تراتيــل شقائق النعمان
 

..أبحث عن كلمة

سوسن البرغوتي
 

يوم رحل الفارس باكراً، حسبت شمس عروبتنا مقبلة على الغياب... رحل عنا جمال عبد الناصر...

أفتش بين دفاتري القديمة عن ابتسامات والدي كلما ظهر جمال عبد الناصر على الجماهير، تتحشّد الناس كبارا وصغاراً يستمعون إلى الخطاب العربي موشى بالدم الحرّ العربي، يصل إلى جموع المستمعين، وسرعان ما تشق أصوات هتافاتهم عنان السماء.

طفلة صغيرة غضة تحمل صورة، صورة لوجه غاب عن ساحات النضال باكراً، صورة ليس أكثر لكنها تحمل دلالات أخرى غير الرسم والحروف، وقطع حلوى تُوزع في كل يوم على أطفال الرياض، تحمل رسالة من زعيم الأمة.

رحل عبد الناصر فبكينا كثيراً، وصمتنا طويلاً، وبدأ العد التنازلي لتنسدل ستارة الظلام العربي على عتبات حلم في رجل حرّ.. أضاعوه. وها هم يتأملون الظلام الآتي ببلاهة..
ماذا كانت توحي لهم أحلامهم يومها، هل السكن في قصور تستعر بحمى المجون، أم بعودة شهريار ليواصل كما كان على مرّ التاريخ اغتيال وردة في كل ليلة..؟!
وارتقى الجلاد ليصبح بعد غفوتنا سلطانا، والشعوب تقبّل أياديه، وتغسل أقدامه، وتدعو عليه بالموت، هكذا يقول المثل.

حالة غريبة يعيشها الإنسان العربي، لا يملك حتى سداد لقمة عيشه، ونقمة على ظروف حياته وعلى وطنه، ومهانة وذلّ نفسه من أجل فتات لا يُغني ولا يُسمن..

ما أشبه حالنا بحال جمل، كأنه وُلد ليحمل أثقالنا ويركع، ويراكم في سنمه كماً هائلاً من الحقد، يغفو ويصحو في كل يوم عليه، يثقل كاهله.. يعمل على تدميره، ورغم ذلك لا يجد مخرجاً.
هكذا علموه في برنامج التعليم، "المواطن الصالح هو الأحمق الذي يصدق فيض الأكاذيب والتضليل، ويهتف.."بالروح بالدم نفديك يا زعيم.."
قمم ووفود وساحات لقاءات وحوارات.. لكننا لا نتحرك قيد أنملة إلى الأمام، بل نغوص أكثر في بحر دماء.
نتعلّم كيف نصبح جمالاً قابلين للترويض على الجوع والحرمان، ونحن نرى ينابيع أمتنا، يردها جنود أتوا يلقون علينا دروساً في الحرية، فإذا بهم يدمّرون الحياة على الأرض، ويحتلّونها، ويغتصبون براءة أطفالنا، ويشعلون نار الفتنة، ولا يتركون لنا أثرا..

نبحث عن فكرة لنشتري لأطفالنا ابتسامة سرعان ما تضيع وتذوي ثم توأد في حضن أمها، ولا أحد ينكس علماً، ولا نسمع للشهامة صوتاً.
أصابنا عمى البصيرة والبصر، وخضنا في هرج ومرج وصيحات تتساءل: كيف نحيا.؟

فاجأنا النور، فصُدمنا.. تراجعنا وجلين نتفكّر، لم نعد نقوى على رؤية النور ساطعا، تجاهلنا الحقيقة، وغابت عنا مفاهيم الحرية، لتصبح في حضن ديموقراطيات مفصّلة، وتبقى الفكرة التي جاءتنا على ظهور دبابات وجرافات، تعلمنا أصول الحياة في عالم جديد متمدن.

ما زالت الحيرة تعصف بي..أبحث عن نفع ذلك الآتي ووطني محتل، وإرادتي مغتصبة.

فكيف نعلن أننا دول صاحبة سمو وسيادة، قبل أن نسترجع أرضنا المحروقة، وشعب يُباد في كل لحظة، وقبل أن نكسر القيود التي كبلونا بها بمرجعية استعمار أعلن أهدافه ومراميه.؟

كلها قبل بها الحاكم بأمرهم، وقال إنها التطور والتقدم والحرفية في اللحاق ومواكبة عالم يسبقنا ألف سنة ضوئية.
صفقنا وهتفنا.. لتحيا الديمقراطية، والشعوب العربية لا تحتاج إلى تلك البضاعة الاستهلاكية، إنما تحتاج إلى ضوء للحياة.
لا وألف لا فتلك الآفة الفتاكة إنما هي صناعة "إسرائيلية"، والمعتوه في بيت أسود يجر لبلاده الويلات، وهو يطبق بالحذافير كتابه النجس وتعاليم الماسونية.
مذابح ومجازر وأرواح تزهق، وهو ينادي بحق الدفاع عن القاتل، ونحن استسلمنا على أننا الضحايا..
هراء كل هذا.. فلم نكن ضحايا ولا قرابين، إنما كان صمتنا العاجز حتى عن مواجهة أكذوبة تعلمناها في مدارسنا، وأن "إسرائيل" من المستحيلات التي لا تُهزم.

إلى أن طلع فجر يحمل بشرى صحوة، وولدنا من جديد، وخرجنا من سطوة الجرافات والدبابات، لنغتسل من آثام السبات ونطهر صدورنا من ذلك العفن القديم.

بعد طول انتظار معتصم عربي جديد، نشد معه الرحال في كل يوم، ونلبي نداءه بالصمود والثبات، أن أفيقوا فلا المذلة سمتنا، ولا الرجولة تقتضي الصمت بعد اليوم. جاءنا صادق الوعد نصر الله، فوجدت الكلمة والفكرة في وفائه ووعده وصدقه.

وتعود الجماهير لتستمد الطاقة والقوة من نصر الله.

هي تلك الحروف المتشابكة في وهج الفوز، ورعشة روح توّاقة للكرامة لم يعد لها نصب تذكاري في قواميسنا، عادت لتحيا فينا ونحيا بها..فهل أنت الحروف الوردية التي افتقدناها، وهل معك وبك يتجدد الأمل والحلم.؟

بعد غياب زعيم العروبة عبد الناصر، وفي ذكرى رحيله، لتكن شمسك ساطعة تفكك عرى ظلامنا الدامس، فقد تراكمت عناصر البغضاء، وتوالدت مع المزيد من الدمار، فنتساءل.. تُرى متى سيتفجر الصمت بعد النصر يسطر بدء مرحلة الصحوة الكبرى؟.
 

1/10/2006

صلونا

مداخلات   |

بوح وجداني  |

مقالات    |

روح وظـل  |

أهلاً وسهلاً  |