الأديب طارق عبد الرحمن شما

مواليد اللاذقية-(سوريا ) عام 1971.حاصل على الماجستير في الترجمة والأدب المقارن من جامعة بنغمنتون في نيويورك
(State University of New York at Binghamton)
ويحضر حالياً للدكتوراة في نفس الجامعة
نشر ترجمات وقصصاً قصيرة في عدة دوريات، وله حالياً مسرحيتان مترجمتان قيد الطبع في سلسلة إبداعات عالمية الكويتية بعنوان : محنة الأخ جيرو وتحول الأخ جيرو للكاتب النيجيري وول سوينكا

hesperus59@hotmail.com
 

الكاتب الكبير الأستاذ محمد الماغوط

 

نـــــزوة

جذبت انتباهه ضحكة نسائية عالية جاءت من مقدمة الصف الأيسر، فتنبه مما كان غارقاً فيه من أفكار. لم ير هذه الفتاة عندما صعد إلى الحافلة، فلا بد أنها قد جاءت من محطة لاحقة. كانت ما تزال تتحدث بصوت بدا له مرتفعاً وتتضاحك مع رفيقة لها جالسة إلى جانبها. كانت ترتدي بلوزة ضيقة تلتصق بالجزء العلوي من جسدها، وتقصر حتى لا تكاد تلامس خصر بنطالها الجينز الضيق الذي يكشف كل ثنيات ساقيها، ثم ينحسر فوق قدميها اللتان كانتا تتأرجحان في صندل براق ذو نعل بالغ الضخامة، وكأن طولها لا يكفيها. كانت تميل أحياناً إلى الأمام فينكشف جزء من قميصها الداخلي في أسفل ظهرها، ولكنها لم تكن واعية بذلك، أو ربما غير مكترثة به. من فتيات الجامعة دون شك! لا بد أن لها صديقاً من زملائها. هل هي ذاهبة إلى مقاعد الدراسة أم إلى حفلة راقصة؟ انتابه شعور مزعج كأن أحداً استفزه أو تعدى عليه. ولكنه أعجب بشعرها الذهبي المنسدل وراء مقعدها، والذي كان يتمايل مع هزات رأسها وهي تتكلم. مصبوغ على الأغلب، ولكنه جميل على كل حال في نعومته وغزارته. كانت تلقي رأسها إلى الوراء وتمسد على شعرها بعناية بين الفينة والأخرى، فالتقت عيناهما بالصدفة. رأى فيهما تعبيراً هادئاً ومحايداً بدا له معاكساً لما يوحي به لباسها وطريقة كلامها. لو أنه يستطيع أن يأتي من الناحية المقابلة ويراها مواجهة، عندها يمكنه أن ينظر إلى صدرها الذي سيكون جميلاً دون شك في هذه البلوزة الضيقة. إلا أنه قد يثير انتباهها عند ذلك، ومن يدري ماذا يكون رد فعلها؟ قد تتظاهر أنها مصدومة، وأنها لم تكن تقصد لفت انتباه أحد بثيابها هذا.
ذكرته بتلك الفتاة التي رآها مرة تسير في خيلاء وخجل في تنورة تكاد تصل إلى أعلى فخذيها، وراح يحدق فيها لبرهة لا يدري كم طالت، قبل أن تنتبه هي إليه وإلى أن شابين آخرين كانا يتأملانها أيضاً. جرحته النظرة التي في عينيها، وراوده شعور يشبه الذنب، إلا أنه أحس في نفس الوقت بالسخط على تلك الفتاة التي أصابتها جرثومة الحياء فجأة. فهل تكون هذه مثل تلك؟ تذكر حديثاً علق بذهنه من جلسة مع بعض الأصدقاء. تحدث أحدهم عن فتاة كانت تتمشى في شارع رئيسي في فستان يكشف مفاتنها للرائح والغادي كما قال، وعندما لاحقها شاب بسيارته وهو يحدثها انفجرت بالبكاء:
- تصوروا! ما دامت محترمة إلى هذا الحد، فلماذا تخرج بهذه الثياب؟ أليست هي التي جلبت ذلك على نفسها؟
وعلق آخر بثقة:
- لا توجد فتاة محترمة ترتدي لباساً قصيراً.
فماذا يكون رد فعلها لو أمعن النظر فيها أو اقترب منها ليكلمها؟ كانت بعيدة عنه، غير أنه فكر أنها تستخدم عطراً أنيقاً دون شك، وإذا اقترب منها فسيسري شذاه في أعصابه فيحس بموجة من الجذل والحنين تنساب في داخله. غير أنه حين نظر إلى ثيابها الجريئة وضحكاتها الرنانة الطلقة، أحس بفجوة شاسعة تفصلها عنه وكأنها تنتمي لكوكب آخر. وبينما راح إدراكه بذلك يتصاعد، أخذ يتملكه حنق متزايد نحوها. لم يدر من أين جاءه ذلك الشعور، ولم يكن قد عرفه من قبل، غير أنه ما لبث أن تحول إلى كراهية حقيقية. وللحظة كان بوسعه أن ينقض عليها ويخنقها بيديه. وأحس بتوتر شديد حتى كاد رأسه يدور، وتصاعد الدم إلى رأسه ...
واستفاق من خواطره على صوت فتاة تكلمه من مقعد مجاور:
- هل هذه محطة الميدان؟
- نعم ... الموقف القادم.
ابتسمت له بلطف:
- شكراً.
وفي لحظة نسي كل ما كان يعتمل في ذهنه للتو. تلك محطته هو أيضاً، وأمامه جولات طويلة بين المتاجر إلى أن يجد كل ما يريد. وبعدها قد يزور يوسف، أو قد يذهب إلى السينما. وسرعات ما توقفت الحافلة، وحين نزل إلى الشارع لم يتذكر أن يلتفت إلى الفتاة ذات الشعر الذهبي ليلقي عليها نظرة أخيرة.
كان الجو صحواً والسماء صافية، وقد أشرف الخريف على نهايته. الشمس ساطعة، ولكنها لطيفة الحرارة. كانت أشعتها الدافئة تضفي جواً من البهجة على الطريق والسائرين فيه، وكثير منهم فتيات في شرخ الصبا قد خرجن في أسراب يتجاذبن الحديث ويضحكن. سيكون مشواره مشوقاً بالتأكيد. وربما لن يذهب للسينما، والأفضل أن يمر بيوسف ليخرجا معاً للاستمتاع بهذا النهار الجميل.