكم كما أراه في ظلام الصالة . فأقول لنفسي أحقاً لن أرى هذا البريق ثانية ؟! فأشعر بقلبي و كأنه يسحق تحت جنزير دبابة . و كم من الناس سحقتهم هذه الفكرة ، فكرة أنهم سيغادرون دون عودة و أن هناك أشياء كثيرة ستحدث على خشبة المسرح بعدهم و لن يعلموا بها لأنهم غادروا . هل هو الفضول وحده هو الذي يدفعنا للتمسك بالخشبة إلى النهاية .

ستنسوني أعرف هذا لأن كثر غيري سيصعدون إلى هذه الخشبة و بعضهم سيكون أفضل مني . أعرف أنكم لن تتذكروني في زحمة الوجوه التي ستمر على هذه الخشبة . لكن ألا يوجد حل لهذه المعضلة . ألا يوجد حل كي تتذكروني دائماً ؟ هل أحرق المسرح برمته ؟ بعضهم فعل هذا . أحرق المسرح كي يتذكره الجمهور . لكني لست من هذا النوع . صحيح أني أحب الأضواء لكن لا يعقل أن أحرق المرح كي يبقى اسمي في الضوء . إني ألمح سخرية في عيونكم لا بد أنكم تقولون : انظروا إلى هذا النكرة إنه يسعى إلى الخلود على الرغم من أنه ممثل عادي ، ممثل لا أكثر و لا أقل . نعم أنا أسعى إلى الخلود و هذا حلم مشروع  . هو حلم كل البشر منذ بدء الخليقة . كلكم تسعون للخلود . جلجامش سعى إليه و الذين بنوا الأهرامات سعوا نحوه و الذين يقيمون التمائيل لشخوصهم يفكرون به و إنجابكم للأولاد سعي للخلود . كل واحد يسعى إلى الخلود بطريقته . أكاد اجزم أن هناك سعي إلى الخلود بعدد البشر الذين مروا فوق سطح الأرض و بعضهم يسعى دون أن يدرك أنه يسعى . نعم الجميع يسعون للخلود فلا يعقل أن يمر شخص فوق هذه الأرض دون أن يترك أثراً فيضيع و يفنى كأغنية في صحراء .

لو أني منذ البداية فكرت بهذا الأمر لفعلت أشياء كثيرة . كنت سأحاول أن أكون أقل سوءاً و أن أسخر كل وقتي و عملي لأدخل الفرح إلى قلوب جميع الناس كي يتذكروني في لحظات حزنهم . لم أكن سيئاً جدا على خشبة المسرح فقد شعرت في لحظات كثيرة أنكم سيعيدون بوجودي بينكم . لكني لم أكن مبدعاً خارقاً أعترف بهذا فكثيراً ما لمحت في عيونكم مللا و شعرت أحيانا أنكم تستعجلون نهاية المسرحية ، لكن كان هناك سر غامض أقوى مني و منكم يشدكم للمتابعة حتى النهاية . أصارحكم الآن أني كنت اعتبركم أيضا ممثلين و أراقبكم مثلما تراقبونني . و الآن أتساءل متى ستغادرون مثلما سأغادر ؟

( يطفأ الضوء الثاني و يبقى ضوء واحد مشتعلاً )

انتظر لم أطفأت الضوء لقد أصبحت الإنارة ضعيفة . ما أسوأ حظي لم أكن لا جيدا جدا و لا سيئاً لقد كنت عادياً كما هي حال ملايين البشر بل مليارات البشر . ما العمل الآن كي تذكروني ؟ وقت متأخر جدا لمثل هذا السؤال فمنذ قليل أطفا المخرج الضوء الثاني و لم يبق سوى ضوء واحد . لم يبق سوى الضوء الأخير . لكن هذا الضوء يبقى مدة طويلة إذاً ما زلت أستطع أن أفعل الكثير ، ليس الكثير الكثير لأن الضعف يدب في جسدي ،و ذهني مشوش لكن ما زال هناك كثير من الوقت و سأفعل الكثير الكثير ( في هذه الأثناء تخفت الإضاءة تدريجياً و يغرق المسرح بالظلام )

النهاية