المــــهرجـون

 

سوسن البرغوتي

الاتقان المهني يستدعي أن لا يكون الفارق كبيراً بين وقائع موثقة وحقيقية، وبين سرد ما يشبه مبررات ليست أكثر من حجج تفتقر إلى إسنادات ثابتة على أرض الواقع، ولا شك في أن هذا الدور الثانوي يعمل على قاعدة منطق أعوج يعتمد على استغفال المتلقي من خلال توظيف ظلّ تابع وليس فاعل.

إن هذا السلوك يشبه إلى حد كبير ما يحدث على خشبة المسرح، سواء من خلال عرض مسرحية هزلية أو تراجيدية، إذ لا بد من استخدام شخصيات تلعب الدور الهامشي إلى جانب من يمثّل الأدوار الرئيسة، وغالباً ما يتم اختيار هؤلاء الممثلين من اللذين لا يتقنون لعب الأدوار الرئيسة.

فالهامشي غير المسؤول سرعان ما نكتشف  أنه يضع قناعاً مفصّلاً على قياسه، يتحرك في الظل دائماً، ويلجأ إلى الزوايا المعتمة، ومنها يصول ويجول ضمن الإطار المقرر له سلفاً ولو كان بسيف صدئ، يحارب ليس من أجل قضيّة مهما كانت قيمتها، بل هو يحارب من أجل خرافة ووهم.

يبدو المهرج على المسرح أكثر بلاهة من إتقان واستيعاب الدور المخصص له، وهو أول من يدعو إلى سخرية رواد المسارح لسخف حركاته وما يفتعله من حركات مسطّحة وتافهة، ربما تكون مقصودة لتخفيف وطأة الثقل الحقيقي على دور البطل الأساسي.

تسليط الضوء على الشخصية الأساسية، خاصة إن كانت شريرة ويتضح دورها التخريبي منذ بداية رفع الستار على خشبة المسرح يرهقها ويكشفها بسرعة فائقة، لذا فالاستراحة المفتعلة فاصل ضروري وملحّ لحضور تلك الوجوه وتلك الأقنعة.
كما أن هناك شخصيات أقل ما يليق بها أن تُوصف بالمهرجين، وهي شخصيات غير لازمة في خضم الأحداث، والاستغناء عنها لا ينقص ولا يزيد لا من قريب ولا من بعيد على الحبكة المسرحية.
اكتمل المشهد الهزلي بعناصره، ويبقى التقويم الأخير للمتلقي والناقد وفق مجريات الأحداث، واستناداً إلى أدوات معرفية، بعيدة عن الخداع المقنن.

لقد توارى "ماكبث" وراء دور البطولة، وقاد مع داخله الخفي صراعاً قبل أن يحاول إقناع الآخرين بأحقية دعواه، وقد حاول بروتوس أن يبرر اغتياله للقيصر، ولكنه في العرف المهني على الأقل، يبقى من خان أمانة التبعية، ومهما قدّم من مبررات فهي واهية هشة، ما دام يتقاضى أجره من ولي لقمته اليومية. لكنه لم يوفر فرصة سانحة للانقضاض على الإمبراطور، ويوجه إليه طعنة نجلاء كضربة قاضية، دفوعاته إذن كانت بالنتيجة من أجل عمل تقاضى عنه أجراً لا عن قضية عادلة تظهره على أنه ثائر قضية، وهذا أخطر ما يمكن أن يجنح البعض إلى تبريره وتفسيره.

وهكذا هي الحياة  كما على خشبة المسرح، الفارق الوحيد هو أن المشاهدين ليسوا متفرجين فقط، بل مشاركون وتقع عليهم مسؤولية تغيير المفاهيم والمعالم المغلوطة، كما أن حركة الشعوب لا تقتصر على التوثيق واختزان الأحداث في الذاكرة فقط، بل تعتمد على المواجهة. أما المهرجون في كل مكان وزمان يلعبون الأدوار ذاتها، طلباً للاسترزاق، وليس للمطالبة بحق مجرد من أي اعتبار.
يأتي دور الشرفاء كوسيلة وليس كغاية للمد الشعبي، وكأداة وليس كهدف، وكلما صمدت الأيادي المخلصة الثابتة على مواقفها، كلما التف الشعب حولها، لتستمر المسيرة متطابقة منسجمة مع طموح الناس ومطالبهم.

القوة التي تعتمد على النفوذ الخارجي والمال المنهوب، منقوصة بالرهان على القوة المرحلية، فكلما طار الوقواق السارق  وارتفع، تصبح احتمالات سقوطه أسرع كفريسة لصقور تستبيح لحمه في غابة تقوم على مبدأ البقاء للأقوى.

منذ أن بدأت الحياة البشرية على البسيطة، والصراع بين الخير والشر قائم ومستمر،وأول مسرحية حياتية للبشر، كانت بدافع غريزي، وحدثت الفاجعة الإنسانية عندما قتل قابيل هابيل.
ورغم تقدم وتطور فكر الإنسان، إلا أن تلك الغريزة البدائية المقيتة ما زالت تنصب شباكها، تبرر الوسيلة للوصول إلى الغاية مهما كانت قسوة تلك الوسيلة أو انحطاط أخلاقيتها، وتسبيح السبل المتاحة وغير المتاحة لغاية تصل بصاحبها حد الهوس بشرع الغاب، دون الالتفات إلى صحوة ضمير أو توبة...
سيبقى هذا الصراع بين الأخيار والأشرار قائماً إلى أن ينتهي هذا العالم، خاضعاً  لعقاب وحساب مؤجل أو معجل، من قوة خالق لا يشكك فيها غير الكفرة الجهلة، فالإيمان القوي السليم سلاح فاصل، يفصل بين الحق والباطل وبين التنوير والتضليل.

 

27/1/2007
 

صلونا

مداخلات   |

بوح وجداني  |

مقالات    |

روح وظـل  |

أهلاً وسهلاً  |