|
دموع لا يراها العالم |
|
قصة قصيرة بقلم : د. ثائر دوري قالت له زوجته كما قالت له عشرات المرات من قبل : - اترك هذا الهوس و انتبه لعملك لقد أصبح أولادك شباباً و هم بحاجة لكل ليرة تكسبها من المحل . لكنه استعطفها قائلاً : - راح الكثير ولم يبق إلا القليل . و بدأ يشرح لها ميزات الانضمام إلى اتحاد الكتاب العرب . سيكون لي راتباً تقاعدياً و طبابة مجانية و سنحصل على حسم كبير على أسعار تذاكر الطيران على شركة الخطوط الجوية السورية عند سفرنا إلى خارج القطر , و سأحصل على ألف ليرة سورية مقابل كل قصيدة أنشرها في جريدة الاتحاد والنشر مضمونُُ عندما أكون عضواً في الاتحاد , و رجاها أن لا تدع الفرصة تضيع منه بعد أن وصلت اللقمة ..... و للإنصاف إن كل ما ذكره من مكاسب مادية لم يكن يعني له شيئاً , لقد كان يرغب في الانتساب إلى اتحاد الكتاب العرب ليصبح شاعراً معترفاً به ، وبالتالي يستطيع أن يلقي الشعر على منابر الاتحاد الكثيرة بعد أن يسبق اسمه تعريف (( الشاعر فلان عضو اتحاد الكتاب العرب )) , هل هذا الحلم البسيط كبير على مسيرة ثلاثين عاماً من مكابدة الشعر، بدأها منذ كان في المدرسة الثانوية , حيث تدفق الشعر من قريحته بعد أن أحب ابنة الجيران , فنظم قصيدة يشكو مكابدته من صدودها على البحر الطويل , الذي كان أستاذ اللغة العربية قد علمهم إياه حديثاً , ورغم أن أغلب رفاقه كانوا يكتبون الشعر مثله في هذه السن المبكرة إلا أنهم توقفوا عن فعل ذلك , أما هو فقد استمر مع أن الحياة لم تسانده أبداً في مسعاه هذا , إذ ترك دراسته و تطوع في المخابرات ليقضي عشرين عاماً من حياته المهنية برتبة مساعد أول في أحد فروع التحقيق ، في مهنة أبعد ما تكون عن الشعر , ورغم كل ذلك استمر يكتب الشعر . كان يستغل أية مناسبة ليعلن عن نفسه شاعراً . لقد ألقى قصائد في الأفراح وفي التعازي وعند عودة الغائبين و أثناء فراق الأحبة , كانت زوجته تنظر بلا مبالاة إلى نزوة زوجها هذه , بل ربما ارتاحت لها , إذ كانت تحقق لها حضوراً مميزاً في المناسبات التي يذهبان إليها أفراحاً و أحزاناً . لكن هذه اللا مبالاة بدأت تنقلب قلقاً حقيقياً منذ أن تقاعد عن العمل و بدأت نزواته الشعرية تكلفهم مادياً , فبدل أن يتفرغ لإدارة محل بيع الأحذية الذي يملكه صار يضيع كثيراً من الوقت في الركض وراء الشعر حيث كان دائم التواجد في المركز الثقافي , بل و إنه صار يسافر إلى المحافظات الأخرى ليستمع لأحد أصدقائه يلقي شعراً , ثم نحت الأمور منحى أكثر خطورة عندما قرر أن يطبع أعماله الشعرية وعلى نفقته الخاصة . لقد اختمرت في ذهنه فكرة الانضمام إلى اتحاد الكتاب العرب و كان الشرط الأول لتحقيق ذلك أن يكون لدى الشاعر مجموعتين شعريتين مطبوعتين . قاومت زوجته مسعاه هذا كثيراً , واستلزم طبع كل مجموعة شعرية مفاوضات طويلة معها , تبدأ بالنقاش الكلامي و تنتهي بأن يبكي بين يديها حتى يرق قلبها , الذي كان يزداد قسوة على مر الوقت , خاصة بعد أن بدأت تكتشف تلاعبه بحسابات المحل ليخفي عنها بعض المال كي يدعو أصدقائه الشعراء من أعضاء اتحاد الكتاب العرب إلى حفلات عشاء ، حيث يشتمون الحداثة الشعرية بعد أن يسكرون و يتهكمون على جيل الشباب الذي يكتبها ويستعيدون ذكرياتهم مع شعراء انقرضوا منذ زمن بعيد .
قالت له زوجته : وضح لها :
-
عضو
المكتب التنفيذي للاتحاد . و مسألة قبولي في الاتحاد هي بين يديه إن رشحني
قبلت و إن لم يفعل ضعت تماماً و صرت أشقى إنسان في الكون , سأشعر أن حياتي
ضاعت هباءاً منثوراً و أن كل ما صرفته في سبيل
قال ذلك و جثا
على ركبتيه و اعترف لها أن التراجع بات مستحيلاً لقد دعاهم إلى العشاء منذ
الصباح , و إذا تراجعت سيتلطخ شرفي بالوحل و سيرث أبنائي العار من بعدي , لو
أن المسألة تخصني وحدي لتساهلت بها , فأنا رجل قال ذلك ثم انخرط في البكاء , فرق قلبها . سألته : - هل أنت متأكد أن قبولك في الاتحاد مسألة مضمونة . جفف دموعه بمنديله , لقد عرف أنه بدأ يصل إلى غايته , لقد حفظ الطريق فما إن تبدأ بمناقشته حول الضمانات حتى يعرف أنها ستعطيه ما يطلبه , أكد لها أن المسألة مضمونة ألف في المائة , هل من المعقول يا حبيبتي , يا زوجتي العزيزة أن أغامر بلقمة أولادنا إن لم تكن المسألة مضمونة ؟ وهم أن يخبرها أن الشاعر الكبير عضو المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب العرب قد زاره مع صديقه الشاعر أحمد عضو الاتحاد ، أيضاً, الذي يمهد الطريق لدخوله في الاتحاد , زاره في محل بيع الأحذية هذا الصباح , حين كان ضيفنا الشاعر الكبير عضو المكتب التنفيذي يتجول في المدينة التي يزورها ليشارك في مهرجانها الشعري , و قد قدم المجموعتين الشعريتين إلى السيد عضو المكتب التنفيذي بعد أن كتب عليهما إهداءً خاصاً , فتصفح إحداهما السيد عضو المكتب التنفيذي و هز رأسه و هو يقرأ إحدى الصفحات . لقد كان الإعجاب بما يقرأ واضحاً على وجهه . لقد تناقشنا في حال الشعر العربي فاكتشفنا أننا متفقين في الحقد على الحداثة الشعرية و بالصدفة عرفت أنه كان يعمل مساعداً في فرع أمن قبل أن يتقاعد , تخيلي لو أني تعرفت عليه أثناء الخدمة لكانت الأمور اليوم أسهل كثيراً , لقد اكتشفنا أننا متشابهين في أمور كثيرة . و هم أن يقول لها أن نمرة حذائهما نفس الشيء , لكنه أحجم لإدراكه أن زوجته ستعرف أني أهديته حذاءاً من المحل و لم أتقاض ثمنه , وليت الأمر توقف عند هذا الحد , لقد استغل الشاعر أحمد الفرصة و أخذ هو الآخر حذاءاً دون أن يدفع ثمنه , هل يعقل أن أطلب منه الدفع أمام عضو المكتب التنفيذي ؟! ثم إن الرجل خدمني كثيراً و هاهو يسعى إلى ضمي إلى الاتحاد . هل كثير عليه أن يأخذ هو الآخر حذاءاً بألف و خمسمائة ليرة سورية ؟!! كما توقع وافقت زوجته وأعطته ما طلب . قبض المبلغ منها راضياً و كان قد استطاع أن يقتطع من المحل خلال الأيام الماضية خمسة آلاف ليرة سورية دون أن تشعر هي بذلك , و بالتالي صار المبلغ المرصود للعملية , خمسة عشر ألفاً ، مبلغاً معقولاً , لكنها اشترطت عليه بالمقابل أن يصطحب معه ابنه الصغير ذي الأعوام العشرة . هو يعرف هدفها من وراء هذا الشرط لقد كان هذا الصغير عينها التي ترصد بها كل شيء عنه , فطالما أرسلته إلى المحل ليخبرها بما يجري وافق على شرطها لأنه لم يجد ضيراً في أن يصحبه ابنه إلى سهرة مع ندمائه من الشعراء , سيدخل الولد الأوساط الأدبية باكراً ، وحقيقة أنه بدأ يفكر بإعداد ابنه هذا ليرث المجد الشعري الذي سيخلفه له لا سيما أن أخاه الكبير لا يكترث للشعر و لا يلقي له بالاً , لكن موافقته على اصطحاب ابنه ستكون سبب كل الدموع التي سيذرفها لاحقاً . جثا على ركبتيه و ذرف مزيداً من الدموع , ثم قبل يديها شكراً و امتناناً .
في المساء سارت
الأمور كما تمنى تماماً , إذ جلس في الصف الأول يرتدي بدلته السوداء و يضع
ربطة عنق أنيقة و ألهب القاعة , التي لم تكن تضم سوى بعض العجائز من أعضاء
الاتحاد وبعض المتسكعين من الشباب الذين التجؤوا إلى هذه القاعة لأنه ليس ثمة
مكان آخر يذهبون إليه . ألهب القاعة تصفيقاً عندما صعد الشاعر الكبير عضو
المكتب التنفيذي لاتحاد الكتاب العرب ليلقي الشعر , ومما ضاعف سروره ملاحظته
أن الشاعر الكبير قد ارتدى في قدميه الحذاء الذي أهداه له ظهيرة هذا اليوم ,
لا بد أنه أعجبه , طبعاً سيعجبه ، أحذيتي من النوع الممتاز المريح للأقدام .
يجب أن تكون الأقدام مرتاحة حتى تستطيع الرؤوس أن تفكر . أجهد نفسه كي يلتقط
بعض التعابير التي قالها الشاعر الكبير في كانت المائدة عامرة بكل ما لذ وطاب . فالوجبة الرئيسية كانت سمكاً بحرياً من النوع الفاخر , هذا ما نصحه به الشاعر أحمد , صديقه , لأن عضو المكتب التنفيذي يعشق السمك . اتفق مع إدارة المطعم أن توضع في منتصف الطاولة سمكة ضخمة لتزيين الطاولة , و هذا أمر متعارف عليه ، حيث توضع هذه السمكة الكبيرة لتزيين الطاولة ولا يمسها أحد من المدعوين , بل يستردها المطعم عند نهاية العشاء و يتقاضى ألف ليرة مقابل عرضها . قدر أن حاجتهم من المشروب لن تتجاوز اللترين من أفخر أنواع الويسكي لأن عدد المدعوين لن يزيد عن ستة أشخاص بأي حال من الأحوال . لقد سبق ضيوفه إلى المطعم ليشرف على تزيين الطاولة و ترك لصديقه أحمد مهمة إحضارهم . و أخيراً دخل الضيوف ، أولاً صديقه أحمد و معه الشاعر عضو المكتب التنفيذي و خلفهما رجلان لم يعرفهما يرتديان ملابس رثة . صدح الأرغن الكهربائي ترحيباً بالمدعوين ، و كان السيد علي قد أعطى العازف مائتي ليرة كي يعمل هذا الاستقبال . صافح السيد علي ضيوفه بادئاً بالشاعر الكبير عضو المكتب التنفيذي , وقال له : قلوبنا نفرشها لكم أهلا و كانت هذه إحدى الجمل التي استعملها الشاعر الكبير عضو المكتب التنفيذي في قصيدته التي ألقاها منذ قليل , و قد حفظها السيد علي بعده و لكن لم يبدو على الشاعر الكبير أنه تأثر لهذه المجاملة اللطيفة , بل ظلت تعابير وجهه قاسية . لاحظ علي ذلك لكنه لم يفقد رباطة جأشه , بل صافح بقية المدعوين و سار خلفهم إلى الطاولة . أصر أن يجلس الشاعر الكبير إلى صدر المائدة , و جلس على يمينه الشاعر أحمد و السيد علي و بينهما ابن السيد علي و على الجانب الآخر جلس الرجلان ، و قدر السيد احمد أنهما من المتطفلين هواة الشعر . لا بد أنهما استغلا هذا الموقف فحضرا ، يوجد كثير من هذا النوع بين الرجال . رجال يعرفون طريقة الذهاب إلى مكان لم يدعون له خاصة في أوساط الشعراء الذين يحسبون أن كتابتهم الشعر تتيح لهم خرق الأعراف الاجتماعية , يجوز للشعراء ما لا يجوز لغيرهم . كان أول أمر فعله الشاعر الكبير هو أن أمسك زجاجة الويسكي و فتحها ، ثم ناولها للسيد أحمد و طلب منه أن يسكب الويسكي على يديه ليغسلها . لقد غسل يديه بلتر ويسكي كامل ثمنه ألفي ليرة سورية . اصفر وجه السيد علي و خاف من الأسوأ , ماذا لو فعل بقية المدعوين مثله ؟ نظر إليهم بطرف عينه فعادت الطمأنينة لنفسه , لقد كانوا يأكلون دون أن يفكروا حتى بغسل أيديهم بالماء و الصابون . مسح الشاعر الكبير عضو المكتب التنفيذي يديه من آثار الويسكي بالفوطة التي أمامه ، ثم طلب من النادل ، الذي سارع ليتناول الصحن الذي سكب عليه الويسكي , طلب منه أن يحضر لترا آخر من الويسكي . قال الشاعر الكبير موجهاً كلامه إلى السيد علي : - اسمع يا علي ( هكذا ناداه باسمه المجرد ) أنت شاب و مازلت في بداية الطريق و طريق الشعر طويل , لكنك صاحب موهبة . يسعدني أن أرى أنه مازال هناك شباب متحمس للشعر . هكذا خاطبه رغم أن السيد علي قد تجاوز الخامسة و الخمسين عمراً , و يقيناً أني أكبره عمراً و هذا ما فكر به السيد علي . لكنه لم يتوقف طويلا عند هذه النقطة , بل نظر إلى الجانب المشرق في الكلام . لقد أشاد بموهبتي , هنا أمسك السيد أحمد جانب الكلام و شرح للشاعر الكبير أن السيد علي ,أو علي كما ناداه قد نذر حياته للشعر , إذ أنه يكتب الشعر منذ ثلاثين عاماً لذلك يرغب بالانضمام إلى اتحاد الكتاب العرب . كان سرور السيد علي من صديقه أحمد عظيماً و فكر أن ثمن الحذاء ليس خسارة به , و بات ينتظر رداً من عضو المكتب التنفيذي , الذي قال : حول هذه النقطة أنا أختلف معك …… هنا اصفر وجه السيد علي , ماذا يرفض انضمامي إلى اتحاد الكتاب العرب و دارت الدنيا بعيني السيد علي . لكن تبين سريعاً أن الشاعر الكبير يختلف مع السيد أحمد على جانب آخر من الحديث لا علاقة له بانضمام علي إلى الاتحاد , قال شارحاً فكرته : بالنسبة للعمر الشعري فهذا برأيي من الأمور التي لا قيمة لها فرامبو مثلاً ( كان شاعرنا الكبير قد قرأ سيرة رامبو , الشاعر الفرنسي , حديثاً في كتيب صغير أصدره اتحاد الكتاب العرب مترجما عن الفرنسية بمناسبة المئوية الثانية لولادته , و هذا الأمر جعله معجباً برامبو رغم أنه يكره الحداثة الشعرية , و إن إعجابه المستجد برامبو سيترتب عليه نتائج هامة في هذه السهرة ) رامبو الشاعر الفرنسي عاش ثلاثين عاماً فقط , أي أن عمره كله بعمر صاحبك الشعري , لكنه أذهل البشرية . إن العمر الشعري أمر لا قيمة له هل الشعر جيشاً ليترقى الإنسان فيه بعدد سنوات الخدمة ؟ لا أبداً ربما كان صاحبك هذا الذي يكتب الشعر منذ ثلاثين سنة , ربما لا يزال برتبة مساعد , في ثكنة الشعر. الترفيع من رتبة إلى أخرى ليس بعدد سنوات الخدمة بل بالموهبة . دارت الدنيا برأس السيد علي , ما معنى هذا ؟ لقد ضعت . أنا لم أعد أفهم شيئاً مما يجري حولي , منذ قليل قال إني موهوب والآن يقول إني ما أزال مساعداً ماذا يحدث حولي ؟ وهؤلاء الآخرون الذين لا هم لهم إلا أن يأكلوا , ما الذي جاء بهم أصلاً إلى هنا ؟ أنا لم أدعوهم . إن استمروا بالتهام الطعام بهذا المعدل فسيحتاجون لمائدة أخرى , ماذا يجري أنا لا أفهم شيئاً ؟ و لمح ابنه يأكل لكنه يراقب ما يجري , لا شك أن أمه أوصته أن يحفظ كل ما يسمع ليروي لها كل شيء. لقد ضعت . أحس بضيق في صدره ، و تذكر انه لم يتناول حبة النتروغلسرين ليوسع شرايين قلبه المسدودة . و باتت صورة زوجته هي الوحيدة التي أمام ناظريه , ماذا سيقول لها ؟ كيف سيفسر لها ما جرى ؟
نظر إلى صديقه
أحمد متوسلاً فبادله الأخير بنظرة مشجعة , كأنه يقول له تماسك مازالت الأمور
حسنة , فتماسك السيد علي ونظر إلى الطاولة من جديد نظرة واعية فرأى أن الشاعر
الكبير لم يمد يده إلى الطعام بعد و قدر أنه إن لم يفعل ذلك خلال خمس دقائق
فإن الشخصين الآخرين لن يتركا على المائدة شيئاً يؤكل , استغل الصمت و إحضار
النادل للتر الويسكي و دعا الشاعر الكبير ليمد يده إلى المقبلات ريثما يحضر
السمك . عندما سمع الشخصين الآخرين بأن السمك سيحضر توقفا بوقت واحد عن
التهام الطعام كأنهما كانا يحسبان أن الوجبة هي ما كان على الطاولة فقط .
تهيأ الشاعر الكبير لتناول الطعام , أمسك السكين و الشوكة وبلحظة واحدة وجه
طعنة نجلاء إلى السمكة الكبيرة الموجودة في منتصف الطاولة لتزين المائدة
فنهشها نهشة محترمة الحجم . أصابت الطعنة فؤاد السيد علي في الصميم لقد تأذت
السمكة و بالتالي أضف عشرة آلاف ليرة إلى الحساب دفعة واحدة ، عاودته آلام
الصدر فتذكر النتروغلسرن من جديد . هم أن - يا علي في الحقيقة إن موهبتك واضحة و إنك لشاعر ، و سيكون لك مستقبل كبير . لقد قرأت مجموعتيك الشعريتين و أعجبت بهما .
وازنه هذا الكلام
قليلاً بعد الضربة القاضية التي تلقاها منذ قليل . وتراجعت صورة زوجته إلى
الخلف قليلاً , إنها ليست قاسية إلى هذا الحد ستتفهم الموقف - بصحة صديقنا الشاعر علي أبو سامر . وغب الجميع أكوابهم , و بدا أن الأمور بدأت تأخذ منحى حسناً لقد شرب الشاعر الكبير نخبي كشاعر , لكن الطعنة هذه المرة جاءته من حيث لا يحتسب لقد نطق أحد الشخصين الجالسين على الطرف الآخر من المائدة , قال : - اسمح لي يا سيدي أن أعترض على وصفك أخانا ( و أشار بإصبعه نحو السيد علي ) هذا بالشاعر . هذه الكلمة يجب أن لا تلقى جزافاً إنه أمر مأساوي ما يحدث في بلدنا من فوضى . كل شخص يسمي نفسه كاتباً أو شاعراً أو مثقفاً هذه فوضى مؤسفة , لا يجوز أن تبقى الأمور بهذا الشكل . تخيل معي لو كان بإمكان أي شخص أن يقول عن نفسه طبيباً أو مهندساً , بالتأكيد كانوا سيحبسونه بتهمة انتحال مهنة و سيحكمونه بالسجن مدة ثلاث سنين , أنا لا أفهم بالأمور القانونية كثيراً , لكن شيئاً شبيهاً بهذا كان سيحدث . أما في الشعر و الثقافة فالأمور مباحة كل إنسان يطلق على نفسه ما يريد من ألقاب و لا أحد يحاسبه , بماذا أصف هذا الوضع سوى بالفوضى ؟ صحيح أن بلدنا قد تقدمت كثيراً , لكن في هذه النقطة ما زلنا متخلفين . يجب أن يكون للمسألة ضوابط , لا يجوز أن يبقى الحبل على غاربه . تصوروا عديم الضمير هذا الذي أفسد كل شيء , لم يتكلم منذ دخل ، لم يفعل شيئاً سوى التهام الأطعمة وعندما تكلم كفر , صام دهراً و نطق كفراً , لقد خرب كل شيء . أنا على استعداد لأقتله في هذه اللحظة . لكن حمداً لله أن هناك صديقاً صدوقاً اسمه أحمد و يجلس على يمين الشاعر الكبير عضو اتحاد الكتاب العرب وأهم من كل ذلك , تربطه صلة صداقة بالشاعر الكبير و بالتالي فإن لكلامه صدى في إذن شاعرنا الكبير أكثر من هذا الخنزير الجالس في حضني و ينتف في ذقني , قال الشاعر أحمد : - تصور يا أستاذنا أن صديقي علي ، أبو سامر ، يحمل رأياً مشابهاً لهذا . كان يرفض أن ينادى شاعراً , كان يقول لي دوماً أنا لا أستحق هذا اللقب إن لم أكن عضواً في اتحاد الكتاب العرب . الأمور ليست سائبة . اتحاد الكتاب العرب هو الذي يقرر من هو الشاعر و من هو غير ذلك. تهيأ عديم الضمير ليقول شيئاً ما , لكن لحسن الحظ أحضر النادل طبق السمك فانشغل بالسمك عن كل شيء و كان هذا مصدر راحة للسيد علي , الذي تنفس الصعداء , لقد حول السيد أحمد الضربة التي وجهت له إلى رصيد يحسب له بكثير من المهارة . و لتأكيد هذه النقطة من جديد رفع السيد أحمد كأس الويسكي و دعا الجميع للشرب : - بصحة أستاذنا الكبير , و بصحة ولادة شاعر جديد ( كان يعني السيد علي ) و بصحة جميع الموجودين . مرت الأمور هذه المرة بسلام فقد انشغل عديم الضمير بالتهام السمك . و بدوره رفع السيد علي كأسه داعياً الجميع لشرب نخب أستاذنا الكبير , و نخب الجميل السماوي الرفيع ( كان هذا عنوان ديوان للشاعر الكبير ) .و قرعت الكؤوس و تبادلوا الأنخاب مراراً و تكراراً . و بدا أن الويسكي بدأت تلعب برأس شاعرنا الكبير . و عاد يتحدث عن شاعرية رامبو و يرمق خدود الفتى ابن السيد علي الوردية و بشرته ناصعة البياض بنظرات و قحة . في الحقيقة إن هذا الإعجاب المستجد برامبو كان مفاجأة للسيد علي , إذ لم يخطر على باله أن يكون الشاعر الكبير, الذي يكتب الشعر على بحور الخليل بن أحمد الفراهيدي معجباً برمز من رموز الحداثة الشعرية العالمية , بل برمزها الأول . ليت المفاجأة توقفت عند هذا الحد , بل يبدو أن إعجاب الشاعر الكبير برامبو لا يتوقف عند حدود الشعر, بل وصل إلى أمور أخرى , هذا ما أفصحت عنه تلك النظرات الملتهبة التي بدأ يرمى الفتى بها . انتبه السيد علي إلى ذلك متأخراً عندما طلب الشاعر الكبير من السيد أحمد أن يتبادل الأماكن مع الفتى ليجلس الفتى إلى جانبه , هكذا طلب دون أي حياء , لقد أمدته سيرة رامبو الشخصية بشجاعة الإفصاح عن هذه الأمور , ولا أحد يدري هل الرغبة بالفتيان من الأمور المستجدة في شخصية شاعرنا الكبير, أي مجرد رغبة بتقليد رامبو علّه يُخلد في سجل التاريخ كما خُلد رامبو , أم أن عشق الفتيان قديم في نفسه , لكن الحياء كان يمنعه من البوح , و أتت سيرة رامبو لتشجع على البوح , أي لتصب البنزين نار مشتعلة أصلاً . كان هذا مأزقاً لا على البال و لا على الخاطر , فكر السيد علي أن الولد سيضيع و هم أن يصرخ و يقلب الطاولة بوجه الشاعر الكبير عضو المكتب التنفيذي . لكن عندها كل شيء سيضيع . و الحمد لله أن صديقه أحمد لم يجعله يفعل , إذ لمس يده مهدئاً . لكنه عاد يغلي عندما قبل الشاعر الكبير خد ابنه و بان أنه مد يده من تحت الطاولة ليعبث بالفتى , هنا الأمور لم تعد تحتمل السكوت و هم أن يصرخ , لكن هذه المرة جاءته النجدة من حيث لا يدري . لقد امتلأت مثانة الشاعر الكبير فنهض ليفرغها , فاستغل السيد أحمد الفرصة و غمز علي أن يخرج ابنه من المطعم و يرسله بسيارة أجرة إلى البيت . كانت الويسكي قد أخذت بلب الشاعر الكبير فلم ينتبه أن الفتى لم يعد موجوداً , بل عاد يصرخ أنه يحب الحرية , الحرية المطلقة , ولا شيء سوى ذلك . لا أقبل أية قيود ……………
من جهة أخرى لم
يعد السيد علي في هذا العالم , لقد صارت همومه أكبر من قدرته على الاحتمال ,
الآن سيصل الولد إلى البيت و سيقص على أمه كل شيء , ثم من سيدفع الحساب , كل
ما كان يحمله يبلغ خمسة عشر أ لفاً و يقيناً أنها لن تكفي فثمن السمكة
الكبيرة التي نهشها هذا اللعين تساوي عشرة آلاف و. كما أن عديمي الضمير شربوا
خمس لترات من الويسكي , وحده غسل يديه بلتر كامل , غسل يديه بألفي ليرة عداً
و نقداً , و لم يكفه هذا بل كان يريد أن يخرب الولد . أثقلت على صدره كل
مصائب حياته و أحس أنه رجل ضائع لا نفع منه . بدد الأموال التي يحتاجها
الأولاد و جرى وراء ترهات لا تسمن و لا تغني من جوع و ماذا كانت النتيجة ؟ لا
شيء حتى الآن . أحس برغبة في البكاء و هم أن يطلق العنان لها إلا انه أحجم في
اللحظة الأخيرة لأنه سيحتاج إلى كل قطرة دموع بعد قليل ليستعطف زوجته بعد
الذي جرى هنا . وضع نصف حبة من النتروغسرين فارتاح صدره قليلاً . أحس صديقه
أحمد بحالته النفسية فأنهى السهرة وانسحب هو و الشاعر الكبير و نهض عديما
الضمير في إثرهما دون أن يشكرانه و لو بكلمة واحدة . و بقي هو ليدفع الحساب
سدد كل ما يحمله و أبقى معه مائة ليرة فقط و رهن بطاقته الشخصية لدى صاحب
المطعم , ثم خرج ينتظر سيارة أجرة لتوصله إلى المنزل , لفحه الهواء البارد
فانتعش قليلاً و تذكر رغم كل خسائره أن الأمور جرت بشكل معقول فأحس ببعض
الراحة . صعد في سيارة الأجرة و فكر أن المشكلة الوحيدة التي يجب أن يفكر بها
الآن هي زوجته . كانت دموعه قد بدأت تترقرق في عينيه , سيبكي كثيراً هذه
الليلة حتى يستطيع استرضاءها , هذا ما فكر به
|