|
|
لوحة الفنانة التشكيلية عطاف نصري العظمة |
|
وطن في حقيبة سفر |
|
سوسن البرغوتي كيف يمكن أن نقارب في وقت الحرب بين العمليات العسكرية وما يترتّب عنها من قتل وتشريد وظلم يطال الأبرياء والبناء، وبين المشاعر والأحاسيس الإنسانية.؟ من الظلم أن نغفل المشاعر الإنسانية في زمن الحرب، ونجد بأن التعويض الوحيد على ما نشهده يومياً عبر وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة من تدمير وسفك دماء وعنف، لا بد يشعرنا بضرورة إيجاد مساحة أخرى من عوالم الروح تمدنا بطاقة القدرة على الاستمرار. وليس مستهجناً أن يتغنى الشعراء بذكرى وأطلال الحبيب، مستبيحاً إراقة دمه على يد غاصب محتل لأرضه وقلبه ومشاعره. فالوجدانيات قوتاً روحانياً يقربنا أكثر من تقبّل الواقع والصمود، وتفسح حيزاً أوسع لكراهة الظلم في حياتنا، مستنجدين باستجلاب الحلم لأمل ليعيد الإشراق إلى نفوسنا وأرواحنا، ويطهّر بأمواجه المتجددة بذور الشك والانكسار الآتية من تداعيات ذلك الظلم. الأحداث المثقلة بالهم والغم والتكدر، تفتح واحة نلجأ إليها عند عِظم المآسي، ليس هروباً منها بقدر ما هو شعور بالحاجة إلى تنفس عميق يعطي لوناً آخر زاهياً لغمامات فضائية موشّحة بالغيوم المحملة بأبخرة التلوث على جميع الأصعدة، كي تزيد المشهد كآبة وارتباكاً. إن ما يثير الغثيان حقاً هو رؤية نماذج مسكونة وشغوفة بالـ "أنا" على حساب كل ما يصيب ويحدث ويسبب معاناة شعب بأكمله، وتحجيم الوطن على خلفية الاسترسال بنرجسية تلك الـ أنا.! لا لوأد روح الطفولة البريئة، ولا لتهشيم أو تهميش كرامة وسيادة وطن بأي معنى وأي حجّة، إلا أن تلك الـ أنا تتضخم وبعنجهية مفرطة، وبسطحية تطغى على المعقول واللا معقول. لعل هزيمة الروح هي أقسى ما يمكن أن يواجهه المرء، وإهمال قيم أخلاقية متوارثة وجليلة من أجل تلك الـ أنا اللعينة. الوطن ليس ترفاً أو تملّكاً لمقتنيات مكانية تجميلية، الوطن أكبر من أن يصبح مفردة تائهة في قواميس الإثارة، وفوضى تلج خارطة الأجساد والنفوس، إنما هو قضية كرامة ووجود. تجوب العيون ليل نهار السهول والجبال، وتتغنى الألسن بالميجنا والعتابا، وتتمايل وتتراقص الأجساد طرباً على وقع نسيمات الخريف القادم، ولا تشكل إطاراً لذكريات وانتماءات وصحبة وحب، بل تغيب وتتلاشى، ليصبح الهروب من مواجهة الذات فعلُ ترف.! عندها يبرز السؤال الكبير: هل نحب الوطن حقاً، أم نتوهم ذلك الحب ولا نعيشه ولا يسكننا كأنه بيت للدمى، ننشد أغنيات الحب والحرية، ومن ثم لا ندرك متطلباته وحقه علينا. عندما تجنح بنا الرغبات لتقتصر على خيارات السيئ أو الأسوأ، يقيدنا قيد إشكالية تزيد العبء والضيق بثقافة الهزيمة والانكسار، في حين أن الحب والإيثار يحتاج إلى ثقافة مغايرة لهذا كله، نستمد منها ثقافة صمود إلى مزيد من التصدي لصنع نصر يبدو مستحيلاً. إن المساحة الضيّقة التي خلّفتها محدودية الاختيار، أعاقت إيجاد وسائل عودة الابتسامة إلى وجه طفل فقد أهله، ودُمّرت داره، وبسبب تلك المعاناة الترفيهية كان الهروب إلى الأمام لإيجاد وسيلة أسهل للتعبير عن الحب لينكشف بعد قليل بأنه ظلٌّ للحب ونسخة مشوّهة من صورته، وليس مرآة تعكسه قولاً وفعلاً.. فهل الوطن بخير ومعافى، أم هو كما كان في كل وقت يرضى بنا ونرضى به سواء كنا أسوياء أم لا؟.. تلك الرغبة التي يملكها هذيان التيه بالـ أنا، لم تعد تفصح إلا عن سذاجة وضآلة نضوج الفكر. وتعود الـ أنا برغم الانكسار الداخلي، مبررةً ضعف الإرادة ونقص مناعة الحب المجرد المطلق، إلى غريزة توّاقة للهجرة بعيداً، ويصبح الوفاء شعاراً نطلقه زفرة عندما نتخلّى عن ثقافة الشجاعة التي نواجه بها الإغواء والإغراء. ما أقبح الذات التي تحتل مركز الكون، وما أسوأ الرقم واحد في أي مفاضلة. إن ملكة النحل التي توصف بالكمال والعطاء والجمال، تُقصي وتلغي كل من لا يدور في فلكها ويخدمها، وعند أول اختبار لتلك الـ أنا المغلفة بمجموعة رغبات غريزية، تجعل نداء الغرائز مبرِراً لتملّك الحياة، يبعدنا بنفس القدر عن الشعور بالحياة نفسها، والإلحاح بتكريس العقل لخدمة رغبات غريزية، تبقينا كائنات طفولية تفصلنا عن المعرفة ألف سنة ضوئية. وتستمر الرؤى الشغوفة في البحث عن ملاذ من عدم وضوح القرار بين أن يكون الوطن للعاشقين والحالمين وصنّاع الحلم، وبين أن يصبح وطناً في حقيبة سفر صغيرة..
|
| 7/10/2006 |
|